العمر : 44 سجّل في : 14 فبراير 2007 عدد المساهمات : 362
موضوع: درس في التغليط والافتراء الخميس ماي 03, 2007 8:25 pm
درس في التغليط والافتراء بقلم: فهمي هويدي ما بال بعض زملائنا المحترمين قد استغرقهم الاستقطاب وغلبهم الهوى، حتى صاروا عاجزين عن التفاعل مع ما هو وطني ووفاقي، ومصرين على اقحام الصراع العلماني الإسلامي في كل مناقشة؟ الأمر الذي لا يقلص من مساحة الحوار والمشترك فحسب، ولا يفسد الود في كل قضية فحسب، وإنما أيضاً يفقدهم الموضوعية والاتزان، بما ينال من قاماتهم المقدرة. ( 1 ) يوم الثلاثاء قبل الماضي (17/4) كتبت في هذا المكان مقالة بعنوان «أفراحهم واتراحنا«. كانت انفعالاً بالاحداث الجارية حولنا في تلك الأيام، قلت في مقدمتها ما نصه: «تأبى المقادير إلا أن تبعث لنا في ثنايا أخبار الساعة برسائل لها مفعولها في التنبيه والإيقاظ، علها تبصرنا بالفرق بين ممارسات الديمقراطية الحقيقية، وتلك المزورة والمغشوشة«. بعد أن استعرضت في المقال مشاهد من الحاصل في موريتانيا وتحدي الكونجرس للرئيس الأمريكي، والانتخابات الفرنسية، وشجاعة البرلمان في أوكرانيا، ختمت المقالة بفقرة هذا نصها: «حين يقرأ المواطن العربي رسائل هذه الأخبار ويقف على دلالتها في التعبير عن قوة المجتمعات والمؤسسات، فانه لا بد أن يصاب بالاكتئاب والحسرة، إذا ما رفع رأسه وتلفت حوله، مادا بصره من المحيط إلى الخليج. إذ سيجد أن الحيوية والآفاق المفتوحة التي يراها في الأخبار، تقابلها على الجانب الآخر بحيرة من الركود والجمود، ومساحة شاسعة من الأفق المسدود. وسيكتشف انهم هناك يقيمون بنيانهم ويراهنون على تحصينه وارتفاع طوابقه، بينما عالمنا العربي لايزال عاكفا على تحسس التربة ومحاولة رأب صدوعها«. كما رأيت، فان المقال من أول سطر إلى آخر سطر فيه كان تعبيراً عن الشوق لديمقراطية يفتقدها العالم العربي، ترد للمجتمع فاعليته وكرامته، وتأخذ بيده نحو النهوض والترقي. لكن البعض لم يقرأ فيه هذه الرسالة، واستخرج من المقالة قرائن محاكمة الكاتب ومحاولة تشويهه واغتياله معنوياً، بل وظفها في السعي إلى تحريض السلطة المصرية عليه، من خلال الزج بحزمة من الافتراءات والتأويلات، التي لا اصل لها ولا أساس، وإنما هي من وحي خيال من كتب ومرائره «مراراته«. أما كيف حدث ذلك؟ فإليك الحكاية. ( 2) يوم الاثنين الماضي، نشر «الأهرام« في ذات المكان الذي تحدثت فيه عن «افراحهم واتراحنا« مقالاً لاحد الزملاء المحترمين تحت عنوان «عندما يصبح الأصولي ديمقراطيا«، اجرى فيه محاكمة لمضمون مقالي عبرت عنها النصوص التالية: * ان نزاهة التحليل (تقتضي النظر) إلى الطريقة التي يدير بـها التيار الأصولي الإسلامي حديثه عن الديمقراطية، التي كان حتى وقت قريب يعتبرها جزءاً من التراث الغربي المنحل، الذي لم تصل إليه بعد هداية النظام الذي يقوم على الولاية العظمى. * ان الأمثلة (التي اوردتها في مقالي) ديمقراطية بالفعل، لكن أيا منها ليس النموذج الذي يطالب المثقف الأصولي (الذي هو العبد لله) بتطبيقه في مصر. وعندما طرحت فكرة النص على المواطنة كتعبير عن هوية الدولة المصرية، جرى صاحبنا إلى المماحكة بأن قاعدة المساواة مقررة بالفعل في الدستور. ولكنه كان نفسه من استبعد فكرة حرية الاعتقاد على اساس أنها لا تنطبق على البهائيين. بل أكثر من ذلك كان هو الذي جرى وراء عقد اتفاق مع إيران لمنع التبشير الشيعي أو السني بالتبادل بين بلدان الأكثرية والسنية والشيعية، بغض النظر عن حرية الاعتقاد والمساواة بين الأفراد. * ان الأمثلة المذكورة (في مقالي) لا تتناسب مع النموذج الخاص للمثقف الأصولي (هل أكرر المقصود به؟) الذي يقوم على أن الإسلام هو الحل. وعندما تداعى عدد من المثقفين اثناء التعديلات الدستورية، وطالبوا بإعادة النظر في المادة الثانية من الدستور، هبت قائمة المثقفين الأصوليين، لا دفاعاً عن الديمقراطية في صورتها (المذكورة في المقال) وإنما في صورتها الإيرانية تحت حكم الخميني، وصورتها السودانية تحت حكم الترابي. * ان المحتفي بالنماذج الفرنسية والأمريكية والاوكرانية (لم يذكر الموريتانية) هو ذاته الذي اتهم المثقفين بزرع الفتنة والطائفية، لأنهم تجاسروا على اقتراح دولة تكون قاطعة المدنية ولا يوجد فيها لبس أو اختلاط حول أن السياسة صناعة بشرية خالصة، وأن الناس بالفعل اعلم بشئون دنياهم. * اننا نحتاج إلى نوع من الأصالة الديمقراطية لدى التيارات السياسية كلها، لا تستخدم الديمقراطية كطريقة للإحراج والاحباط والتدليس والغش السياسي، أو الوصول إلى الحكم باستبداد ديني، اعتماداً على استعارات من نظم سياسية لم تؤمن بها هذه التيارات يوما ما. * انه لا يجوز (مثلاً) اعتبار دولة الخلافة الإسلامية مجرد التعبير العصري للإسلام، يماثل الوحدة الأوروبية بين دول وثقافات ومصالح متنوعة. لأن صاحبنا الأصولي سوف يكون أول من يدفع عند كل منحنى من منحنيات السياسة بالخصوصية الثقافية والهوية السياسية والذاتية الحضارية، التي لا تلتقي أحدا إلا على طريقة الدولية الإسلامية لجماعات وحركات سرية وعلنية. كما لا يجوز اعتبار «النقاب« مجرد لبس قومي مثله مثل الساري الهندي، لأن هذا وذاك لهما تعابير مختلفة في النظر إلى المرأة باعتبارها جزءاً من التراث الوطني (هكذا كتبها) أو أنها أساس متحرك للفتنة والغواية. (3) ملاحظاتي على ما ذكره الكاتب المحترم هي: 1- انه ادعى انطلاقاً من «نزاهة التحليل«، لكنه لم يورد نصاً واحداً من كتاباتي يؤيد الادعاءات التي ذهب إليها. ولأن الكاتب اعفى نفسه من التوثيق والاستشهاد بأي نص لي، فانه اطلق العنان لنفسه لكي ينسب إلي آراء مختلقة من قبيل اقحامي ضمن من اعتبروا الديمقراطية من التراث الغربي العلماني المنحل، (غير منتبه إلى أن لي كتاباً صدر في عام 1993 بعنوان الإسلام والديمقراطية، يقرر السطر الأول فيه ما نصه: «لا يحسبن احد أنه يمكن أن تقوم لنا قيامة بغير الإسلام، أو أن يستقيم لنا حال بغير الديمقراطية«). كما أنه سمح لنفسه بأن يروج لأكاذيب عدة، من قبيل زعمه انني اعتبرت أن حرية الاعتقاد لا تنطبق على البهائيين، وهو موضوع لم اتطرق إليه البتة، الأمر الذي يدعوني إلى مساءلته عن مصدر تلك المعلومات المغلوطة، ودوافعه إلى ترويجها. 2- انني كتبت ما كتبت عن افراحهم واتراحنا بوصفي مواطناً يتوق إلى الديمقراطية، ويعبر عن اعجابه بالنجاحات التي حققتها متمنياً أن يتمثلها عالمنا العربي، ولكن الكاتب «النـزيه« قرأ النص باعتباره موجهاً إلى مصر دون غيرها وصادراً عن «أصولي« انتحل الدفاع عن الديمقراطية، لكي يمارس بها التدليس والغش. ورغم أنني لست انفي اعتزازي بديني، ولا ابالي بتصنيفي أصولياً من جراء ذلك، ولا اعتبر أنها تهمة تستحق الرد بل شرف يبعث على الرضا والاطمئنان، فإنني أسأل الكاتب «النـزيه« هل هناك ما يمنع الأصولي من أن يكون ديمقراطياً، وبأي معيار علمى أو موضوعي يمكن اعتبار الديمقراطية وقفاً على العلمانيين دون غيرهم؟ 3- لم يكتف الكاتب بطمس صفتي كمواطن في قراءة رسائل التجارب الديمقراطية التي اشرت إليها، واصراره على أن تلك القراءة ليست سوى ملعوب اصولي خبيث، وإنما ذهب أيضاً إلى انها تعبير عن التيار الأصولي الإسلامي، فحاكمني بكلام غيري. من ثم بعد أن حاصرني في الدائرة الأصولية، فانه اختزل موقف التيار الأصولي فيما كتبت، في ممارسة أخرى «للنزاهة« المهنية والأكاديمية. 4- هل يستطيع الكاتب المحترم أن يقيم الدليل على ادعائه انني حين دافعت عن التجارب الديمقراطية في النماذج التي اشرت إليها في مقالي، كنت اضمر دفاعاً عن التطبيق الإيراني تحت حكم الامام الخميني أو النموذج السوداني كما طبقه الترابي؟ وهل يستطيع ان يثبت أن الدافع لانتقادي بيان المثقفين المائة، أنهم اقترحوا في تعديل الدستور أن تكون مصر دولة قاطعة المدنية، ولم يكن معارضة لالغاء أو اضعاف الهوية الإسلامية للدولة؟ 5- بذات الدرجة من «النزاهة« دس الكاتب في سياق كلامه اشارات تحريضية صريحة من قبيل قوله: ان رسالة مقالتي «كانت نكاية في حال النظام المصري«، وان الهدف مما ذكرت هو «التشكيك في شرعية النظام المصري«، ومن قبيل غمزه غير البريء في رحلتي إلى إيران، في تساؤله «عن مشروعية قيام جماعة من الجماعات السياسية من دون تفويض من احد، بالتفاوض مع دولة اجنبية هي إيران«. وفي هذا الادعاء أو البلاغ الأخير جرأة باعثة على الدهشة، لأنني نشرت على الملأ في (6/2) تقريراً عن الرحلة في مقال تحت عنوان «مهمة في طهران«، قلت فيه بوضوح: إنها كانت مهمة كلفت بها مع الدكتور محمد سليم العوا، باعتبارنا نمثل اتحاد علماء المسلمين ومن اعضاء مجلس امنائه. وهو ليس جماعة سياسية كما ادعى صاحبنا «النـزيه«، وان الهدف منها كان السعي إلى امتصاص وإزالة اسباب الفتنة التي اثيرت بين السنة والشيعة. وبالمناسبة ولعلم الكاتب المحترم - فإنها لم تتطرق إلى مسألة حرية الاعتقاد بين الشيعة والسنة، ولكنها نقلت رغبة اتحاد العلماء في أن تنأى الدولة الإيرانية بنفسها ممثلة في بعض سفاراتها وملحقياتها، عن القيام بدور في عملية التبشير بالمذهب في المجتمعات ذات الأغلبية السنية. (4) المشهد يبعث على الحزن والرثاء، بأكثر مما يحرك مشاعر الاستفزاز والغضب، لماذا؟ لأن الكلام بدأ بحديث عن هم الوطن والأمة، ثم قوبل باشتباك أريد به تصفية الحسابات، ومحاكمة استهدفت التشهير والتجريح وهز الثقة وصولاً إلى الاقصاء والاغتيال. الأمر الذي دفعني إلى القول: إن الكلام بدأ تفكيراً وشوقاً وانتهى فصلاً في «الردح السياسي«. وبدلاً من أن يتواصل الكاتب معه طارحاً «افكاراً« حول كيفية الاحتشاد الوطني لمختلف القوى والفصائل، من اجل تعزيز الديمقراطية الحقيقية، بما يكفل للناس حقهم في المشاركة والمساءلة وتداول السلطة، وهو ما بحت اصواتنا في الإلحاح عليه والدفاع عنه طوال السنوات التي خلت، بدلا من ذلك، فإن صاحبنا آثر أن ينسف الحوار ويصادره بحزمة الأكاذيب والافتراءات واساليب التحريض، التي وزعها في انفعال مدهش على جبهة عريضة شملت الكاتب والأصوليين واتحاد علماء المسلمين والاخوان، وكل «التيار« الذي يذكر الإسلام بخير أو يتعاطف معه. وكانت النتيجة أنه لم يبن شيئاً، وإنما حاول أن يهدم كل من اعتبرهم خصوماً، غافلاً عن حقيقة أنه هو والذين حاول ان يهدمهم يعيشون في ظل وطن واحد، يستحق مشاعر ارقى وعطاء افضل. على مستوى شخصي، فقد استغربت وحزنت للمستوى الذي بلغه التعليق على ما كتبته، ليس فقط لما اتسم به من اضطراب وخفة وانفعال، وانما ايضاً لما بلغه من هبوط في المستوى، الأمر الذي دفع صاحبه إلى التلفيق والتغليط والتحريض. وإذا قال قائل: إن ثمة تدهوراً في مستوى السجال الصحفي هذه الأيام، فلن اختلف معه، اذ مع التسليم بذلك، إلا أنه لايزال في الساحة اناس لهم رصيد من الاحترام، ومنابر لاتزال تحتفظ بمكانتها، ومازلت أتمنى أن يتنـزه المحترمون عن الانسياق وراء موجة التدهور التي لا تعرف سوى لغة الردح السياسي، بقدر ما أتمنى أن تحافظ المنابر المحترمة على وقارها واحتشامها، انقاذاً لما تبقى لها من سمعة. انني إذ أقر بأن تقاليد الحوار في الصحافة المصرية تآكلت بصورة نسبية، إلا أنني كنت واحداً ممن ظنوا أن انخراط بعض الاكاديميين في المهنة خلال العقود الأخيرة سيكون عنصراً مساعداً على ايقاف عجلة تدهور تلك التقاليد، عبر استصحاب بعض من سمات الموضوعية والنزاهة المفترضتَين في العمل الأكاديمي. لكن يبدو أنني كنت مسرفاً في حسن الظن بالنسبة إلى البعض على الأقل. وفي النموذج الذي بين ايدينا ما يدل على ذلك، حيث وجدت ان صاحبنا الذي استكثر على مثلي ان يكون ديمقراطياً، اسرف في الاستسلام للانفعال والهوى بحيث استدعى من رذائل صحافة هذا الزمان بأكثر مما استلهم من فضائل خلفيته الأكاديمية او حنكة عضويته في اللجان السياسية. وهو محظور يتعين الحذر الشديد منه، لأنه اساء إلى صاحبه أيما اساءة على النحو الذي رأيت. ان نصيحتي للزميل المحترم الا يسمح لمرارته او حتى طموحاته بأن تنسيه ما تعلمه في أصول البحث ومناهجه. والى ان يتحقق ذلك، فانني أرجوه الا يعود الى ذكر «النزاهة« مرة اخرى، بعد الذي فعله بها. اما الذي فعله معي فانه يذكرني بما قاله الكاتب الالماني برتولت بريخت في مسرحيته «جاليليو جاليلي«: ان الافيال المدجنة هي الاكثر شراسة في تعاملها مع رفيقاتها في الغابة.
zaid
سجّل في : 19 أبريل 2007 عدد المساهمات : 23
موضوع: رد: درس في التغليط والافتراء الثلاثاء ماي 08, 2007 2:21 pm