نانسي

سجّل في : 19 ماي 2007 عدد المساهمات : 11
 | موضوع: إذ أصبح الجرح أكبر من الجريح الجمعة يونيو 15, 2007 8:27 am | |
| إذ أصبح الجرح أكبر من الجريح
بقلم: فهمي هويدي حينما تمر أربعون عاماً على النكسة، يحق لنا ان نتساءل عن مواقع أقدامنا الآن. ذلك أن النكسة في حينها كانت وصفاً لهزيمة الجيش والنظام، إلا أن الهزيمة حين تتجاوز تلك الحدود، بحيث تضرب ركائز الأمة وتؤدي إلى تفكيك عراها، فإنها تستحق وصفاً اخر. (1) قبل عدة أسابيع (في 3/4) كتبت مقالة نشرت تحت عنوان "عقدنا الذي إنفرط"، تحدثت فيها عن الشرخ الذي أصاب العلاقات الإسلامية المسيحية أثناء الجدل الذي ثار خلال مناقشات التعديلات الدستورية، خصوصاً ما تعلق بالمادة الثانية المتعلقة بمرجعية مبادئ الشريعة الإسلامية في النظام السياسي المصري. وهي المقالة التي تعددت الردود عليها سواء في الأهرام أو في الصحف الأخرى، لكنني لم أجد فيها ما أقنعني بأن الشرخ غير موجود، وهو الانطباع الذي لايزال مستمراً عندي للأسف. بل انني أزعم الآن أن الشرخ قد اتسع، وأن التوتر الذي تحدثت عنه في بداية شهر ابريل الماضي لا تزداد مؤشراته فحسب، وإنما أيضاً تتعقد ظروفه، حتى قلت في إحدى الندوات التي أثير فيها موضوع حقوق الأقباط: إننا تراجعنا كثيراً إلى الوراء في التعامل مع ذلك الملف، لأن الكلام عن الحقوق يصبح وارداً إذا كان هناك توافق على ضرورة العيش المشترك. حيث لا محل للبحث في حقوق وواجبات الشركاء في أي مشروع قبل الاتفاق على إقامة الشركة أولاً، وفي الوضع الراهن في مصر فإن الرغبة في العيش المشترك باتت محل تحفظ من جانب البعض لأسباب يطول شرحها. لذلك فمن الأهمية بمكان أن يتم التوافق اولاً على تلك الرغبة، مع ما تستصحبه من ثقة واحترام متبادل يقدر لكل طرف حجمه وقدره ويحفظ له مكانته، وبعد ذلك يصبح الكلام عن الواجبات والحقوق وارداً. ليس ذلك موضوعي على أي حال، لكني أوردت النموذج لا لكي ألفت النظر فحسب إلى أن قضية الوحدة الوطنية في مصر تراجعت أشواطاً إلى الوراء، ولكن لكي أنبه إلى أن الانفراط الذي زعمته قبل أسابيع أوسع بكثير من مسألة العلاقات الإسلامية المسيحية، وأن التراجع شمل عناوين أخرى بالدرجة نفسها من الأهمية، حيث تعددت الشروخ وبلغ التفكيك مداه، حتى لم يعد في مصر إجماع وطني على أغلب القضايا الرئيسية. الأمر الذي حول البلد الواحد إلى مجموعة من الجزر المتنافرة التي تجمع بينها جغرافية المكان وتفرق بينها تضاريس الزمان. (2) خذ مثلاً ذلك الجدل البيزنطي حول انتماء مصر العربي، وهل هو مجرد انتماء ثقافي أم أنه عرقي وعنصري في الأساس؟ وهل القومية العربية المعبرة عن ذلك الانتماء شيء أصيل في مصر، أم أنها بدعة وخرافة جرى تلفيقها وإطلاقها في المرحلة الناصرية، لتحقيق طموحات بذاتها أضرت بأكثر مما نفعت؟ فلا صار العرب موحدين ولا بقيت مصر على مصريتها الخالصة. ورغم أن المرجعية الإسلامية تقيس الانتماء العربي بمعيار اللغة وليس العنصر، وتعتبر كل من تمكن من الفصحى عربياً أصيلاً (ثمة حديث نبوي بهذا المعنى)، الأمر الذي يعتبر الهوية الثقافية عنصراً حاسماً في ذلك الانتماء، فإن ثمة دراسات أكاديمية عدة حققت المسألة. وهذه يحضرني منها الآن كتاب "عروبة مصر" للدكتور محمد عزة دروزة (صدر في لبنان عام 1963)، وفيه يقرر الكتاب أن عروبة مصر "أصفى من عروبة بلاد الشام والعراق". أستغرب فتح ذلك الملف الآن، في حين تسعى قوى عدة لطمس هوية المنطقة وتقليص المحيط العربي فيها (الدستور العراقي الجديد نموذج لذلك، إذ نص على أن الشعب العربي في العراق - وليس كل العراق- جزء من الأمة العربية)، كما أن أفكاراً عدة تطرح لإعادة تشكيل المنطقة التي يراد لها أن تنسى كونها عالماً عربياً أو أمة عربية، لتنخرط في إطار جديد يستوعب إسرائيل، ويسمى الشرق الأوسط الجديد او الكبير. لا أستطيع أن أشكك في نيات كل الذين أعادوا فتح ملف عروبة مصر في الظروف الراهنة. لكنني لست واثقاً من جدوى ذلك الحوار وفائدته. كما أنني لا أستطيع أن أعزله عن أجواء الاستقالة من العروبة أو إضعاف وشائجها، التي هبت رياحها على المنطقة في أعقاب الحقبة الناصرية، إما لمحو آثارها وإما لتصفية الحساب معها. لكنني في الوقت ذاته لا أستطيع أن أحسن الظن بكل الذين روجوا لتلك الاستقالة، سواء من خلال تصفية فكرة القومية العربية والدعوة إلى الكفر بها، أو من خلال رفع شعار بلدنا أولاً، ولا شأن لنا بأعباء الهم العربي. وأذهب في ذلك إلى أن الترجمة العملية لتسويق هذه الأفكار تتمثل في إضعاف كل دولة عربية على حدة، وتسليم الفلسطينيين للإسرائيليين بالكامل، وتشجيع إسرائيل على اجتياح العالم العربي وتركيعه، وإخضاع المنطقة كلها للهيمنة الأمريكية، وإطلاق يد واشنطون في كل قطر عربي، بأكثر مما هي عليه الآن. هذه الاستقالة من العروبة المثيرة للجدل في مصر - التي لها صداها في اقطار عربية اخرى- ليست كابوساً مؤرقاً يلوح في الأفق، ولكن لها شواهدها القائمة على أرض الواقع منذ عقدين من الزمان على الأقل. بالتالي فليس فيها جديد، باستثناء أن البعض يسعى في الوقت الراهن لتأصيلها وإضفاء الشرعية عليها. سأضرب مثلاً لتلك الاستقالة بعيداً عن السياسية والاقتصاد وينصب على مسألة اللغة، التي أصبحت تجسد الكارثة العربية، مسجلة في ذلك تدهوراً وانحطاطاً غير مسبوقين في تاريخ الأمة، بل مسجلة درجة مخجلة من الشعور بالعار إزاء استخدام ليس فقط العربية الفصحى، وإنما أيضاً العامية الراقية التي تعد ابنة شرعية للفصحى، حتى أصبحت مشكلتنا الآن ليس فقط أن ننقذ الفصحى من الغارة الخبيثة التي تشن عليها، وإنما أن ننقذ العامية من السوقية والابتذال. ومن أسف أن تلك العامية المبتذلة أصبحت لغة معتمدة في مختلف وسائل الإعلام، بل صارت مع الإنجليزية، لغة إحدى القنوات التليفزيونية الجديدة في مصر. ويزيد الأمر غرابة أن تستخدم العامية في إعلانات المؤسسات الحكومية، التي لجأ بعضها إلى نشر إعلانات بالإنجليزية في صحف عربية تخاطب المواطن العربي. ولا يقف الأمر عند ذلك الحد، وإنما وصلت عدوى الوباء إلى المجتمع المصري، الذي أصبح يشارك في هجران العربية والازدراء بها، حتى أصبحت أمنية كل أب أن يلحق أبناءه بأي مدرسة تدرس الإنجليزية أو الفرنسية، أو أي لغة أخرى باستثناء العربية. (3) لم يكن الإسلام أفضل حظاً من العروبة، إذ لاحقته بدوره دعوات الإلغاء والإضعاف. ورغم أن هذه الدعوات ليست جديدة، وإنما هي إحدى ساحات المواجهة والصراع بين التيارين الإسلامي والعلماني، فإن أجواء الحديث عن التعديلات الدستورية التي شهدتها مصر في مستهل هذا العام وفرت ظرفاً مواتياً لتجديد الدعوة، بجرأة غير مسبوقة، دفعت نفراً من المثقفين والمتعصبين إلى المطالبة بإلغاء كل مرجعية للإسلام أو وجود له في الدستور المصري فضلاً عن الحياة العامة بطبيعة الحال. من ثم فإن ما كان يقال بحذر من جانب البعض، وفي المنتديات والمجالس الخاصة من جانب آخرين، أصبح يتردد في العلن، ويصاغ في بيانات تنشرها الصحف وتجمع عليها تواقيع المثقفين، بل تعقد لأجلها حوارات تليفزيونية تنفر المشاهدين من الانتماء الإسلامي، وتحرض المجتمع على كل من يرفع صوته معبراً عن ذلك الانتماء. كل ذلك بدعوى مكافحة التطرف والإرهاب وقطع الطريق على إقامة الدولة الدينية واحترام حقوق غير المسلمين. وقد حاولت في عدة كتابات نشرت حينذاك أن أنبه إلى مخاطر ذلك المنزلق، الذي يحاول الرد على شعار الإسلام هو الحل، بالترويج لرؤية خطرة تتبنى شعاراً مناقضاً يحاول إقناع الرأي العام بأن الإسلام هو المشكلة. خطورة هذه الرؤية تتمثل في ثلاثة أمور، أولها: انها تحدث شرخاً عميقاً في المجتمع المصري المتدين بطبيعته، وثانيها: إنها تشكل أرضية مواتية لأصحاب الفكر المتطرف الذين يستخدمون اطروحاتها لإقناع الشباب برفض المجتمع والانقلاب عليه، بحجة أنه ضد الدين. أما الأمر الثالث فهو أن إضعاف التدين يسهل من مهمة رياح التغريب العاتية التى تتطلع إلى اقتلاع كل ثوابت الأمة، التي تحفظ لها كيانها واستقلالها واستمرارها. صحيح أن إقصاء الإسلام أو إضعافه، يحقق مراد البعض في الداخل والخارج، إلا أنه في الوقت ذاته يعبر عن درجة عالية من قصر النظر، من حيث ان ذلك قد يحقق لبعض الأطراف في الحاضر مكاسب مرحلية أو تكتيكية، لكنه يهدر في المقابل عوامل استراتيجية وثيقة الصلة بعقيدة المجتمع وهويته، الأمر الذي يعني اننا بذلك نقامر على الحاضر والمستقبل كله. (4) تطول القائمة إذا ما حاولت أن أحصي العناوين الخلافية الأخرى التي غاب عنها الاجماع الوطني، وتدلل على المدى الذي بلغه انفراط العقد. وإذا جاز لي أن اضرب أمثلة لتلك العناوين فإنني اذكر منها ما يلي: في الشأن الداخلي، نحن مختلفون حول استحقاقات الأمن القومي المصري وحول خطوات الإصلاح السياسي، وحول مشاركة التيار الإسلامي في الحياة السياسية، وحول بيع القطاع العام وبيع أراضي مصر للأجانب، وحول خصخصة الخدمات ومجانية التعليم. وحول الانحياز للمستثمرين والأغنياء على حساب الفقراء والطبقة الوسطى. في الشأن الخارجى نحن مختلفون حول الموقف من القضية الفلسطينية، وإقامة السلام المجاني مع إسرائيل، وحول التحالف مع الولايات المتحدة، وحول الموقف من الاحتلال الأمريكي للعراق، والصمت المصري على ما يجري في السودان، والضغوط الشرسة التي تمارس ضده مما يؤثر في الأمن القومي المصري، كما أننا مختلفون حول القطيعة المصرية غير المبررة لإيران التي تجاوزت 25 عاماً، وأضعفت من موقف الطرفين في مواجهة التحديات المشتركة بينهما. أختم بتلخيص تقرير موجع يسجل اتساع رقعة الانفراط تلقيته من رام الله ، قبل أيام قليلة، يصور المدى الذي وصلت إليه علاقات بعض الأنظمة مع إسرائيل بعد 40 عاماً من النكسة، وفيه اشارة إلى حديث مع وزير الدفاع عمير بيريتس بثته القناة العاشرة للتليفزيون الإسرائيلي ذكر فيه أنه حين يلتقي مسئولين عربا يشعر بالدهشة من حجم امتعاضهم من وجود حركة حماس في الحكم. هذا المعنى رددته وزيرة الخارجية تسيفي ليفني في تصريحات نقلتها الإذاعة العبرية في (18/5) قالت فيها: ان جميع الرسائل التى تتلقاها إسرائيل من الحكومات العربية تؤكد أن الزعماء العرب معنيون أكثر من إسرائيل بغياب حركة حماس بأسرع ما يمكن عن دائرة الفعل السياسي الفلسطيني. وأضافت ما نصه: "كلهم يعيبون علينا وعلى الإدارة الأمريكية السماح بمشاركة حماس في الانتخابات الأخيرة، ويتساءلون لماذا نكون نحن أكثر مرونة في التعامل مع الحركات الإسلامية من الأنظمة العربية التي تفعل المستحيل لمنعها من المشاركة في العملية السياسية؟". في هذا السياق أشاد شيمون بيريز القائم بأعمال رئيس الحكومة في مقابلة مع إذاعة الجيش الإسرائيلي بالدور العربي الرسمي في الحفاظ على حصار الفلسطينيين، وأضاف: الأنظمة العربية مثلنا معنية بعدم نجاح تجربة حماس في الحكم. الطريف أن معلقاً إسرائيلياً بارزاً، هو عنان كريستال، شدد على أن إسرائيل معنية بإسقاط حكومة حماس من دون أن تبدي أي مرونة في موقفها السياسي، وقال: لو قام العرب وأبومازن بتقديم رؤوس حركة حماس على طبق من فضة لإسرائيل، فإن أولمرت لن يقدم على أي خطوة في مجال تسوية القضية الفلسطينية. لقد أصبح الجرح أكبر من الجريح.
function NewWin(url) { NewWindow=window.open(url, 'popUpWindow', 'resizeable=no,width=300,height=410,scrollbars=no,toolbar=no,location=no,menubar=no,status=no') } |
|