منتديات شباب العرب لكل العرب مدير المنتدى / سعيد حسين ياسين العطـار

لكل شاب ولكل فتاة في الوطن العربي والعالم الاسلامي اهديكم هذا العمل لوجه الله تعالى
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 فقهاء التنوير من عمر بن الخطاب يكتبه وائل السمري لكم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
said63
منتديات شباب العارب
منتديات شباب العارب
avatar

عدد الرسائل : 3822
العمر : 54
تاريخ التسجيل : 14/02/2007

مُساهمةموضوع: فقهاء التنوير من عمر بن الخطاب يكتبه وائل السمري لكم    الجمعة أغسطس 03, 2012 11:44 pm

وائل السمرى يكتب: فقهاء التنوير.. ابن حزم الأندلسى.. إمام الحب والحرية..لم يعترف إلا بالكتاب والسنة ونهى عن تقليد أى إنسان حتى لو كان صحابيا وأحل الموسيقى واعتبرها من نعم الله على عباده
الإثنين، 30 يوليو 2012 - 09:27
ابن حزم الأندلسى
بقلم وائل السمرى _ نقلاً عن العدد اليومى
◄قال: لا يغرنكم الفساق والمنتسبون إلى الفقه اللابسون جلود الضأن على قلوب السباع المزينون لأهل الشر شرهم

◄أعطى العبيد والجوارى كافة الحقوق وأباح للعبد الزواج من أربعة وألزم الدولة بمساعدته فى التحرر من الرق وساوى بين الرجل والمرأة
شاعر يرى العالم بقلبه ووجدانه، حالم بعالم حر يتساوى فيه الفقير والغنى والعبد والسيد، فقيه فى دينه صلب فى محاوراته بما أعجز عنه خصومه وأعيا مناوئية، صابر على الابتلاء صامد فى وجه الظلمة الظلماء، محبا للحياة بألوانها وتناغمها وتراحمها، مؤمن بقدرة الإنسان وحريته فى أدق تفاصيل الحياة وأحرجها، هو ذلك الفقيه الذى أذل الملوك وما أذلوه، وأخضع أعوان الظلمة وما أخضعوه، هو ابن حزم الأندلسى أكبر وأهم أعلام المذهب الظاهرى الذى فرق به بين الحق والباطل، وأثرى به الفقه الإسلامى مضيفا للفكر الإسلامى بعدا جديدا جديرا بالاحتفاء والاحترام.

نشأة ابن حزم «384هـ: 456هـ» فى عصر الدويلات الإسلامية بالأندلس جعلت فى قلبه ميلا دائما للتوحد حول المفاهيم النقية للدين الإسلامى بروحه الرحبة وحرصه على إنسانية الإنسان وتفردها، ولأنه نشأ فى دولة الحضارة والعلم والفلسفة والجمال كان لذلك أكبر الآثار فى رؤيته للحياة والفقه، فكان يرى أن الإسلام دين الحياة لا يتعامل مع الإنسان باعتباره كما مهملا، لكن باعتباره سيدا للعالم، حرا فى اختياراته، واعيا فى إدراكاته، مسؤولا عن قراراته، وبالطبع لم يكن هذا التوجه ليعجب الأمراء والملوك الذين كانوا يشبهون إلى حد بعيد ملوك ورؤساء أيامنا هذه، فقد كانوا يتنمرون على الكتاب والمفكرين ويتصاغرون أمام أعداء الأمة المتآمرين عليها والمتربصين بها، حتى قال الشاعر فيهم: مما يزهدنـى فى أرض أندلس ألقاب معتضـد فيها ومعتمـد/ ألقاب مملكة فى غير موضعها كالقط يحكى انتفاخا صولة الأسد.

كانت هذه هى الأجواء التى نشأ فيها ابن حزم، وقد اختبرته الحياة بتجاربها القاسية فانعكس ذلك على سلوكياته، فللتجارب القاسية فعلان، الأول إذا ما صادفت نفسا ضعيفة قهرتها وحولتها إلى دمية فى يد الزمان، وإن قابلت نفسا قوية راسخة صقلتها وثقلتها وحولتها إلى ظاهرة يتحاكى بها القاصى والدانى، وكان الإمام ابن حزم من النوعية الثانية، التى ما زادها تقلب الأحوال وانقلاب الممالك وضياعه بعد وفاة أبيه الذى كان وزيرا إلا رسوخا وقوة، فاعتمد على عقله وطور من ملكاته وقدراته ومعلوماته، وزاد فى تحصيله للعلم حتى أصبح محيطا بأغلب علوم عصره، فدرس بجانب العلوم الدينية واللغوية علوما دنيوية كثيرة أفادته فى معرفة خصائص الطبيعة ودخائل النفس الإنسانية، فدرس الفلسفة واطلع على كتب الأدب والشعر المترجمة، كما درس الخطابة والفلك والفراسة، بالإضافة إلى الرياضيات وما اشتق منها من كيمياء وفيزياء، كما نهل من منابع الحضارة العربية بكل ما أوتى من قوة، فدرس الشعر ووقف على صفحات التاريخ ووعى الحكمة من أيام العرب وحروبها.

وتلقى الإمام ابن حزم أول ما تلقى من علوم الدين الفقه المالكى، فى وقت ساد فيه فقه مالك فى أغلب ربوع الأندلس، لكنه سرعان ما تمرد عليه مجاهرا بخلافه مع شيخه فى أحد المسائل الفقيه، ولأن عوده لم يكن قد اشتد بعد، هزمه الشيخ فى أول مناظرة فقهيه له، لكن على ما يبدو أن هذه هى المناظرة الأولى والأخيرة التى يهزم فيها الإمام ويبهت أمام مناظره، ولم يكن ابن حزم ليفوت هزيمته دون أن يردها، فاستعد جيدا لشيخه وناظره ثانية فظهر عليه أمام أقرانه، لكن ما لا شك فيه هو أن الإمام لم يضع نفسه بهذا الموقف من باب الاستعراض على شيخه أو تطاوله عليه، لكنه كان دائم البحث عن أسباب انحدار عصره موقنا أن فساد الكل ينعكس على فساد الجزء، وفساد الجزء ناتج بالضرورة من فساد الكل.
ولأن روحه الطلوق لم تكن لتقنع بتعاليم مذهب واحد مهما كان عظيما، فقد تقلب بين مذاهب السنة ودرس المذهب الشافعى وأعجب فيه بتمسك الشافعى بنصوص السنة وأحكام القرآن الكريم، وفى وجهة نظرى فقد أعجب الشيخ بقدرة الإمام الشافعى على استخلاصه لنفسه مذهبا يضاهى مذهب أساتذته «أبى حنيفه ومالك» ولكنه بعد أن تقلب بين المذاهب وعرفها وخبرها اختط لنفسه منهجا آخر، مخالفا كل ما درسه من فقه ومفيدا من خبراته المتراكمة، فاختار طوعا أن ينتهج منهج الإمام داوود الأصفهانى صاحب المذهب الظاهرى، ولما عاتبه أحد أصدقائه لهجرانه المذهب المالكى وهجومه عليه قال له إن المسيح عليه السلام حينما سئل من هو المخلص فقال: «المخلص من إذا عمل خيرا لا يهمه أن يحمده الناس».

ولأن اختيارات الإنسان واقتباساته هى شخصيته الحقيقة فقد دلنا الاقتباس السابق الذى ساقه الإمام ابن حزم على لسان نبى الله عسى ابن مريم على أن الإمام منذ بداية رحلته مع المذهب الظاهرى لم يكن يهتم إذا مدحه أحد أم لا، وطبيعى أن من لا يكترث بمدح الناس لا يأبه بانتقاداتهم، وهذا دليل آخر على قوة شخصية الإمام ومتانتها، وصلابة عزيمته وتحصنها، فوقف الإمام وحيدا، لا يستوحش الطريق لقلة سالكيه، معلنا أخذه بالمنهج الظاهرى الذى لا يعترف بالقياس ولا التعليل ولا التقليد ولا إبداء الرأى، مسقطا عن الكهنة أقنعتهم ورافضا احتكارهم التحدث باسم الدين وأجاز لكل فاهم للعربية أن يتكلم فى الدين بظاهر القرآن والسنة، مخالفا فى فقهه المذاهب الأربعة «المالكى والحنفى والشافعى والحنبلى» قائلا إن هؤلاء الأئمة قد عنوا بالاستنباط من الكتاب والسنة بينما هو يأخذ أحكامه من الكتاب والسنة مباشرة، وفى حين أخذ كل الأئمة بقول الصحابة وأحكامهم امتنع ابن حزم عن تقليدهم فى آرائهم، حتى لو كان صحابيا، وكان لا يصرح لأحد أن يقلد أحدا حتى لو كان صحابيا.

ولم يكن الإمام ابن حزم مبتدعا فيما قاله، وإنما كان يتبع قول رب العزة «اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون» ومن قوله تعالى «وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا» وحينما قال له البعض إن الله يأمرنا بأن نأخذ العلم عن أهل الذكر قال لهم إن الله عرف الذكر فى القرآن الكريم وهو القرآن الكريم نفسه وهو السنة النبوية المشرفة وذلك حينما قال: «وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزّل إليهم» وإمعانا فى كسر هيمنة أتباع المذاهب المتفرقة خاصة المذهب المالكى والذين أصبحوا كهنة جددا يتبركون بعباءة أئمتهم ويستسقون بها أوجب الإمام ابن حزم الاجتهاد حتى على الرجل العامى، قائلا فإن قالوا لك لا نقدر على الاجتهاد كذبوا فما يعجز أحد عن أن يسأل عن حكم الله ورسوله فى أى مسألة يفتيه فيها العالم، وبهذا أوجب على أى سائل أن يتحرى عن الأسس التى أفتى بها مفتيه.

وعلى هذا فقد أسقط ابن حزم الإفتاء بالرأى والقياس والاستحسان ما عدا «الكتاب والحديث» قائلا: إن من أفتى بالرأى فقد أفتى بغير علم ولا علم إلا القرآن والحديث» مستدلا على رجاحة رأيه بالآية التى تقول: «ما فرطنا فى الكتاب من شىء» وقوله تعالى: «فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر» ويبرهن الإمام لرأيه أيضا بالاستدلال على ما أقر به جميع الأئمة من كراهة للفتوى وهو ما ثبت عنهم جميعا باختلاف طفيف فى طرائق التعبير يكفى مثلا أن نتذكر قول الإمام مالك «والله لوددت أنى ضربت بكل مسألة أفتيت فيها برأيى بسوط وسوط.. وليتنى لم أفت بالرأى».

وعلى هذا النحو أنتج الإمام كتبا غاية فى الأهمية فى تاريخ الفقه الإسلامية متبعا المنهج الظاهرى، منها كتاب الإحكام فى أصول الأحكام، وكتاب إبطال القياس والرأى والاستحسان والتقليد والتعليل، وكتاب «مسائل أصول الفقه» وكتاب «الإجماع ومسائله على أبواب الفقه» وكتاب «كشف الالتباس ما بين الظاهرية وأصحاب القياس» وكتاب المحلى بالآثار فى شرح المجلى باختصار» وهو من أهم كتبه وأشملها، ويبدو أن الأمام كان مجبرا على هذا الاتجاه لما رآه بعينه من تلاعب الفقهاء بالنصوص الإسلامية وإهمالهم لها، فى سبيل إعلاء رأيهم الذى كان فى الغالب ينفذ رغبات الحكام وأهوائهم، فقد شهد هذا العصر انتهاكا لحرمة القضاء بشكل مريب، وانتشرت ظاهرة تأجير منصب «القاضى» بما يسمى «الضمان» والضمان هو أن يدفع القاضى مبلغا ماليا مقدما كل سنة أو كل شهر للوالى ليضمن ألا يعزله، صار ذلك أمرا مألوفا كما صاروا يضمنون الشرطة والحسبة وكان هذا بداية ما قال عنه أحد المؤرخين «خراب الفقه بل الإسلام، ففساد الدين الطمع، وصلاحه الورع».

والناظر إلى هذا التوجه فى الفقه الإسلامى ربما يتوهم أنه كان توجها ضيقا وذلك لعدم اعترافه بأى شىء سوى النص، لكن فى الحقيقة فقد كان ابن حزم من أكثر الفقهاء اعتدالا وإدراكا لمتغيرات العصر وانفتاحا على فهم النصوص الإسلامية، فهو يرى مثلا أن الموسيقى ليست محرمة على الإطلاق، بل يرى أن الاستماع إلى الموسيقى مباح مثل التَّنَزُّه فى البساتين ولبس الثياب الملونة، أما الأحاديث التى وردت فى النهى عنها فيقول ابن حزم إنها ليست صحيحة فى مجملها وإن أغلب الأحاديث التى حرمت الموسيقى إما موضوعة أو منقطعة واحتج على مخالفيه بحديث أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها أن جاريتين كانتا تغنيان فدخل أبو بكر فنهرهما وقال: أبمزمور الشيطان فى بيت رسول الله فقال الرسول: «دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد». ومن المعلوم أن العيد لا يحل الحرام. وقد رد بعضهم الاستدلال بهذا الحديث بأن هذا غناء بلا آلات. وهذا خطأ لقوله: أبمزمور الشيطان؟ إذن هى مزامير. ولو قبلنا أن المقصود هنا هو الدف لتوجب أن تحمل النصوص التى يحتج بها المحرمون على نفس المحمل، وهكذا أخذ يفند الأحاديث واحدا تلو الآخر، حتى إنه رد الحديث الذى رواه البخارى معلقا فى صحيحه وقال إنه معلق وغير مسند. والمعروف أن المعلق نوع من الضعيف.

بالسنة النبوية المشرفة الصحيحة، وبكتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أنشأ ابن حزم توجهه الذى أعلى فيه من قيمة الإنسان وقدس فيه كونه خليفة الله على الأرض معتبرا حرية الإنسان وتحرير إرادته أسمى آيات الإسلام، فكان يؤمن أشد الإيمان بمبدأ حرية الإنسان ومسؤوليته على أفعاله، متحديا بذلك مدعى الجبرية، ومحتجا عليهم كعادته بكتاب الله وسنته، ومؤكدا أن الإنسان صحيح الجوارح يتحكم فى أفعاله وحركاته بينما الجبرية تعنى أن الإنسان لا يستطيع أن يتحكم فى أفعاله وهو ما تكذبه الطبيعة.

وانعكست نظرية الحرية تلك التى ساقها متحديا مدعى الجبرية على فقه الإمام وأحكامه التى استخرجها من القرآن، ويعد موقفه من مسألة العبودية سابقا لعصره بمئات السنين، فقد دعا إلى عتق العبيد والجوارى بكل الطرق الممكنة فاتحا باب العتق وموجها الدولة إلى لعب دور كبير فى هذا الشأن، وكان يؤكد أن العبيد لا يختلفون عن الأحرار فى شىء ولهم ذات الحقوق، بل قال فى أكثر من موضع إن من العبيد أتقياء وصالحين، وأفضل كثيرا من الأحرار، ولفتح باب التحرر من الرق أفتى بأنه إذا رغب عبد فى تحرير نفسه فعلى مالكه أن يساعده على ذلك ويحرم عليه أن يمنعه من التحرر، مستشهدا بالآية الكريمة التى تقول: «والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم مال الله الذى آتاكم» والأكثر من ذلك أنه أقر بحق العبيد فى الزواج من أربعة نساء، كما أجاز لهم أيضا أن يمتلكوا جوارى يتسرون بهن، قائلا إن الله حينما قال «فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع» لم يخصص عبدا من حر فى ذلك، وكذلك الأمر فى شأن حق العبد فى امتلاك جارية، وبهذا فتح ابن حزم الباب لعتق العبيد من الرق بشتى السبل كما أنه ساوى بينهم وبين الأحرار فى الواجبات، غير أنه احتفظ لهم بمزية أن يعاقبوا نصف العقوبة إن أخطأوا وذلك لأن النص القرآنى أقر بذلك صراحة.

هكذا يجلو ابن حزم وجه الحقيقة الإيمانية الكبيرة ألا وهى أن «الإسلام دين الحرية» فقد عمد بكل السبل إلى تخليص البشرية من العبودية وصدر للعالم صورة الإسلام المضىء المبهر، ومن يطلب الحرية للغير فمن المؤكد أنه يطلب الحرية لنفسه، ولهذا نرى ابن حزم يتيح لنفسه حق الاختلاف مع أستاذه «أبا داوود الأصفهانى» فى كثير من المسائل مبررا ذلك بالقول «أبوسليمان داوود شيخ من شيوخى إن أصاب الحق فنحن أتباع للحق، وإن أخطأ اعتذرنا له واتبعنا الحق حيث فهمناه» وبناء على هذا التوجه أفتى ابن حزم بأن للمرأة كامل حقوق الرجل ولها أن تعمل مثلما يعمل الرجل فى كل المناصب من الحسبة إلى القضاء، عدا تولى إمامة المسلمين، لكن ما عدا ذلك فهو حق لها وعلى المجتمع أن يعينها على ذلك، كما أفتى بوجوب تقديس حرية الإنسان حتى وهو على فراش الموت، مقرا حقه فى أن يهب من يشاء من ثروته أو يوصى لمن يشاء بها أو يتزوج أو يطلق، وبالتوازى مع هذا التوجه المتحرر أفتى الإمام بأنه يحرم على أصحاب الآبار أى المستحوذين عليها أن يمنعوا الناس عنها ولهم فقط أن يأخذوا منها ما يسد حاجاتهم، كما أفتى بتحريم تأجير الأرض الزراعية وقال إن النظام الأمثل لاستغلالها هو المزارعة أو المشاركة، وهو ما جعل البعض يقولون إنه فى هذا التوجه «ينزع منزع الاشتراكية»

وبالطبع فقد انعكس هذا التوجه الحر على مواقف الإمام السياسية، فقد جاهر بنبذ الظلم والهجوم على ملوك الطوائف قائلا: إن كل مدبر «أى والى» مدينة أو حصن فى شىء من أندلسنا هذه أولها عن آخرها خراب، محارب لله تعالى ورسوله وساع فى الأرض بفساد، يشنون الغارات على أموال المسلمين، ويبيحون لجندهم قطع الطريق، يضربون المكوس والجزية على رقاب المسلمين».. وقال ابن حزم فى رسالته: لا تغالطوا أنفسكم ولا يغرنكم الفساق والمنتسبون إلى الفقه اللابسون جلود الضأن على قلوب السباع المزيفون لأهل الشر شرهم الناصرون لهم على فسقهم.

وكنتيجة طبيعية لكل هذا الوعى المتفتح، وكل هذه الشجاعة الخارقة فى نقد الذات ونقد الآخر، استعدت آراء ابن حزم عليه الكثير من فقهاء السلطان فأخذوا يكيدون له حتى نالوا منه بأكبر عقوبة من الممكن أن تنزل على فقيه أو مفكر، لكن الإمام القوى الذى لم يقدر على أن يقف أمام شجاعة عقله أحد استهزأ بهذا الفعل أيما استهزاء، فسخر من مناصبيه العداء منشدا من شعره أبياتا حفظها التاريخ بكل فخر مثلما حفظ فقهه فقال الإمام:
إن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذى/تضمنه القرطاس بل هو فى صدرى
يسير معى حيث استقلت ركائبى/وينزل إذ أثوى ويدفن فى قبرى

وائل السمرى يكتب: أئمة التنوير.. أقضى القضاة الإمام أبوالحسن الماوردى.. فصل بين الشريعة والسياسة قائلا: الأدب أدبان.. أدب شريعة وأدب سياسة فأدب الشريعة ما أدّى الفرض وأدب السياسة ما عمّر الأرض
الثلاثاء، 31 يوليو 2012 - 09:00
الإمام أبوالحسن الماوردى
◄أكد أن الحكم يعتمد على العقل والعدل قائلا: والعدل صورة العقل وبه عمرت الأرض وقامت الممالك وانقطع العباد

◄أفتى بأحقية تمليك الأرض لمن يزرعها دون إذن الحاكم وأقر حق الدولة فى تأميم بعض الممتلكات تحت مبدأ المنفعة العامة

حكيم، يعرف مقدار الكلام ومعناه، أديب، تجد المأثورات الأدبية والأبيات الشعرية منسابة على لسانه وقلمه وكأنها جزء منه وهو جزء منها، بليغ، يوجز فى جملة ما يقوله الآخرون فى كتاب، عالم وحافظ ومحدث وفقيه، حمل لواء فقه المذهب الشافعى فكان من أفضل نجبائه، سمى بأقضى القضاة لعظيم مكانته وقوة شخصيته وفاعلية تأثيره على المجتمع، يعرف الملوك ويعرفونه، لكنه لا يسمح لنفسه بالذوبان فى معية ملك، ولا يسمح لأحد أن يتلاعب بمكانته العلمية والدينية، يعرف قيمة العقل ويقدسه، ويعده أس الفضيلة وينبوع الأدب، ويردد القول بأن الله تعالى جعله «للدين أصلا وللدنيا عمادا» ويستشهد على ذلك بأن التكليف لا يكون إلا لكامل العقل، وبه دبر الدنيا وأدارها وجمع بين خلقه مع اختلاف هممهم ومآربهم، يحفظ من الأحاديث ما يؤكد أن العقل هو أساس الآدمية وزينتها «ما اكتسب المرء مثل عقل يهدى صاحبه إلى هدى ويرده عن ردى فلكل شىء دعامه ودعامة عمل المرء عقله»، كما يردد قول العلى القدير: «لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا فى أصحاب السعير» ويقول: العقل خير المواهب والجهل شر المصائب.

هو أبوالحسن على بن محمد بن حبيب البصرى الماوردى المولود فى البصرة عام 364 هجرية والمتوفى فى العام 450 هـ، صاحب تفسير الماوردى، وكتاب «أدب الدنيا والدين»، و«الأحكام السلطانية»، وصاحب كتاب الحاوى الكبير فى فقه الشافعية الذى يعد من أهم وأكبر مراجع هذا المذهب الكبير، والأهم من كل هذا هو منشئ علم السياسة الإسلامية وصاحب التحليلات والتنظيرات المدنية التى تكاد تقترب فى حداثتها ومرونتها وقابليتها للتنفيذ من التيارات السياسية المعاصرة، وتستفيض كتب السيرة والتاريخ والتراجم فى ذكر محاسن هذا الرجل، حتى إن «ابن كثير» يقول عنه فى البداية والنهاية: «اشتهر بالحلم والوقار والأدب والتعفف عن سؤال الغير فلم ير أصحابه ذراعه يوما من الدهر من شدة تحرزه وأدبه».

هذا هو الماوردى الذى يعده الفقهاء فقيها مجتهدا، ويعده أهل الحديث محدثا ثقة، ويعده أهل السياسة منظرهم الأول وحامل راية الريادة، وفى الحقيقية فقد بدأ الجنوح إلى الكتابات السياسية فى القرنين الرابع والخامس الهجرى وتأليف الكتب ذات الصبغة الاجتماعية التى تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم ظاهرة تستحق الدراسة، فقد كتب عشرات الفقهاء والمؤرخين كلاما يحمل توجها حقيقيا نحو إصلاح المجتمع سياسيا، فترى توجها على هذه الشاكلة عند العامرى والجوينى وابن قتيبة الدنيورى، والفارابى، والغزالى، وابن طباطبا، وغيرهم الكثير، وأعتقد أن سبب انتشار هذا التوجه هو بداية ظهور الانشقاقات الكبرى فى الدولة الإسلامية، فمن ناحية أسهم هذا فى تخفيف قبضة الحكام على الكتاب والفقهاء والمثقفين، ومن ناحية أخرى بدت الحاجة ماسة لمثل هذه المؤلفات لاستشعار الفقهاء الخطر من تبديد الأمة الإسلامية، فسعوا جاهدين إلى إعادة صياغة العلاقة بين الحاكم والمحكوم وتأصيلها.

ويبدو لى أن هناك سببا لكل هذا النشاط السياسى الفقهى، وهو أن علماء الأمة ومفكريها قد أيقنوا من أنهم وقعوا فى فخاخ الحكام الذين كانوا يستثمرون الاختلافات المذهبية ليوطدوا دعائم حكمهم ليجد كل حاكم ما يبرر وجوده شرعيا باعتباره حامى حمى المذهب، فقد رأينا فى عصر الأئمة الكبار «أبوحنيفة ومالك والشافعى وابن حنبل» كيف كانوا يحترمون بعضهم البعض، وكيف كانوا يتتلمذون على يد بعضهم البعض، لكن هذا ما لم يدم، وسرعان ما تحول الخلاف المذهبى إلى أداة لإشعال الفتن ورمى الاتهامات التى طالت العديد من الفقهاء والأئمة، فاتهم أبوحنيفة والشافعى بالتشيع، وكما اتهم مالك وابن حزم بأنهم «ناصبيين» الذين يناصبون الإمام على العداء، كما طالت الماوردى نفسه فقيل عنه إنه «معتزلى» لأنه يعمل العقل وهى التهمة التى نفاها عنه الخطيب البغدادى صاحب «التاريخ الكبير» وأحد تلامذته، وهو ما وجده الحكام فرصة طيبة لإلهاء الناس عن أمور السياسية بتناحرات أشبه بتناحر فرق الكرة فى أيامنا هذه، ومثلما قادت كرة القدم إلى حروب وصراعات، قاد التعصب المذهبى أيضا لمثل هذه الفتن والاضطرابات، فما لبث المجتمع الإسلامى أن يتخلص من بعض آثار الفتة الكبرى، حتى وقع فى فتنة المذاهب، وبدلا من أن تصبح المذاهب الفقيه سبلا لفهم الدين والتفقه فيه صارت لعبة فى أيدى من يريد أن يتسلط على البلاد ويأمر فى العباد، وهو ما التفت إليه علماء الأمة وفقهاؤها فوجهوا دفة الاجتهاد ناحية تنظيم الحكم وتوجيه الحاكم لعل الله ينزع بالسلطان ما لا ينزع بالإيمان.

ويدلنا «عصر الماوردى» على ما وصل إليه المجتمع الإسلامى من تناحر وتصارع وفتن، فالخليفة العباسى الذى كان مصدر قوة الدولة ومحل فخارها أصبح لعبة فى يد الأتراك مرة وفى يد الفرس والديالمة مرة أخرى، كما شهد هذا العصر العديد من الحوادث المريرة التى أدت إلى تفسخ المجتمع وتشتته، فسارت الأحوال من سيئ إلى أسوأ، فاضطربت أحوال الجند، وزاد نفوذ الأتراك، وزادت الفتن والشائعات والمؤامرات سواء من الداخل أو من الخارج، وزادت المواجهات بين السنة والشيعة، ووقعت الفتن بين الحنابلة والأشاعرة، وأخرى بين المسيحيين والهاشميين، وفى أوائل عصر الماوردى وقعت فتنة القرامطة ومذبحتهم الكبرى فى الكوفة، وفى أواخر أيام الماوردى شهد اشتداد نفوذ الدعوة الباطنية على يد الحسن بن صباح، وشهد أيضا وقوع الفتن بين الديالمة والأتراك، والأتراك والهاشميين، كما كثرت الحروب بين أمراء الدولة البويهية التى كانت تتحكم فى الخليفة العباسى.

شهد الماوردى كيف أدت الفتنة بين الشيعة والسنة إلى حرق الأسواق وسفك الدماء فى الشوارع وتعليق الجثث على القناطر، كما شهد نشر الحنابلة الرعب فى قلوب الناس حتى كان الأشاعرة يتأخرون عن صلاة الجمعة خوفا من الحنابلة، كما شهد كيف تنفجر الفتن الدينية بين المسلمين والمسيحيين للدرجة التى جعلت مسيحى يضرب مسلم فيقتله، فتثور ثائرة المسلمين ويتهجمون على بيوت المسحيين وكنائسهم ليحرقونها رافعين المصاحف فى الأسواق، هذه الحوادث وغيرها جعلت عقل الماوردى الفقهى يلتهب، ليسهر الأيام والليالى واضعا كتبه السياسية.

رأى الماوردى كيف يستولى السلاطين والخلفاء على الحكم مدعين حرصهم على إقامة الشريعة ونصرة الفقراء ثم لا شريعة تقام ولا فقير ينتصر، ورأى كيف قصور الأمراء عامرة، وبيوت الفقراء مقفرة، فاستعان بالله على كتابة دستور الدولة الإسلامية التى يراها ويريد تحقيقها، وفى الحقيقة لم يكن ليتسنى للماوردى أن يمضى فى هذا المشروع الكبير إلا لأنه كان مجتهدا يعلى من شأن العقل ويراعى أحكام الظروف والأحوال، فيروى عنه أن أحد المتشددين قال له يوما: أيها الشيخ اتبع ولا تبتدع، فقال له وهو بالثقة ملآن: بل أجتهد ولا أقلد. فقد كان على يقين من أن فطرة الإنسان هى الإسلام لذلك يحرض الناس على اتباع فطرتهم قائلا إن الفطرة تستحسن الفضائل وتستقبح الرذائل، مؤكدا أن الله «جَعَلَ إلَى الْعُلَمَاءِ اسْتِنْبَاطَ مَا نَبَّهَ عَلَى مَعَانِى القرآن، وَأَشَارَ إلَى أُصُولِهِ بِالاجْتِهَادِ فِيهِ» وهذا سبب من الأسباب التى ترفع المجتهد على من دونه تحقيقا لقوله تعالى «يَرْفَعُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَاَلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ».

ولم يكن للماوردى أن يأتى بمثل ما أتى من كتابات واجتهادات إلا لأنه كان قاضيا مستقلا، يعرف متى يجلس مع الحكام ومتى يبتعد عنهم، ومتى يصلح بين الأمراء ومتى يقف لهم بالمرصاد، فتدل قراءة سيرة حياة الإمام الماوردى على أنه كان «رجل دولة» بالمعنى الحديث للكلمة، إذا ما تناحر الأمراء يوسطونه فيما بينهم، وإذا عصيت الجند هدأ من فورتهم.

لكنه مع ذلك كان شديد الاعتناء بنفسه شديد الاعتزاز بعلمه، وينسب له إنه قال:
وفى الجهل قبل الموت موت لأهله فأجسامهم دون القبور قبور
وإن امرأ لم يحيى بالعلم صدره فليس له حتى النشور نشور
ويروى للتدليل على اعتزازه بعلمه ودفاعه عنه أن الملك جلال الدولة بن بويه سأل الخليفة أن يزيد فى ألقابه بلق «شاهنشاه» أى ملك الملوك، فرضى الخليفة ودعا له الشيوخ على المنابر بهذا اللقب، وهو ما أثار استياء بعض الفقهاء وعلى رأسهم الماوردى، ذلك لأنه لا يجوز لأحد أن يتلقب بهذا اللقب إلا الله، وهو ما أثار ثورة الناس بالتبعية، ولوأد غضب الناس سارع «جلال الدولة» إلى الفقهاء ليستصدر منهم فتوى تجيز له التلقب بهذا اللقب، فطاوعه عدد من الفقهاء مثل الصيمرى الحنفى وأبوالطيب الطبرى، وشيخ الفقهاء الحنابلة التميمى، لكن الماوردى أبى أن يرضى، وتشدد فى ذلك برغم أن كان بينه و«جلال الدولة» احترام ومودة.

«الأدب أدبان، أدب شريعة وأدب سياسة، فأدب الشريعة ما أدّى الفرض، وأدب السياسة ما عمر الأرض، وكلاهما يرجع إلى العدل الذى به سلامة السلطان وعمارة البلدان، لأن من ترك الفرض فقد ظلم نفسه، ومن خرّب الأرض فقد ظلم غيره».. هكذا يطلق الماوردى صيحته العالية فى كتابه أدب الدنيا والدين واضعا بتلك الجملة أول بوادر منهج فصل الدين عن السياسة، وقد كان الجميع قبله يمزجون بينهما مزجا تاما، لكنه فى ذات الوقت لم يتجاهل تاريخه العربى ولا هويته الإسلامية، فيؤكد أن العدل هو الحامى الأول للدولة والحاكم على حد سواء، فى إطار من المرجعية الدينية التى تنظم العلاقة بين العبد وربه ومجتمعه وترسى منظومة القيم العليا التى تحافظ على المجتمع وسلامته، ليرمى بذلك أول بذرة فيما عرف بعد ذلك بمقاصد الشريعة، ملقيا بتأثيره على العديد من المؤرخين والمفكرين والفقهاء مثل ابن خلدون والغزالى والعز بن عبد السلام والشاطبى.

ويضع الماوردى أسس صلاح المجتمع فى «أدب الدنيا والدين» قائلا: اعلم أن ما به تصلح به الدنيا حتى تصير أحوالها منتظمة وأمورها ملتئمة ستة أشياء: دين متبع، وسلطان قاهر، وعدل شامل، وأمن عام، وخصب دائم، وأمل فسيح» وهذه الأشياء الستة هى الشروط الواجبة لإصلاح الدنيا، لا يجوز تحقيق واحد فيها دون آخر وإلا انقلبت المعادلة، فالسلطان القاهر دون دين وعدل يصبح مستبدا، ودين دون عدل لا يستقيم، وعدل دون دين لا يتحقق، وكل هذا دون أمن لا ينفع، وبدون خصب ونماء وتطور لا تقوم المجتمعات، ويدخل الماوردى فى غمار الجدل القائم حول المرجعية التى يحكم بها الحاكم أو الإمام، فيقول إن هناك طائفة ترى أن الحكم بالشرع دون العقل، وأخرى تقول بالعقل دون الشرع، فحاول أن يمزج بين الطرحين فيقول إن الشرع فوض الحكم فى هذا الأمر آمرا العباد بأن تطيع «ولى الأمر» الذى يأخذ بمقتضى العقل «فى التناصف والتواصل ويتدبر بعقله لا بعقل غيره»، لكنه مع ذلك لا يترك الحبل على غاربه لولى الأمر بل يحدد له شروطا يقيم بها حكمه، أولها العدالة، وثانيها العلم، وثالها سلامة الحواس، ورابعها سلامة الأعضاء، وخامسها حسن الرأى، وسادسها االشجاعة وسابعها أن يكون قريشيا وهو الشرط الذى تجاوزه الزمن وقتله الفقهاء بحثا واستدلوا على عدم وجوبه بحديث الصحابى الجليل عمر بن الخطاب الذى كان يريد فيه أن يولى سالم مولى حذيفة الحكم، ويعود الماوردى إلى شرط العدل فى الإمام معليا من شأن العقل مرة أخرى قائلا: ومن معانى العدل القيام بالواحب والتسوية والمعرفة وهو الحكم بالحق بحيث لا يميل إلى أحد الجهتين، والعدل صورة العقل الذى وضعه الله عز وجل فى أحب خلقه إليه، وبالعدل عمرت الأرض وقامت الممالك وانقطع العباد، ليس هذا فقط بل يأمر الماوردى الحكام بأن يأمروا بالشورى، وهى التى يصل بها الحاكم إلى قوانين التنظيم العادل الذى يجمع الأمة ولا يفرقها، والكفيلة بأن تقضى على عدو الإنسانية الأول وهو الاستبداد.

وكما يقر الماوردى بسلطة السلطان وأحقيته بطاعة الناس بعد أن يتوافقوا على اختياره وإقامة البيعة له يقر أيضا بأحقية الناس فى عزل السلطان إذا تغير حاله بعد اعتلائه سدة الحكم فيقول: وإذا قام الإمام بما ذكرناه من حقوق الأمة فقد أدى حق الله تعالى فيما لهم وعليهم ووجبت له عليهم حقان الطاعة والنصر لما لم يتغير حالة... والذى يتغير به فيخرج به عن الإمامة شيئان: الجرح فى عدالته، والنقص فى بدنه.

قد سبق الماوردى بهذه النظرية أعلام الفكر الديمقراطى الأوروبى، مثل جون لوك وجان جاك روسو إذ يقر بحق الناس فى اختيار حاكمهم وحقهم فى عزله أيضا، وسبق المجتمع الأوروبى أيضا ومفكرى القانون الدولى فى وضعه لآداب الحرب، ونهيه عن قتل الأسرى ومنع التخريب وعدم قتل الشيوخ والرهبان والنساء والأطفال والمدنيين من العمال والفلاحين.

أما فى الإطار المجتمعى فقد حرص الماوردى على إفشاء قيم الإخاء والمساواة، حتى قال عنه بعض الباحثين إن كان ناحية الاشتراكية، فكان كثيرا ما يستشهد بحديث رسول حينما قال: «الا أُنْبِئُكُمْ بِشِرَارِ النَّاسِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: مَنْ أَكَلَ وَحْدَهُ وَمَنَعَ رِفْدَهُ وَجَلَدَ عَبْدَهُ ثُمَّ قَالَ: ألا أُنْبِئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: مَنْ يُبْغِضُ النَّاسَ وَيُبْغِضُونَه»، وهو بذلك يحض الناس على المشاركة فى الطعام وما سواه كما يحضهم على التراحم وعدم منع الخيرات، ومن ضمن منظومة الفضائل الإسلامية التى تقترب من الروح الاشتراكية التى زكاها الماوردى فضيلة عدم أكل الأموال بالباطل، والوفاء بالعهود للعمال وحث الناس على العمل، كما أقر بأحقية تمليك الأرض لمن يزرعها دون إذن من أمير ولا إمام، مفتيا بأن محيى الأرض «أى زارعها ومعمرها» أحق بها من محتكرها، كما أقر الماوردى مبدأ المنفعة العامة، مفتيا بأن من حق الحاكم أن يمنع إحياء أرض لتبقى مرعى، كما أقر حق الدولة تأميم بعض الممتلكات تحت مبدأ المنفعة العامة دون ظلم أو تجن، قائلا إن الشريعة تبيح للحكام أن يأخذوا من الأغنياء «فضول أموالهم»، أى الزائد عن حاجتهم، ورده عليهم فى عوام مصالحهم من تحصين دمائهم وتثمير أموالهم وإيمان سبلهم ودفع معرة أعدائهم وقمع ذعارهم، كما أوجب الإمام الماوردى على الإمام أو الحاكم أن يساعد الفقراء والمحتاجين وأن يتكفل بهم ليتمتعوا بالعيش الكريم، كما أوجب عليه تزويج غير القادرين، ودفع ديون الفقراء من بيت المال، ويقول الماوردى فى كتابه «نصيحة الملوك»: فليعلم الملك أن كل فقير فى الإسلام، وغارم، وابن سبيل، وأسير، وغاز فى سبيل الله، ومسكين، خصماؤه عند من لا يظلم مثقال ذرة، وما هو بظلام للعبيد.

وائل السمرى يكتب: فقهاء التنوير..حجة الإسلام.. أبوحامد الغزالى..المنقذ من الضلال.. قدّس العقل وجعله مساوياً للقرآن فى الإعجاز وقال إنه «أشرف الأشياء لأنه مركب الديانة وحامل الأمانة» وجعل منه قاضياً
الأربعاء، 1 أغسطس 2012 - 10:20
أبوحامد الغزالى
بقلم وائل السمرى _ نقلاً عن العدد اليومى
◄قال إن من يحفظ الأحاديث النبوية ويرددها إنما هو «وعاء للعلم وليس عالماً».. وقال إن المتعصبين لمذهب أو شخص واحد أقرب إلى الكفر والتناقض

◄أفتى بتفضيل إطعام المساكين وإغاثة الضعفاء والمرضى وتسديد ديون المعدمين على الحج المتكرر وقال إن إدخال السرور على قلب المسلم أفضل من مائة حجة
يحبه المتصوفة ويضعونه فى مراتب الصديقين، ويبجله الفقهاء واضعين إياه فى المراتب الرفيعة، ويدرسه المتفلسفون ليستخلصوا من حكمه ومجادلاته فلسفة إسلامية خالصة، ويعشقه الناس لما رأوا فيه من حب لدين الله، وتفان فى سبيله، وشجاعة فى الذود عنه. هو واحد من أؤلئك الذين زخرت كتب التراث بأوصافهم وخلعت عليهم من الألقاب ما يجعل الواحد مجبرا على الالتفات إليه، فهو حجة الإسلام وهو زين الدين، وهو ناصر الدين، وهو محيى علوم الدين، وهو المجدد والفقيه والصوفى والعالم والفيلسوف والقاضى والناصح. يقول عنه العلامة الطرطوشى إنه اجتمع فيه العقل والفهم وممارسة العلم، ويشهد له الإمام ابن الجوزى بأنه وضع الكتب الحسان فى الأصول والفروع التى انفرد بحسن وضعها وترتيبها وتحقيق الكلام فيها، أما الإمام الذهبى فيقول إنه «أعجوبة الزمان، وزين الدين، أبوحامد صاحب التصانيف والذكاء المفرط»، أما الحافظ ابن كثير فيعتبره من أذكياء العالم فى كل ما تكلم فيه، وهو الفقيه الشافعى الكبير الذى يقول عنه الإمام العلامة السبكى إنه حجة الإسلام وجامع أشتات العلوم والمبرز فى المنقول منها والمفهوم، كما أنه ولى من أولياء الله الصالحين وأحد الصديقين، وقال عنه العارف بالله المتصوف الكبير أبوالعباس المرسى: أشهد له بالصديقية الكبرى، أما ابن النجار فيقول فيه إنه «إمام الفقهاء على الإطلاق، وربانى الأمة بالاتفاقو ومجتهد زمانه وعين وقته وأوانه».

أبوحامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزّالى الطوسى النيسابورى، الفقيه الصوفى الشافعى الأشعرى، الملقب بحجة الإسلام وزين الدين «450 هـ - 505 هـ» الذى اتفقت الأمة على أنه مجدد القرن الخامس بلا منازع، ولد فى خرسان ونشأ فى بيت فقير لأب يصنع الغزل، ويكد من أجل لقمة العيش، وأدى به الفقر والحاجة إلى إيداع ابنه الذى سيصير فيما بعد «حجة الإسلام» فى مدرسة تتكفل بتعليم الفقراء واليتامى وإطعامهم، لكن ها هو الفقير يغنى بالعمل، وها هو المحتاج يسد حاجة الأمة، فقد بدت عليه علامات النبوغ وسمات العبقرية وهو مازال شابا حتى قال له إمام الحرمين الإمام العلامة أبوالمعالى الجوينى حينما أعجب به: قتلتنى وأنا حى؟ هلا صبرت حتى أموت؟

ويمثل الإمام الغزالى ظاهرة نادرة فى الثقافة العربية، فنادرا ما ترى رجلا يجمع الجميع من مختلف المشارب والحقول والتخصصات على علمه وفضله وإخلاصه واجتهاده مثلما أجمع العلماء على أبوحامد الغزالى، حتى قال عنه شيخ الأزهر مصطفى المراغى إنه جملة رجال فى رجل واحد، كما يذكره أبوالأعلى المودودى ضمن الأعلام المعدودين الذين كان لهم دور بارز فى إحياء الدين وتجديده، وقال عنه الإمام محمد أبوزهرة إنه فى أصول الفقه فيلسوف بين الفقهاء، وفى فروعه محقق يتبع الدليل ولا يتبع الأشخاص. ولا يتوقف الإعجاب بشخصية الغزالى وعلمه عند رجال الدين والفقه فحسب، وإنما يتعداهم أيضا إلى رجال الأدب والفكر والفلسفة، فيقول عنه الأديب الفذ عباس محمود العقاد: «هو الفيلسوف الذى اكتملت له كل أدوات الفلسفة من القدرة على التجرد والقدرة على التجريد»، ويقول عنه عالم النفس أحمد فؤاد الإهوانى: «إنه مؤسس علم النفس الإسلامى»، كما يصفه الدكتور زكى نجيب محمود، رائد الفكر الفلسفى المصرى، بأنه «العملاق العظيم» ملخصا حياته بعد فترات الشك ووقوع اليقين بأنه وصل إلى القاعدة الأجمل «أنا أريد إذن أنا إنسان».

كل هذا التقدير وكل هذا الاحتفاء قديما وحديثا حازه «حجة الإسلام» وأكثر، ولعلنا الآن أحوج ما نكون للنظر فى حال شخصية كهذه، شخصية جمعت الجميع تحت لوائها، يدين له بالفضل المتفلسف متبع الفلاسفة والمتسلف متبع السلف على حد سواء، فهو الذى وصل إلى أصل العلوم وحكمتها، وهو الذى أبحر يبحث عن الحق فوجده حقا ورزقه الله اتباعه، بدأ من الشك فى الوجود والموجودات، ووصل إلى أعلى مراتب اليقين بالله وملائكته ورسله، ونحمد الله أن هذا العالم المعلم الخبير الحازم لم يولد فى عصر كعصرنا هذا، إذ ليس ببعيد أن يغتاله أحد المتطرفين إن لاقاه فى فترة شكه، فيحرم البشرية من هذا العلم الكبير والفضل الواسع.
إن أردت أن تعرف أبوحامد الغزالى حقا فانظر إلى جملته هذه حتى تدخل إلى عالمه، وتستوعب فكره، وتقتضى بنور إخلاصه فى السعى وراء الحكمة التى أتاها له الله وهو «يؤتى الحكمة من يشاء» إذ يقول الإمام حجة الإسلام
«لا أغادر باطنيا- يتبع المذهب الباطنى- إلا وأحب أن أطلع على بطانته، ولا ظاهريا- يتبع المذهب الظاهرى- إلا وأريد أن أعلم حاصل ظهارته، ولا فلسفيا إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلما إلا وأجتهد فى الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته، ولا صوفيا إلا وأحرص على العثور على سر صفوته، ولا متعبدا إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته، ولا زنديقا معطلا إلا وأتحسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته»، ويدلنا الاقتباس السابق على أن الإمام ما كان ليطرد أحدا من رحمته، ولم يكن يتعامل مع المختلفين عقائديا ودينيا ومذهبيا باعتبارهم «ملعونين»، ولكنه كان ينظر إليهم نظرة العالم المستوعب المستفسر السائل المجرب، يريد أن يعرف، والمعرفة هى أول طرق اليقين، كان ينظر إلى أفكارهم ولا ينظر إلى شخوصهم، ذلك لأن الفكر هو الباقى، والشخص هو الزائل، إن أحب فكرة هضمها وتقمصها واستوعبها واعتقد فيها، وإن استقبح فكرة جادلها وفندها بالحكمة والموعظة الحسنة، وهو فى تقبله للآخر ومحاورته له يثبت ما قاله عنه الإمام «المراغى» من أنه عدة رجال فى رجل واحد، فقد أخذ من كل فكرة أحسنها، ووقف على سر تشتت الناس فجعله سرا لتجميعهم، وقديما قالوا إن «الليث عدة خراف مهضومة»، وإن أردنا تطبيق هذه المقولة على إمامنا فسنجد أن «الخراف» هى الأفكار التى استوعبها ودرسها وسمعها من أهلها، والنتيجة الطبيعية أن يصبح أبوحامد هو «الليث الموعود».

السؤال الملح هنا هو: ما الذى أوصل «حجة الإسلام» إلى اعتلاء هذه المكانة، وبلوغ هذه المنزلة التى جعلت الجميع يشيد به على اختلاف ألوانهم؟، والإجابة التى تجدها عند الإمام واضحة لا زيغ فيها هى «العقل».. نعم العقل هو معلم أمام المعلمين، وهو السراج الذى اهتدى بنوره، وهو الرسول الأبدى الذى أودعه الله فى كل واحد منا ليهديه إلى سواء السبيل، إذ لم يقدس الإمام الغزالى فى كل كتبه إلا الله والرسول والعقل، بل أنه يعليه على ما عاداه حتى أنه يعتبره القاضى، ويعتبر الشرع هو الشاهد فيقول: «أما بعد فقد تناطق قاضى العقل وهو الحاكم الذى لا يعزل ولا يبدل، وشاهد الشرع وهو الشاهد المزكى المعدل بأن الدنيا دار غرور لا دار سرور ومحل تجارة لا سكن وعمارة»، بل إنه يرفع العقل إلى درجة لم يسبقه فيها سابق، حيث يقول: العقل هو أشرف الأشياء لأنه مركب الديانة وحامل الأمانة!
ويبرز الإمام دور العقل فى الإيمان بالله ورسله وآياته وقرآنه مازجا بين دور العقل ودور النقل، ومؤكدا أنه لا يستقيم أحدها دون الآخر، بل إنه يضع العقل فى مقابلة القرآن، ويشير لهما بأنهما «أصلين» كما لو كان يساوى بينهما فى إعجاز الله فى خلقهما، واعتماد البشرية عليهما، فيقول: «لا غنى بالعقل عن السماع، ولا غنى بالسماع عن العقل، فالداعى إلى محض التقليد مع عزل العقل جاهل، والمكتفى بمجرد العقل عن أنوار القرآن والسنة مغرور، فإياك أن تكون من أحد الفريقين وكن جامعا بين الأصلين، فإن العلوم العقلية كالأغذية والعلوم الشرعية كالأدوية» ولا يكل الإمام ولا يمل من تكرار العبارات التى تدل على تقديسه للعقل البشرى، وجعله مساويا للتشريع، فيقول إن الشرع كنور الله والعقل كالعين التى تنظر هذا النور، ولا فائدة للنور من دون البصر، ولا فائدة من البصر من دون النور.

ويمضى الإمام ليفند حجج من يدعون أن الدين لا يقبل إعمالا للعقل فيقول: «وظن من يظن أن العلوم العقلية مناقضة للعلوم الشرعية، وأن الجمع بينهما غير ممكن، وهو ظن صادر عن عمى فى عين البصيرة نعوذ بالله منه»، بل يتمادى الإمام فى الهجوم على هؤلاء ويعتبر من يدعو إلى تعطيل العقل فكأنما يدعو إلى الكفر، مؤكدا أن العقل هو سبيل الإيمان وغلقه هو سبيل الانسلال من الدين، فيقول: «بل هذا القائل ربما يناقض عنده بعض العلوم الشرعية لبعض، فيعجز عن الجمع بينهما، فيظن أنه تناقض فى الدين فيتحير به، فينسل من الدين انسلال الشعرة من العجين».

ولا يحارب الإمام شيئا مثل محاربته تعطيل العقل، إلا آفة التقليد التى أصابت المجتمع الإسلامى، فتاه الناس بين المذاهب والتفريعات والتفصيلات التى أغرقت الحياة الاجتماعية بالمنازعات البالية، مستنكرا أن يقلد مسلم رجلا غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، مشيرا إلى أن الصحابة لو قلدوا فيكون تقليدهم بما أدركوه من معرفة وسماع لرسول الله، وبهذا يصبح تقليد الصحابة هو تقليد لرسول الله، ولا يكتفى الإمام باستنكار تقليد أحد إلا الرسول، بل يأمر من يقلد رسول الله بألا يقلده دون علم واستبصار، فيقول: وينبغى على المقلد لرسول الله «أن يكون حريصا على فهم أسراره» موجبا على المؤمنين أن يبحثوا «عن أسرار الأعمال والأقوال لا منطوقها فحسب، مؤكدا أن من يحفظ الأحاديث النبوية ويرددها إنما هو «وعاء» وليس عالما، لأنه «لا يسمى عالما إذا كان شأنه الحفظ من غير اطلاع على الحكم والأسرار»، ولا يتورع الإمام من إظهار ضيقه وملله من «المقلدين» ويعتبرهم «قاصرين»، مطالبا إياهم بالسكوت قائلا: «وشرط المقلد أن يسكت، ويسكت عنه لأنه قاصر عن سلوك طريق الحجاج»، أى تبادل الحجج والمناقشة، ويرصد الإمام ظاهرة أن المقلدين هم أكثر الناس تعصبا وتجمدا، ويكتب هذا بلغة تكاد تتطابق على بعض المنتسبين للإسلام الآن، فيقول: «المقلد يقلد مذهبا سمعه وجمد عليه، وثبت فى نفسه التعصب له بمجرد الاتباع للمسموع، من غير وصول إليه ببصيرة ومشاهدة»، مؤكدا أن المقلدين يحرمون أنفسهم من الاستمتاع بنور برق المعرفة، ساجنين أنفسهم فى ضيق مذهبهم، متخيلين أن المعرفة «من غرور الشيطان»، فيبتعدون عنها بفعل شيطان جديد يطلق عليه اسم «شيطان التقليد» لشيخ واحد أو مذهب واحد يتعصب له ولا يسمع إلاه، مؤكدا أن هذه الحال هى إلى الكفر والتناقض أقرب منها إلى الإيمان والتناغم.

ولنا أن نعرف مدى ضيق الإمام بالمقلدين المتعصبين إذا لاحظنا آخر كلمة فى الفقرة السابقة، إذ يقرر الإمام أن هؤلاء المتعصبين «أقرب إلى الكفر» وهذا الوصف هو أقصى ما يستطيع الإمام أن يرمى به إنسانا، وهو الذى عاش يحارب فكر التكفير بكل قوة وحجة، يحرم أن يتم تكفير أحد يقول لا إله إلا الله، وكانت قد انتشرت فى عهده ثقافة التكفير وكل طائفة تكفر الأخرى بلا أدنى امتعاض، فأطلق الإمام صرخته قائلا: «إنه لا تكفير لكل من يشهد بأنه لا إله إلا الله»، مؤكدا أن «الخطأ فى ترك ألف كافر فى الحياة أهون من الخطأ فى سفك محجمة من دم مسلم»، ولا يتحسر الإمام على شىء قدر تحسره على انتشار ثقافة التكفير بشكل سرطانى فى المجتمع المسلم، فيقول: «الحنبلى يكفر الأشعرى زاعما أنه كذب الرسول فى إثبات الفوق لله تعالى، والأشعرى يكفره زاعما أنه مشبه، والأشعرى يكفر المعتزلى زاعما أنه كذب الرسول فى جواز رؤية الله تعالى، والمعتزلى يكفر الأشعرى زاعما أن إثبات الصفات تكذيب للرسول فى التوحيد»!

ولم يحارب الإمام المقلدين للسلف بغير علم فقط، بل ألّف المؤلفات فى الهجوم على الفلاسفة والباطنية وكل من يخلط الإسلام بغيره من العلوم الدنيوية، وفى ظل سجالات طويلة ومعارك شهيرة لعل أشهرها ما وقع بينه وبين ابن رشد، حينما أصدر الإمام «تهافت الفلاسفة» فأصدر ابن رشد «تهافت التهافت»، لكن برغم تلك الحرب الفكرية الشهيرة لم يعترض على الفلسفة من حيث هى مبحث مستقل بذاته من مباحث التأمل والتفكير والعلوم، ولكنه غضبته الكبرى كانت ضد من يحاول أن يخلط الفلسفة بالدين وهما من منبعين مختلفين لا يجوز لأحدهما أن يمتزج بالآخر، لكن على الرغم من هذه الحرب فإن الإمام الغزالى نفسه أصبح فيلسوفا كما قال عنه أحد المستشرقين، ذلك أنه بدفاعه عن الإسلام ضد المدخلات الفلسفية بمنطق الفلاسفة بنى فلسفته الخاصة التى ميزته عن أقرانه.
ومن ضمن الفئات التى حمل عليها الإمام حجة الإسلام، العلماء والأمراء، وذلك لأنه لاحظ تفشى ظاهرة علماء السلطان الذين يستعين بهم السلاطين والملوك على الفساد والإفساد، قائلا: «أما الآن فقد قيدت الأطماع ألسن العلماء فسكتوا، ولو صدقوا وقصدوا الحق لأفلحوا»، ويصل إلى الحد الأقصى فى الهجوم على العلماء، محملا إياهم مسؤولية انهيار المجتمعات، قائلا إن فساد الرعايا بفساد الملوك، وفساد الملوك بفساد العلماء،

وفساد العلماء باستيلاء حب المال والجاه، ومن استولى عليه حب الدنيا لم يقدر على الحسبة على الأراذل، فكيف على الملوك والرؤساء؟!، وتصديقا لهذا المنطق السوى الذى يرفع من شأن العالم على ما سواه حفظ التاريخ الكثير من المواقف المشرفة للإمام الغزالى فى وجه أمراء عصره، منها موقفه مع السلطان سنجر السلجوقى الذى قال له: أسفا.. إن رقاب المسلمين كادت تنقض بالمصائب والضرائب، ورقاب خيلك كادت تنقض بالأطواق الذهبية.
وبرغم صوفية الإمام وانشغاله بتجديد الفكر الإسلامى وتنقيته من الشوائب، فإنه كان كما يقول فقهاء عصره «إمام الفقهاء»، لكن منهج الإمام فى فقهه ابتعد عن المعنى المتداول عن الفقه من حيث هو إسراف فى التفصيلات، وتقييد بالجزئيات، وبرغم أن للإمام كتبا فقهية سارت على النحو النمطى، لكن يجمع الكثير من العلماء والمتخصصين على أن شذرات فقهه المنسابة فى كتبه خاصة «إحياء علوم الدين» أصدق فى تعبيرها عن فقه الإمام، فهو مثلا فى فقه العبادات يرى أن الوضوء قبل أن يكون تطهيرا للخارج فهو تطهير للداخل، وفى فقه المعاملات يدل الناس على الطريق القويم، والمنهج العام الذى إذا ساروا فيه ربحت تجارتهم بأن يحسنوا النية ويحدوا أنفسهم عن الطمع، محذرا إياهم من أن يستغنوا بسوق الدنيا عن سوق الآخرة.

ويضع الإمام فى كتبه ما يمكن أن نطلق عليه اسم «فقه الأولويات» فنجده يقر بأنه إن استحالت الواجبات كلها فيجب على المسلم أن يرتبها حسب الحاجة إليها، فنجده مثلا يقول: تقدم الفرائض على النوافل، وتقدم فروض الأعيان على فروض الكفاية، ويقدم فرض الكفاية الذى لا قائم به على ما قام به غيره، ويقدم الأهم من فرض الأعيان على ما دونه، وتقديم ما يفوت على ما لا يفوت. ويتخذ من حديث رسول الله عن تفضيل الأم على الأب فى الصلة، فيقول: «ينبغى على الإنسان أن يبدأ فى الصلة بالأقرب، فإن استويا فبالأحوج، فإن استويا فبالأبقى»، ولا يتورع الإمام الذى رأى الفقراء يموتون جوعا ومرضا فى الإفتاء بتفضيل التصدق على الفقراء بأموال الحج إن أدى الإنسان الفرض، قائلا إن الأفضل لمن يحج وينفق ألفى درهم أن يسد دين مدين، أو يكفى فقيرا عن التشرد، أو يغنى عائلا عن السؤال، أو يفرح من يربى اليتيم، قائلا إن إدخال السرور على قلب مسلم أو إغاثة لهفان أو كشف الضر عن إنسان وإعانة الضعيف أفضل عند الله من مائة حجة بعد حجة الإسلام. كما حارب الإمام الأغنياء البخلاء الذين «يمسكون الأموال بحكم البخل» ثم يشتغلون بالعبادات البدنية كالصيام والقيام وختم القرآن، قائلا إنهم «مغرورون مخدعون»، كما أمر الإمام بترك نافلة الحج والعمرة إذا غالى أمير مكة فى فرض الضرائب على الحجيج، أو زاد فى رسوم الحج والعمرة، قائلا إن الحج هنا يصبح إعانة لهم على الظلم والانقياد لهم، ويجعل المسلمين فى موقف الذل وكأنهم يبذلون جزية.

ولننظر بعد ما عرفناه من علم الإمام وفضله على الإسلام والمسلمين إلى مقولته الخالدة التى تعكس إيمانه القوى، وتواضعه الجم، لنقف على أهم مميزات هذا الرجل الذى أصبح علامة مضيئة فى تاريخ الإنسانية، ومع ذلك يقول إنه مازال محتاجا إلى الاتعاظ قبل أن يعظ الناس، فقد قيل له: لماذا لا تكثر من الوعظ؟، فقال: أما الوعظ فلست أرى نفسى أهلا له، لأن الوعظ «زكاة» نصابه «الاتعاظ»، ولا يخرج الزكاة من لم يبلغ النصاب.

وائل السمرى يكتب: العز بن عبدالسلام.. سلطان العلماء ومؤدب الملوك..كان يبتعد عن التقليد وينهر من يطالبونه بالالتزام بمذهب واحد قائلا: إن الله لم يأمرنا بأن نقلد الصحابة فكيف نقلد الأئمة أصحاب المذاهب؟
الخميس، 2 أغسطس 2012 - 22:43
العز بن عبدالسلام سلطان العلماء ومؤدب الملوك
إن كان للإسلام فضل على العالمين فلأنه حطم الأصنام وأزال الأوهام ودمر أحجار تعثر الإنسانية وفتح الطريق أمام العلم والثقافة والإبداع والتأمل والاعتبار والتذكر والاحتشاد والجهاد، وعبر أربعة عشر قرنا من الزمان منح الإسلام للبشرية دروسا بليغة فى التحرر من الجمود والثورة على الأوضاع الراهنة والانعتاق من أسر الكهنة واستبدادهم، ولأننا على أبواب بناء دولة جديدة، وقد أهل علينا شهر النور والقرآن، فلا أجمل من أن نلتمس الطريق مستنيرين بآفاق رحبة فتحها أمامنا فقهاء التنوير الذين حرروا العقل من وهم التعلق بالكهنة، ووضعوا من الإسلام آلية للتطور والتقدم والنمو، وهنا عبر 30 حلقة نحاول أن نكتشف أسس التطور التى وضعها أعمدة الفكر الإسلامى بقديمه وجديدة، علنا نجد الهدى.

صلبا فى الدين كان، رحيما بالفقراء كان، قويا على العظماء كان، اجتمع عنده التفقه فى الدين والحفاظ على الكتاب والسنة مع الاجتهاد وإعمال العقل، فكانت حياته لوجه الله خالصة، لا تعرف التعصب لمذهب، ولا الانحياز لفئة، ولا الطمع فى مال، ولا السعى لجاه أو سلطان، فجزاه الله بما عمل وأصبح من ألقابه سلطان العلماء وإمام الأولياء وعز الدين وقاضى القضاة ومؤدب الملوك.

وقف أمامه أحد تلاميذه منبهرا بعد أن نهر الملك أمام الرعية فى يوم العيد ليأمره بالكف عن الفواحش ومحاربة المفسدين فى بلاد المسلمين، فقال له تلميذه: ألم تتهيب من الملك يا شيخنا؟ فقال له العارف بالله والسابح فى ملكوته والعالم بقوته وعونه وسنده: والله يا بنى لقد استحضرت فى نفسى هيبة الله تعالى فكان السلطان أمامى كالقطة.

قال عنه الإمام الذهبى: «بلغ رتبة الاجتهاد، وانتهت إليه رئاسة المذهب، مع الزهد والورع، وقال عنه ابن دقيق العيد: «كان ابن عبدالسلام سلطان العلماء»، وقال عنه ابن الحاجب: «ابن عبدالسلام أفقه من الغزالى»، وقال عنه ابن السبكى إنه: «شيخ الإسلام والمسلمين، وأحد الأئمة الأعلام، سلطان العلماء، إمام عصره بلا مدافعة، القائم بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى زمانه، المطلع على حقائق الشريعة وغوامضها، العارف بمقاصدها»، أما العامة من محبيه وطلابه وتلامذته فقد رفعوه إلى مراتب الأولياء، تناقلوا عنه الحكايات، وادعو أن له كرامات، فما كان منه إلا النهى عن التحدث فى مثل هذه الأشياء، قائلا إن الكرامة والعزة والمعجزات لله تعالى، وليس لله شريك.

هو عز الدين بن عبدالسلام المعروف باسم العز بن عبدالسلام، أحد أكبر شخصيات الإسلام عبر عصوره، شاهد المحنة وشهيدها، المحارب بقلبه وقلمه وعقله ولسانه ويده، تاجر مع الله منذ أن عرف الله، فربحت تجارته وما هو من الخاسرين، هو ذلك العبد الربانى الذى اصطفاه ربه ليحمى حمى المسلمين ويطهر بلادهم من الضعف والوهن والخوف والحزن، هو ذلك الطفل الصغير الذى تعلم من الحياة أن الحياة زائلة، فخلد اسمه فى القلوب والعقول والتاريخ، هو صاحب السيرة العطرة واليد العليا والاسم الطاهر والأثر الشامخ، هو الصغير اليتيم الذى لم يجد ما يسد رمقه ويستر عريه ويأوى جسده إلا مسجد دمشق الكبير «المسجد الأموى» فعمل به صغيرا يحرس الأحذية ويشعل المسارج ويكنس الإيوانات، فحرسه الله من كل شر، وأضاء قلبه بنور الإيمان، وطهره من الرجس تطهيرا.

ولأن الله قد أراد به خيرا يسر له أن يتفقه فى الدين ويتبحر فى الفقه ويتعمق فى السير إلى نور الله، فكان كلما أبحر واستغرق نجا وتعمق، قد يظن البعض أن المصادفة وحدها هى التى وضعته فى هذا الطريق، لكن الحق أن الله هيأ له العلم ووضعه فى طريق علماء أجلاء أوفياء، فأخذوا بيده، وأعانوه على حاجته، وأدبوه وأفهموه وعلموه، فكانوا نعم المعلم، وكان نعم المريد.

جذبته آيات الذكر الحكيم، بينما هو فى المسجد يعمل ليلا، فاتبع الصوت فإذا به يصل إلى حلقة شيخ الشيوخ العالم ابن عساكر، فاختلس الجلوس والسماع لآيات الله وأحاديث رسوله، ولما لاحظ الشيخ الكبير وجود هذا الصبى، طرده من الحلقة لما وجده من حداثة سن الصبى ورثاثة ملابسه، فإذا بالصبى الصغير يهرع إلى باب المسجد ويظل ملتصقا به باكيا لحرمانه من سماع ما تشتهيه نفسه وتتوق إليه روحه، فإذا بالشيخ يخرج ويجد الفتى على ما هو عليه، فيرق قلبه ويلين، يسأل الفتى أتحب العلم؟ ويجيب قلب الفتى: وهل أحب غير العلم؟ يعرف الشيخ الخبير بالناس والعالم بسمات العلماء أن الطفل الواقف أمامه صادق، فيسأله عن أحواله ولما أجاب الفتى ووجده الشيخ على ما هو عليه من فقر واحتياج يقرر أن يتكفله بالرعاية.

ينشأ الفتى فى كنف هذا الشيخ الكبير فيتعلم ويحسن التعليم، يكلفه بدراسة كتاب فى شهر فيأتى إليه بعد ثلاثة أيام وقد حفظه وفهمه واستخلص ما به من فائدة، يأمره بحفظ سورة فيزيد سورة أو اثنتين أو ثلاثة، يحب الفتى العلم ويجد نفسه فى التعلق به والتفكر فى تجلياته، يحدوه نور إلهى نحو الطريق، فلا يتورع عن السير يسمع أن ما من طالب يطلب العلم حتى تحف به الملائكة فيستأنس بهم متحصنا بالله من وحشته ووحدته، يسمع عن الصوفية الحقة وأحوالها فيقتبس قبسا من نورها يجلس إلى شيوخها ومريديها، يسمع عن عالم بالعراق يحفظ الحديث ويعقد حلقات الدرس، فيشد الرحال إلى بلاد الرافدين ويعود إلى شيخه القديم «ابن عساكر» بعد أن تعلم وفهم ما لم يكن بوسعه أن يتعلمه، فيفرح به شيخه ويعتمده مدرسا فى حلقة الجامع الأموى الكبير.

ها هو الصبى يجلس ومن حوله الطلاب يسألونه فيجيب، وبرغم كونه شافعى المذهب، أشعرى العقيدة، لكنه لم يكن يتقيد بمذهبه، فكان يفتى بما يراه صالحا للناس وأنسب، وأقوى حجة وأكثر قربا لروح الشريعة، ولكنه كان أكثر ما يكون متشددا على الملوك الجبابرة والعلماء المنافقين، وكان لحزمه وصرامته سبب وجيه، فالعدو على الأبواب مازال، وصلاح الدين الأيوبى ذلك الرمز الذى كان يجمع شتات البيت الأيوبى ويوحد تحت رايته حكم مصر والشام قد مات، وتنازع إخوته وأبناؤه على الحكم، فصارت الأمصار الإسلامية إلى التشتت بعد الوحدة، وكل أمير على إمارته يستميل العلماء والفقهاء بكل ما يستطيع، أما العز فلم يكن من هذا الصنف من البشر، وقد استغنى عن الخلق بالخالق، واستكفى بالكافى عمن سواه، ولكنه لم يكن يكتفى بدور الساكت عن الحق، وما كان له أن يقنع بأن يكون «شيطانا أخرس» فكان دائم اللوم على علماء السلطان مجاراتهم للسلطان، فأفتى الشيخ بأن السكوت عن المنكر منكر، وأن علماء المسلمين أولى الناس بأن ينهوا الخلفاء والحكام عن المنكر، وأن تخليهم عن نصح الحاكم ورده عن الظلم مخالفة لله ورسوله، وأن سكوتهم عن الحق طمعا يعظم من إثمهم ويقبح ذنبهم، بل زاد فى الهجوم عليهم حينا استفتاه أحد الطلاب: هل لهؤلاء العلماء طاعة علينا؟ فقال العز: لا طاعة لهم عليكم كالما لا يطيعون الله ورسوله، وهو بذلك يجرد العلماء الذين يداهنون السلطان ويعينونه على الفقراء من سطوتهم وملكوتهم، وهو ما أثار استياء الفقهاء منه وزاد من حنقهم عليه.

كل هذا والشيخ ماض فى سبيله، يفتى الناس متحرجا من مسؤولية الفتوى، ويرفض هدايا الحكام ولا يقبل عليهم، وينأى بنفسه عن مظاهر البذخ، مفضلا تجارته مع الله التى جربها وأيقن من تحقق ربحها الواسع، يفضل أن يعيش فقيرا على أن يرى فقيرا يقرصه الجوع وينهش فى لحمه البرد، ويفضل فى الإفتاء أن يراجع نفسه مرة بعد مرة، وأن يعود إلى الحق متى وجده، حتى أنه يروى عنه إنه ذات مرة أفتى لرجل فى مسألة، ولما رجع إلى منزله اكتشف خطأه، فراح يبحث عن الرجل الذى أفتى له، وجعل تلامذته يطوفون فى الشوارع والأسواق ينادون على من أفتى له الشيخ قائلين: من صدرت له فتيا بالأمس العز بن عبدالسلام فلا يعمل بها فهى خطأ، وليعد إلى الشيخ ليفتيه بالرأى الصحيح، فزادت هذه الميزة من شعبية الشيخ ومحبته فى قلوب الناس، فصار شيخا شهيرا فى دمشق كلها، يحصل على راتب كبير من الجامع الأموى نظير تدريسه به، لكن بيته هزيل وصغير من كثرة ما يتبرع به لـ«أهل الله» يرفض إلحاح زوجته عليه فى توسعة دارهم وهى التى كانت تريد بيتا يحيطه بستان، وحتى حينما جمعت زوجته مصاغها وألقت به إليه ليشترى لها البيت الذى تريد رجع إليها خاوى الوفاض من البيت والمصاغ، ليخبرها أنه تبرع بالأموال للفقراء ليشترى لها قصرا فى الجنة!!

فى مقابل زيادة محبة الشيخ فى قلوب العامة زاد حقد علماء السلطان من أتباع المذهب الحنبلى عليه، فهو بالإضافة إلى لومهم الدائم ومهاجمته الصريحة لهم كان يتهمهم بالحمق والجمود وفساد الرأى والإساءة إلى الإمام العالم أحمد بن حنبل، وهذا ما جعلهم يشتعلون غيظا ويحاولون مرة بعد مرة أن يوقعوا بين الإمام العز بن عبدالسلام والسلطان الأشرف الأيوبى لأنه كان حنبليا مثلهم ويأتمر بأمرهم، لكنه لم يستجب لهم فى البداية لعلمه بمكانته الإمام ومدى تفقهه، لكنهم لم ييأسوا، فدسوا إليه فتوى يعرفون رأيه فيها لعلمهم بأنه يتبع المذهب الأشعرى فى العقيدة، وهو ذلك المذهب السنى الذى حارب به الأشعرى المعتزلة وحاججهم به، ولما وصلت الفتوى إلى الإمام عرف أنها مكيدة، لكن شرفه العلمى أبى عليه أن يتخوف من أن يفتى فى مسألة يعرف جوابها، وأبت عليه كرامته كتمان ما يعتقد فيه خوفا من المكائد، فكتب الإمام بخط يده ردا وبخ فيه سائل السؤال وقال ما يعتقده بكل صراحة وشجاعة وتحقيق، وهو ما اعتبره الحنابلة انتصارا لهم وزفوا الفتوى إلى الملك مستغلين جهله بأمور العقيدة ومتسلحين بسلطان مذهبهم عليه، فثار الملك على العز بن عبدالسلام واتهمه بالكفر، وأقسم لينزلن به عقابا كبيرا، وهو ما أغضب فقهاء المالكية والشافعية وحاولوا أن يصلحوا بين الشيخ والملك، لكن الملك أبى فتضامن الفقهاء الحقيقيون مع الإمام ووقعوا على نص الفتوى التى سببت الأزمة وقالوا إنهم يعتقدون نفس ما يعتقده الإمام، فخفف الملك من عقوبة الشيخ واكتفى بعزله عن الإفتاء والدرس، فامتثل الشيخ للحكم ومكث فى بيته ثم عاد إلى الفتوى بعد أن وصل الملك الكامل أخو الملك الأشرف إلى الشام ونهر أخاه على موقفه من الإمام وقد كان يعرف قدره ويبجله، وإمعانا فى اعتراف الملك بخطئه عين الإمام فى منصب الإمام الأكبر للجامع الأموى، فسار يحكم بين الناس بالعدل، وأمر السلطان برفع الضرائب عن الصناع والتجار والفقراء وأن يجعلها على الأغنياء فقط، أى أنه أمر بما نطلق عليه هذه الأيام «الضريبة التصاعدية» فاستجاب له السلطان صاغرا.

وما أن مات الملك الأشرف وتولى مكانه الصالح إسماعيل حليف الصليبيين حتى اضطهد الإمام العز بن عبدالسلام بكل ما أوتى من قوة وبطش، واستمال إليه علماء الحنابلة الذين كانوا يحيطون بسابقه «الأشرف» لما علم منهم حبهم للهدايا والمنح واستعدادهم لعمل كل ما يرضى السلطان، ففرض الضرائب الباهظة على الفقراء والصناع مرة أخرى، وأحاط به تجار العبيد والنخاسون وأصحاب المواخير، وأحيا كل المفاسد التى أمر الله بها أن تموت، والأنكى من كل ذلك تحالف مع الصليبيين ضد إخوانه من أبناء الدولة الأيوبية، بل سمح للصليبيين أن يشتروا السيوف التى يحاربون بها المسلمين من دمشق وكانت من أفضل أنواع السيوف، فتصدى الإمام لانحرافات الملك وسار يمشى فى الشوارع يقول للناس إن من يبيع للصليبيين سيفا فقد خان العهد مع الله والرسول ولا ذمة ولا عهد له ودمه مهدر وماله مباح، بل خطب فى الناس مطالبا بخلع الملك الذى منح الصليبيين أرضه وتحالف معهم ضد إخوانه فى الدم والدين، وامتنع الأئمة على المساجد من الدعاء للملك بعد فتوى الإمام وهو ما يعنى أنهم لا يعترفون بالصالح إسماعيل ملكا، فما كان من الملك إلا أن أمر بسجنه واستعان على الشيخ بفتاوى من فقهاء الحنابلة تقول إن الخروج على الحاكم «حرام» والملك أدرى بما فى صالح المسلمين، غير متورعين عن اتهام الإمام بأبشع التهم قائلين إن الإمام ما كان ليحارب الملك إلا لغرض فى نفسه.

بعد فترة أمر الملك بالإفراج عن الشيخ على أن يلزم بيته ولا يخرج منه إلا لصلاة الجمعة، فما كان منه إلا أن يطلب الإذن بالخروج من دمشق والسفر إلى القاهرة، فأجابه الملك بعد مناورة، على أن يخرج فجرا دون أن يخبر أحدا خشية أن يثير الناس مشهد خروج الشيخ فينقلبون عليه، وبالفعل خرج الإمام، لكن فى طريقه إلى القاهرة لاقى أشد المهانات من الأمراء التابعين للصالح إسماعيل، وضايقوه وآذوه وحبسوه حتى أن الرحلة التى لم تكن لتتعدى شهرا استغرقت عاما، ولما وصل الإمام إلى القاهرة وكان المصريون قد سمعوا به وأحبوه خرجوا لاستقباله لابسين ملابس العيد فرحين بالإمام الجديد الذى جدد الله به شباب الإسلام وأعاده إلى سيرته الأولى، حيث الحب والعدل والرحمة والعطف والإخاء.

كان الملك الصالح نجم الدين أيوب ضمن من استقبلوا الإمام على باب القاهرة، وأخذه من يده وأدخله بيته الجديد قائلا له إن هذا البيت ليس من ماله ولا من بيت المال، بل من أهالى القاهرة الذين فرحوا به فتبرعوا بأموالهم ليشتروا له هذا البيت، وحينما دخلت زوجة الإمام إلى البيت الجديد فرحت فرحا شديدا لأن به بستانا كما كانت تحلم علاوة على ذلك يطل على النيل، وإكبارا للشيخ وتعظيما لقدره عينه الملك الصالح نجم الدين أيوب قاضيا للقضاة، وهو ما جعل أيام الإمام الهنية فى القاهرة تقل، حيث اصطدم الإمام بالملك فى مواجهة شهدها أهل مصر كافة، وكانت هذه المواجهة حينما وجد الإمام أمراء المماليك يبيعون ويشترون ويتزوجون من الحرائر وهم مازالوا عبيدا، فمنعهم من إبرام العقود وأفتى بعدم صحة زواجهم من الحرائر، وهو ما أثار استياء الأمراء والملك على حد سواء، لكن الإمام الذى لا يخشى فى الحق لومة لائم لم يرجع عن فتواه حتى باع الأمراء فى السوق واشتراهم الملك ثم أعتقهم وأخذ العز أموال بيعهم وصرفها على الفقراء والضعفاء والمساكين والطلاب.

واستمر الإمام فى فتاواه التى لا تهاب ولا تخشى، وحينما حكم على أمير مملوكى ولم تنفذ الشرطة حكمه تقدم بنفسه ونفذ الحكم ثم استقال من القضاء لاعتراضه على عدم تنفيذ حكمه، فارتاح الملك من فتاواه التى كدرت عليه حياته وقلبت عليه أمراءه، واستغل الإمام هذه الفترة فى وضع الكتب التى كان يحلم بكتابتها، واستخرج من خلال عمله فى الإفتاء والقضاء أحكاما كثيرة ووصل إلى نظريته الخاصة فى الاجتهاد، معتمدا على العقل بعد النقل فجدد شباب الفقه الإسلامى حتى قال عنه إمام المذهب المالكى فى دمشق وقتها: لم نعرف منذ الأئمة الأربعة من هو أفقه من الغزالى إلا العز بن عبدالسلام.

«الشريعة كلها إما درء مفاسد أو جلب مصالح» تلك هى القاعدة التى وصل إليها الإمام بعد تبصره واجتهاده، فما فيه المصلحة فيه الخير كله، وما فيه اجتناب المفسدة فيه الخير كله، والحالان هما قصد الشريعة الأساسى، وفى ذلك يقول الإمام: ومن أراد أن يعرف المصالح من المفاسد فليعرضها على العقل.

وفى ذلك يقول أيضا: إن الطب كالشرع وضع لجلب مصالح السلامة والعافية ولدرء معاطب الأسقام، والذى وضع الشرع هو الذى وضع الطب، والاثنان موضوعان لجلب المصالح ودرء المفاسد وتأسيسا على وجهة النظر هذه استنبط الكثير من الأحكام، فنهى عن المشقة فى العبادات، قائلا إن الله جل وعلا لم يكن ليشق على عباده، تماما كما لا يقصد الطبيب أن يعذب المرضى بالدواء المر، وفى تفضيله للمصالح فقد أمر باتباعه الأحسن مستدلا على ذلك بقول الله تعالى «يستمعون القول فيتبعون أحسنه»، قائلا إن إنقاذ الغرقى مقدم على الصلاة والصيام، كما أفتى بأنه لا ولاية للأئمة البغاة الذين يغلب عليهم الفجور، ومصالح الفقراء أولى من مصالح الأغنياء، كما أفتى بجواز التيمم للنساء إذا ما كان الماء يؤثر على جمال وجههن ويصيبه بتغير لونه كما يحدث فى الشتاء، كما أفتى بجواز العيش فى البلاد التى يعم فيها الحرام، لأن ترك المؤمنين لهذه البلاد يمكن الفجار منها، وأفتى بضرورة ووجوب الثورة عند وقوع اغتصاب سلطة أو مال أو عرض قائلا إن ثورة المغصوبين على الغاصب واجبة، كما اعتبر الإمام المتصوفة الحقيقيين الذين لا يسقطون العبادات ولا يؤمنون بالخرافات «أهل الحقيقة» وكان على صلة مودة كبيرة بالحسن الشاذلى وإبراهيم الدسوقى، بل كان يقول لتلاميذه «اسمعوا كلمتهم فهو قريب العهد من ينبوع الحقيقة»، وكان فى كل فتاواه بعيدا عن التقليد وقريبا من روح الشريعة، لا يأخذ من كل مذهب أحسنه وينهر من يطالبونه بالالتزام بمذهب واحد ويقول لهم إن الله لم يأمرنا بأن نقلد الصحابة فكيف نقلد الأئمة أصحاب المذاهب.

لكن حدث ما جعل الشيخ الإمام المجاهد يترك عمله واجتهاداته ويخرج للناس مسرعا، فقد وصلت الأنباء إلى البلاد بأن الصليبيين يهاجمون دمياط فخرج الشيخ إلى هذه البلدة ليحث الناس على الجهاد وملأ الدنيا دعوة للجهاد فى سبيل الله فانتصر المصريون على الصليبيين، وكان له أكبر الأثر فى المعركة، ولما حاول التتار أن يغزوا مصر انتفض الشيخ مرة أخرى وحث الناس على الجهاد وحينما أراد الأمير قطز أن يفرض ضرائب جديدة على الناس منعه من ذلك وقال له خذ الأموال التى تريدها من أمرائك وأغنياء البلاد واترك الفقراء لفقرهم فاستجاب الملك، وأخذ يحفز الناس على الجهاد حتى انتصر المصريون على التتار، وبعدها أصاب الشيخ الوهن والكبر وعلم أن ميعاد لقائه بربه قريب، فقال لأبنائه ساعدونى لأذهب إلى الدرس، وكان قد انقطع عنه منذ مدة، فساعدوه وجلس على جلسته يفسر القرآن ليلاقى ربه وهو يفسر الآية التى تقول «الله نور السموات والأرض».


وائل السمرى يكتب: الإمام الشاطبى.. مؤسس علم المقاصد
الجمعة، 3 أغسطس 2012 - 09:11
إن كان للإسلام فضل على العالمين فلأنه حطم الأصنام وأزال الأوهام ودمر أحجار تعثر الإنسانية وفتح الطريق أمام العلم والثقافة والإبداع والتأمل والاعتبار والتذكر والاحتشاد والجهاد، وعبر أربعة عشر قرنا من الزمان منح الإسلام للبشرية دروسا بليغة فى التحرر من الجمود والثورة على الأوضاع الراهنة والانعتاق من أسر الكهنة واستبدادهم، ولأننا على أبواب بناء دولة جديدة، وقد أهل علينا شهر النور والقرآن، فلا أجمل من أن نلتمس الطريق مستنيرين بآفاق رحبة فتحها أمامنا فقهاء التنوير الذين حرروا العقل من وهم التعلق بالكهنة، ووضعوا من الإسلام آلية للتطور والتقدم والنمو، وهنا عبر 30 حلقة نحاول أن نكتشف أسس التطور التى وضعها أعمدة الفكر الإسلامى بقديمه وجديدة، علنا نجد الهدى.

◄قال إن غرض الشريعة هو الحفاظ على المقاصد الخمسة وهى الدين والنفس والنسل والعقل والمال.. وأكد أن الحفاظ عليها هو تطبيق للشريعة.

◄حارب البدع المنتشرة فى الأندلس وجدد شباب الإسلام فى القرن الخامس وأصبح مرجعاً لكل الفقهاء المجددين فى العصر الحديث.. تتلمذ على كتابات العز بن عبدالسلام والإمام الغزالى والإمام مالك.

لا يكاد اسمه يغيب عن حلقات الدرس وكتابات المشايخ الأساتذة الكبار منذ مطلع القرن الماضى، فقد وجد الجميع ضالتهم فى هذا الرجل الذى وضع نظرية «مقاصد الشريعة»، فنال الاستحسان، وأصبح محل الاستشهاد، وتناول الفقهاء سيرته بكل احترام وإكبار، فبعد ثمانية قرون من ظهور الإسلام، وبعد عشرات الأئمة وعشرات المذاهب، وآلاف الكتب وآلاف الرسالات وملايين الخطب والمراسلات وملايين الأسئلة والفتاوى، كان لابد من ظهور عالم كبير، يجمع كل هذا فى إطار جامع ليخرج لنا بنظرية حاكمة للشريعة الإسلامية وفلسفتها وحكمتها، وكان هذا العالم هو الإمام الشاطبى.
هو إبراهيم بن موسى بن محمد أبوإسحاق اللخمى الغرناطى، الشهير بالشاطبى، وكنيته التى عرف بها أبوإسحاق، المولود بغرناطة الأندلس، تلك الجنة المفقودة التى أخرجت لها عشرات العلماء الأجلاء، وعشرات الفلاسفة العظام، وعشرات المتصوفة الأقطاب، وآلاف الكتب المهمة التى أسهمت فى تشكيل وعى الثقافة العربية، وطورته وجعلت منه أحد أهم روافد الثقافة الإنسانية. وقد عرف عن الإمام الشاطبى أنه لم يكن يخرج من غرناطة التى ولد وتربى وتعلم بها، وقد كان غيره يسافر إلى الأقطار المختلفة لاستجلاب العلم وتحصيل الدروس، أما الشاطبى فلم يكن ليسافر والعلم حاضر عنده، والعلماء متحلقون حوله، يقطف من ثمار معرفتهم وخبرته دون تعب أو شقاء.
تاريخ ميلاد شيخنا الكريم غير معروف على وجه التحديد، لكن كتب التاريخ حفظت لنا وفاته جيدا، وذلك لأن وفاته كانت حدثا كبيرا، فقد اهتزت الأوساط العلمية بفاجعة رحيل الإمام العالم يوم الثلاثاء من شهر شعبان سنة 790 هجريا، بعد عمر حافل بالإنجاز، عامر بالإبداع، فقد تتلمذ على يد الإمام الشاطبى الكثير من العلماء الأجلاء المشهود لهم بالفضل فى العلم، والذين نهلوا من معين الشيخ وعلى يده تربوا وتتلمذوا وعرفوا، وهو الإمام الذى درس الفقه من أصفى منابعه، وتفقه فى اللغة العربية وفنونها، فوقف على أسرارها وجمالياتها وقواعدها من نحو وصرف، كما درس تفسير القرآن ووعى حكمته، كما درس علوم الحديث والقواعد الفقهية، فتكونت له حصيلة معرفية ضخمة مكنته من أن يبدع نظريته التى أدهشت المعاصرين قبل القدماء، وكان طبيعيا أنه حينما تعرض كتب التراجم والسيرة لشخصية هذا الرجل تصفه بالقول: هو الإمام العلامة، المحقق القدوة الحافظ الجليل المجتهد الأصولى المفسر الفقيه، المحدث اللغوى، النظارة المدقق البارع، صاحب القدم الراسخ والإمامة العظمى فى سائر فنون العلم الشرعى، والإمام المحقق العلامة الصالح.
«إنى- ولله الحمد- لم أزل منذ فتق للفهم عقلى، ووجه شطر العلم طلبى، أنظر فى عقلياته وشرعياته، وأصوله وفروعه، لم أقتصر منه على علم دون علم، بل خضت فى لجاجه خوض المحسن للسباحة، وأقدمت فى ميدانه إقدام الجرىء، إلى أن منّ علىّ الرب الكريم، الرؤوف الرحيم، فشرح لى من معان الشريعة ما لم يكن فى حسابى».. هذا ما يقوله الإمام أبوإسحق الشاطبى بنفسه عن نفسه، والذى يقر بأن نظريته فى الشريعة لم تكن فى حسبانه، وإنما من فتح الله عليه، وهذا ما أقره الفقهاء قديما وحديثا، فقد اعتبروا «نظرية المقاصد» من أهم نظريات الفقه الإسلامى بعد نظرية الإمام الشافعى فى تأسيس أصول الفقه، ولذلك اعتبره البعض مجدد المائة الثامنة، وباعث النهضة فى علم الفقه، لكن كما هى العادة لم يسلم الإمام الشاطبى، وهو السنى الأصولى المتخذ من أقوال السلف نبراسا، من إلصاق العديد من الاتهامات به، فقال عنه البعض إنه يدعى أن الدعاء لا ينفع، لأنه لم يكن يلتزم بالدعاء الجماعى فى الصلاة، وقال آخرون إنه تشيع لأنه لم يكن يذكر الخلفاء الراشدين فى الخطب، وهو الأمر الذى جعله ينشد شعرا قال فيه: «بُليتُ يا قومِ والبلوى منوعةُ.. بمن أُداريه حتى كاد يُردينى/دفع المضرة لا جلبُ لمصلحةٍ فحسبىَ الله فى عقلى وفى دينى».
«اتفقت الأمة، بل سائر الملل، على أن الشريعة الإسلامية وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس، هى: الدين والنفس والنسل والمال والعقل، وعلمها عند الأمة كالضرورى.. هذه هى النظرية الجامعة التى استخلصها الإمام بعد ثمانية قرون من الاجتهاد الفقهى فى الشريعة الإسلامية، بكلياتها وفروعها، قائلاً إن هذه الكليات الخمس أو المقاصد الخمسة من الأمور التى لا يرقى إليها الشك، فليبحر الفقهاء مهما أبحروا، وليتكلم فى أمور الشريعة من يتكلم، لكن الثابت على طول الدهر أن هدف الشريعة الأسمى ومقصدها الأنبل هو الحفاظ على هذه الكليات الخمس، وأى اجتهاد فقهى يخالف مبدأ الحفاظ على هذه الكليات باطل، كما أن أى اجتهاد فقهى يحافظ على هذه الكليات فهو قائم بإذن الله.
وبرغم أن الإمام الشاطبى لم يخترع هذه النظرية، ولم يأت بها من عدم، لكن وضعها والتأصيل لها كفل لها أن يقترن اسمه باسمها، فما أن يذكر الشاطبى حتى يذكر علم المقاصد، وما أن يذكر علم المقاصد حتى نترحم على الإمام الشاطبى، لكن الإمام لم يكتف بإطلاق أحكامه هكذا دون تدليل، فقد حرص على توثيق هذه الكليات من الكتاب والسنة، مؤكدا أن الله تعالى ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم أكدا أهمية تلك المقاصد منذ بداية البعثة فى مكة، مروراً بالهجرة إلى المدينة، ثم خطبة الوداع التى شهدت اكتمال الدين فى مكة أيضا، فقد حفل القرآن الكريم بذكر هذه المقاصد والأمر بالحفاظ عليها، فحفظ الدين لا يحتاج إلى دليل من الكتاب لإثباته لأنه معلوم بالضرورة، أما حفظ النفس فقد أمرنا الله به فى قوله «وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ»، وقوله: «وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ»، وحفظ النفس يتطلب أيضا حفظ العقل بتحريم المسكرات، وحفظ النسل ثابت لا محالة بتحريم الزنى وتفحيشه، والأمر باجتنابه، وإقامة الحد على مرتكبه، كذلك حفظ المال بتحريم أكل الأموال بالباطل، والنص على تحريم السرقة، والعمل على مراعاة حقوق المسلمين المالية.
ولتعظيم مكانة هذه الكليات الخمس فى الشريعة فقد حرص المولى عز وجل على تذليل الصعاب أمام مهمة الحفاظ عليها، فأتاح الرخص بعد الرخص، لكى يرفع عن الناس الحرج، ويضمن أن تدوم «مقاصد الشريعة» وألا تتبدل مهما تبدلت الأزمان والأحوال، فقد حفظ الله إقامة الصلاة بإتاحة الرخص فى الطهارة والوضوء، وتيسيرها على الناس بالتيمم فى حالة عدم وجود ماء طاهر، وأباح صلاة القصر، ورفع القضاء فى حالة الإغماء، وأتاح الصلاة قاعداً وعلى جنب، كما أتاح الإفطار فى رمضان فى السفر والمرض، كما حفظ النفس بتحليل ما تم تحريمه فى حالة الاضطرار، كتحليل أكل الميتة ولحم الخنزير وشرب المحرمات فى حالة العطش الشديد، كما أحل الزواج بدون تسمية الصداق تيسيرا، لحفظ النسل، كما أباح الطلاق والخلع، وفى المال حلل الاقتراض الحسن، والتمتع بالطيبات من الحلال، وتبشيع الإسراف والتبذير، وبالنسبة للعقل فقد رفع الحرج عن المكره والمضطر إذا انتباه مرض أو عطش أو جوع.
وقبل أن نخوض فى جزئيات نظرية المقاصد، لابد هنا أن نؤكد أن الإمام الشاطبى لم يخترع تلك النظرية، إنما وجدها فى كتب الفقه وفتاوى الأئمة ملقاة على دون تأطير ولا جامع ولا تدليل شاف فجمعها وأطرها ودلل عليها، وهذا ما انتبه إليه الشاطبى نفسه الذى كان كثيرا ما يشير إلى مجهود سابقيه فى كتابيه «الموافقات» و«الاعتصام»، وسابقوه هؤلاء هم الإمام الجوينى إمام الحرم المكى، والإمام الغزالى، والإمام العز بن عبدالسلام، وهم من سبقوه فى هذا التقسيم حينما حصروا المصالح الضرورية فى خمس، هى الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وقد أمرنا الله أن نتبع الإحسان، ونعمل الصالح فى جميع آيات الذكر الحكيم، واستفاض الإمام العز بن عبدالسلام فى التأكيد على هذه النظرية وجعلها مثل أصول التشريع، حيث قال إن العلماء قد أجمعوا على اختلاف تخصصاتهم ومذاهبهم وعصورهم على كون الشريعة قد تضمنت الحفاظ على ما أسماه «أمهات المصالح» أو «المصالح المحفوظة»، مؤكدين أن كل ما يحافظ على هذه المصالح فهو مصلحة، وكل ما يضيع هذه المصالح فهو مفسدة ودفعها مصلحة، بل انتقل الإمام بتلك الفكرة من حيز النظرية إلى حيز التطبيق، حيث رجع إليها فى الكثير من الفتاوى التى أفتى بها والتى أشرنا إليها فى الحلقة السابقة، فكان بهذا مجددا فى دين الله، محافظا على شريعته وعباده، وفى الحقيقة فإن وجود نظرية «المقاصد الخمسة» سابق أيضا على هؤلاء الأئمة العظام، ويراها البعض تطويرا لفكرة «المصالح المرسلة» التى أصلها الإمام مالك ففتح بها باب الاجتهاد على آخره، بل إن المتأمل فى تاريخ الفقه الإسلامى يجد أن الصحابة الكرام قد اتبعوا هذه النظرية، ولنتأمل آراء الفاروق عمر بن الخطاب وقراراته التى كان يضع نصب عينيه هذه المقاصد وهو يتخذها، فقد حفظ النفس والمجتمع بإبطال حد الردة فى عام المجاعة، وحفظ الدين والفتوحات حينما قرر عدم تقسيم الأراضى الزراعية على الجنود الفاتحين والصحابة، وحفظ مال المسلمين حينما أبطل سهم المؤلفة قلوبهم. والناظر إلى فتاوى عمر وقراراته يتأكد من أنه كان يعلى مصلحة المسلمين، ويضعها فوق كل اعتبار، ما فى هذه الإجراءات والقرارات سوى الحفاظ على مقاصد الشريعة الخمسة.
وسيرا على نهج الإمام العز بن عبدالسلام سار الإمام الشاطبى ليطبق تلك النظرية، كتطبيق فقهى عملى، فقد عمل بها وهو يعالج موضوع انتشار البدع فى غرناطة، التى حاربها وهاجمها وفند حججها، فقد قسم المعاصى إلى ثلاثة أنواع، قائلا: منها صغائر ومنها كبائر، فالكبائر هى تلك التى تهدر قيمة الحفاظ على المقاصد الخمسة أو «الضروريات»، أما الصغائر فهى التى لا تتطرق إلى تلك الضروريات، وهى تقع فى مرتبة أقل بالتأكيد، وفى كل كتابات الإمام الشاطبى تجد هذه الجملة وكأنها من المسلمات الأبدية، فيقول الإمام: هناك مسلمة شرعية، وهى أن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد فى العاجل والآجل، ويقول بعبارة أخرى أكثر جزما «المعلوم من الشريعة أنها شرعت لمصالح العباد، فالتكليف كله إما لدرء مفسدة، وإما لجلب مصلحة أو لهما معا»، وهو دائما ما يؤكد أن المصالح هى ما تؤدى إلى الحياة لا إلى هدمها، فيقول: «المصالح المجتلبة والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس فى جلب مصالحها العادية، أو درء مفاسدها العادية»، وهنا يفرق الإمام بين «المصلحة» و«الأهواء» ذاكراً قول الله تعالى: «وَلَوِ تَّبَعَ لْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ»، لكن الإمام الشاطبى يضع تعريفا لمفهوم المصلحة يكاد يهدم تلك النظرية من أساسها، فهو يقول إن المصالح تعرف من المفاسد بالنقل وليس بالعقل، وإن الشىء الحسن حسن لأنه مذكور فى الأثر، والشىء القبيح قبيح لأنه مذكور أيضاً فى الأثر، وهو ما يقتل الاجتهاد ويجعل نظريته حشوا زائدا إن لم تتطور وتكون مواكبة للعصر ومستحدثاته التى لم ترد فى كتاب ولا سنة، وهو بذلك لا يغالط نظريته فقط وإنما يغالط أيضاً مشايخه الذين استقى منهم تلك النظرية، فها هو الإمام العز بن عبدالسلام يقر بأن «معظم مصالح الدنيا ومفاسدها معروفة بالعقل، إذ لا يخفى على عاقل قبل ورود الشرع أن تحصيل المصالح المحضة ودرء المفاسد المحضة عن نفس الإنسان محمود حسن»، ويضيف: واتفق الحكماء على ذلك وكذلك الشرائع على تحريم الدماء والأموال والأعراض، وإن اختلف فى ذلك، فالغالب أن ذلك راجع لاختلاف فى التساوى والرجحان. كما قال الإمام العز بن عبدالسلام إن المصالح والمفاسد الدنيوية تعرف بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرات، وأن من أراد أن يعرف المناسبات فى المصالح والمفاسد راجحها من مرجوها فليعرض ذلك على عقله.
وتدل الروايات والآيات والأحايث على أن العقل وحده كفيل بمعرفة الحسن من القبيح، فقد روى عن قتادة المفسر التابعى أنه قال: «ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر الله به فى الآية الكريمة «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِى الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» وليس من خلق كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدح- أى ذم- فيه وإنما نعى عن سفاسف الأخلاق ومذامها»، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، فكيف لأهل الجاهلية أن يعرفوا أسباب بعثة الرسول إلا إذا كانوا يعرفون بعقلهم مكارم الأخلاق من خبائثها، وتدلنا أيضا شهرة النبى صلى الله عليه وسلم فى مكة قبل البعثة بأنه الصادق الأمين على أن القيم العظيمة كالصدق والأمانة كانت معروفة متبعة ومستحسنة قبل البعثة، وهى جزء مما فطر الله البشر عليه، وقد قالت أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد للرسول حينما خشى على نفسه من الوحى: «كلا، أبشر، فوالله ما يخزيك الله أبداً، فوالله إنك تصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقرى الضعيف وتعين على النوائب»، ولعله من غير المفهوم أن ينكر الإمام الشاطبى معرفة الحسن من القبيح قبل نزول التشريع وقد وصف الله الخمر والميسر بأنهما «رجس»، ووصف الزنى بأنه «فاحشة»، ووصف المحيض بأنه «أذى».
ولقد كتب الإمام ابن القيم الجوزية فى كتابه «مفاتيح السعادة» أن قول الله تعالى: «ويحل لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ» تصريح واضح بأن الحلال كان طيبا قبل أن يحلله الله، والخبيث كان خبيثا قبل أن يحرمه الله، وأن الله كسا بحله طيباً على الطيب، وكسا الخبيث بتحريمه خبثا على خبثه، ويدل قوله تعالى: «قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ»، على أن الفواحش فواحش بنفسها لا تستحسنها العقول فتم تحريمها لفحشها، ويفصل الإمام ابن الجوزية قوله بالشرح مسترسلاً: إن غاية العقل أن يدرك بالإجمال حسن ما أتى الشرع بتفضيله.
غير أن الإمام الشاطبى، وهو الذى اعترض على الإمام العز بن عبدالسلام فى احتكامه إلى العقل فى معرفة المصالح والمفاسد، تناقض مع نفسه حينما أقر ما أقره «العز» محتكما إلى عقله، فقد أقر الباحثون والفقهاء أن الشاطبى تتلمذ على كتابات «العز» خاصة فيما يتعلق بالمصالح والمفاسد، والنهى عن المشقة، فيقر بأن الإسلام لم يأت للتكدير على الناس، بل للتخفيف عنهم ومراعاة لمصالحهم وراحتهم، فنهى عن مشقة الاغتسال فى البرد، والقيام لصلاة الفجر، ومشقة الصوم والحج، وهنا تجدر الإشارة إلى أن نظرية الإمام الشاطبى لم تكن لتأخذ شهرتها، ولم تكن لتوجد أصلاً لولا اعتماده على المذهب المالكى الذى يعد مذهب المصلحة والاستحسان، وهو المذهب الحازم فى درء المفاسد، والبحث عن علة التكليفات فى المعاملات وأسبابها، ليتحقق بالسبب ما لا يتحقق بالنص، ولولا أن الإمام الشاطبى وجد تراثا زاخراً بالعلم والاجتهاد منذ أيام الصحابة، مرورا بالأئمة الأربعة الكبار، والإمام الجوينى، والغزالى، والعز بن عبدالسلام، لما وضع هذه النظرية الكبيرة التى ستصبح فيما بعد نبراسا للمصلحين والمجددين ليطورا فيها، ويضيفوا عليها، ويكسبوها مرونة وأصالة، مستدركين ما فات الإمام الرائد الذى يكفيه وضع النظرية التى يتغنى بها الجميع الآن.



وائل السمرى يكتب: رفاعة الطهطاوى.. أبوالمصريين..نقل إلى مصر الدستور الفرنسى مقتديا بعمر بن الخطاب حينما نقل نظام الدواوين الفارسى إلى الإسلام وتبنى

_________________

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  * الدال على الخير كفاعله *
سبحان الله .. الحمد لله ..  الله أكبر ..  لا إله إلا الله
لا حول ولا قوة إلا بالله ... سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد
كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم

من هذا المبدأ الدال على الخير كفاعله

كيف تستفيد من الانترنت وتربح الكثير من المال باقل مجهود
ارشح لكم هذا العمل للكسب السريع بدون اي تكلفة مادية منك
من هنا .هنا هنا هناااااااااااااااااااا..
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://said63.goodforum.net
said63
منتديات شباب العارب
منتديات شباب العارب
avatar

عدد الرسائل : 3822
العمر : 54
تاريخ التسجيل : 14/02/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقهاء التنوير من عمر بن الخطاب يكتبه وائل السمري لكم    الخميس أغسطس 09, 2012 2:08 am


وائل السمرى يكتب: رشيد رضا.. الإمام التوافقى.. تلميذ محمد عبده والأفغانى وصديق سعد زغلول وإمام حسن البنا وأستاذ السلفية المصرية ونصير الشيوعية والرائد الذى استفاد منه الألبانى ودعا له
الأربعاء، 8 أغسطس 2012 - 09:32

رشيد رضا
بقلم وائل السمرى

لا يبالغ الواحد إن قال إن نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين قد شهدت حراكا فكريا متكاملا شبيها لما وقع فى القرن الثانى وبداية القرن الثالث حيث عصر الأئمة الكبار الذين جددوا شباب الإسلام الأول وحافظوا على السنة النبوية وتكاملوا فيها بينهم مختلفين فى الفروع ومتفقين فى الأصول، ومتفرقين فى الطريق متوحدين فى الغاية، فما إن هل القرن الثانى الهجرى حتى بزغت أنوار المجددين الكبار، كالإمام جعفر الصادق خليل الإمام أبوحنيفة الذى كان تابعا للإمام زيد بن على زين العابدين والإمام الليث بن سعد الذى كان صديقا وأخا وندا للإمام مالك الذى تعلم على يديه الإمام الشافعى الذى سلم الشعلة للإمام أحمد بن حنبل فكان بحق عصر الأئمة العظام، ها هو العصر الحديث أيضا يبدأ نفس البداية على يد الإمام حسن العطار الذى علم المعلم رفاعة الطهطاوى الذى عاصر الإمام جمال الدين الأفغانى الذى رافق الإمام محمد عبده الذى علم الإمام رشيد رضا ومصطفى عبدالرازق وغيرهم كثير، لتكتمل دعوة الإسلام ويقف أبناؤه أمام المحتلين وقفة عزيز كبير، مطورين من أدواتهم ومحافظين على هويتهم ومجددين لدماء دينهم الذى روث من تخلف العصور السابقة ما أسهم فى تشويه صورته وتبديل مفاهيمه فكانت الصحوة النهضوية الكبيرة التى طورها أبناؤها لتصبح مصر دولة الإسلام الحضارى بمعناه الأكمل والأجمل الذى لا يقف فى وجه التقدم والتحديث، ولا يذوب فى هويات أخرى غير هويته السامقة.

فى الحلقات السابقة تعرضنا إلى ما قام به المصلحون الأوائل مثل الأفغانى والعطار والطهطاوى وعبده واليوم نواصل التعرض إلى المنجز الفقهى الحضارى الذى تكامل فيه أبناء تلك الحقبة ليشكلوا فيما بينهم نسيجا واحدا قادرا على مواجهة المستجدات الطارئة وأبرزها ما تعرض إليه الوطن من نكسة كبيرة متجسدة فى الاحتلال الإنجليزى الذى أثر على مسار حركة التجديد الإسلامية بشكل كبير فقد رأينا كيف كان الإمام محمد عبده يحلق فى أفق المعرفة ويعلى من شأن العقل والاجتهاد متعمقا فى دراسة الآيات والأحاديث ومتأملا فى أسباب نزولها وعلل أحكامها غير متورع فى اللجوء إلى تأويل النص بشكل عقلى مجرد مؤكدا على أن النص والعقل متكاملان ومتلازمان كما لو كان يقول إن النص عقل ثابت والعقل نص متحرك، لكن ما إن مات الإمام حتى حمل شعلة التنوير تلميذه رشيد رضا الذى وجد أن الأوضاع قد تغيرت وأن الأحوال قد تبدلت، ففى زمنه توغل الاحتلال الإنجليزى بالحياة المصرية، كما شهد انهيار الخلافة الإسلامية وشهد الحرب العالمية وتبدلت موازين القوى، كما شهد العديد من المتغيرات الطارئة التى أحدثها الانحلال، فانعكس هذا كل على وجه نظره وفتاواه التى تشدد فيها إذا ما قارناه بأستاذه محمد عبده، حتى عده البعض الأب الشرعى للحركة السلفية فى مصر وذلك لاعتماده كثيرا على آراء الإمام ابن تيمية الذى أنشأ فقهه فى ظرف يكاد يماثل ظرف «رضا» حينما كان المغول يحتلون جزءا من العالم الإسلامى ويستعدون لالتهام البقية، وما تشدد الإمامان فى فقههما إلا للحفاظ على الدين الذى كان مهددا بالضياع تحت أقدام المحتلين.

على هذا فإنه قلما تجد مصلحا مظلوما مثلما تجد رشيد رضا «1865/ 1935» العراقى الأصل اللبنانى المنشأ المصرى الهوية فقد ظلمته كل التيارات المحافظة والمجددة، كما احتفت به كل التيارات المحافظة أيضا والمجددة، فقد كان فى فقهه وفتاواه ومواقفه صورة أو أخرى من كل فصيل، فمن ناحية هو تلميذ المصلحين المستنيرين أمثال جمال الدين الأفغانى ومحمد عبده فعن الأفغانى يقول إنه: الكبير بمواهبه الفطرية، الكبير بسعة علمه وحسن نظام فكره، الكبير بمطامحه، الكبير بنفسه العالية القوية المشتعلة حياة وعزما، الكبير بتاريخه» ودائما ما كان يذكر الإمام محمد عبده واصفا إياه بالأستاذ ويشهد له بالورع والمعرفة والإمامة وعنه يقول: «هو أكمل من عرفت من البشر» وفى ذات الوقت أستاذ الشيخ محمد حامد الفقى، مؤسس جمعية أنصار السنة المحمدية، وأستاذ حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، كما أنه صديق الزعيم الوطنى الكبير سعد زغلول وكان كثيرا ما يشيد به ويعتبره المثال الذى كان يحلم به الإمام محمد عبده وعنه كان يقول: إن روح الأفغانى ومحمد عبده قد تجلت فى أعمال سعد زغلول، وإنه قد أصبح عميد الحزب المدنى للأستاذ الإمام وأقوى أركان هذا الحزب» وكان بمجلته الرائدة «المنار» من أئمة الإصلاح والتجديد والمحافظة فى آن واحد حيث يقول عنه الإمام ناصر الدين الألبانى المحدث الأشهر: «السيد محمد رشيد رضا -رحمه الله– له فضل كبير على العالم الإسلامى بصورة عامة، وعلى السلفيين منهم بصورة خاصة، ويعود ذلك إلى كونه من الدعاة النادرين الذين نشروا المنهج السلفى فى سائر أنحاء العالم بواسطة مجلته «المنار» وقد جاهد فى سبيل ذلك جهادا يشكر عليه، ويرجى أن يكون أجره مدخرا له عند الله» وقال الإمام محمد الغزالى إن جمال الدين، ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا هم قادة الفكر الواعى الذكى فى القرن الأخير وقال: «إن صاحب «المنار» استوعب مذاهب المفسرين، من تفسير بالأثر إلى تفسير فقهى، إلى تفسير بلاغى» كما أنه وهو المصلح الإسلامى الكبير الذى عاش حياته يجاهد من أجل إحياء الخلافة الإسلامية تراه يدافع عن الشيوعية والثورة البلشفية، ويرد عنها الشبهات التى ألصقها البعض بها حيث يذكر مستنكرا فى جريدة المنار ما قيل عن أن البلشفية ودعاوى تحريمها وتشبيهها بالديانات الوثنية قائلا «إنها عين الاشتراكية، المقصود منها إزالة سلطان أرباب الأموال، الطامعين وأعوانهم من الحكام الناصرين لهم، الذين وضعوا قوانينهم المادية قواعد هضم حقوق العمال فى بلادهم، واستعمار بلاد المستضعفين من غيرهم، وإن معناها الحرفى الأكثرية، فالمراد منها أن يكون الحكم الحقيقى فى كل شعب للأكثرية» وعلى هذا فهو الإمام المصلح تلميذ محمد عبده والأفغانى وصديق الزعيم الوطنى سعد زغلول وإمام الإخوان المسلمين وأستاذ السلفيين ومناصر الشيوعية والرائد الذى استفاد منه الألبانى!

فوق كل هذا فالإمام رشيد رضا شاعر مجيد، خطفه عالم الفقه فخسر الوسط الأدبى شاعرا واكتسب الوسط الفقهى فقيها، ولعل هذا ما يفسر لنا الكثير من مفاتيح شخصية الإمام، ويفسر لنا حماسته وجرأته ودأبه وروحه الوثابة الحالمة بعالم عادل ومسالم يرى فى كل شىء أجمله ويناضل بشرف من أجل الحفاظ على هويته العربية الإسلامية دون أن ينسى أن الإسلام دين إصلاح وسماحة ومحبة وتطور، فقد كان كثيرا ما يطالب أصحابه وتلامذته التيسير على المسلمين وقال تعليقا على حديث رسول الله «ما خير الرسول بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما» «لو سلك المسلمون اليوم هذا المسلك، لأمكنهم جعل التشريع الإسلامى فوق كل تشريع، وكان عليه مدار الأحكام فى جميع البلاد الإسلامية وكان لهم مندوحة عن التأويل والأخذ بالأقوال الشاذة» وكان يضرب المثل بالصحابة وموقفهم من كلام النبى فقد كان بعضهم يأخذ تعاليمه نصا دون استبصار بينما الآخرون يستبصرون فيه، ومثال هذا حديث بنى قريظة، فقد قال رسول الله لأصحابه فى غزوة الأحزاب «لا يصلِّينَّ أحدكم العصر إلا فى بنى قريظة» ومقصده الذى يتمثل فى الحث على الإسراع وترك. التثاقل والتباطؤ فى السير، بينما فهم بعض الصحابة أن المراد عدم التأخر عن الوصول إلى بنى قريظة فى ذلك الوقت، فصلوا فى الطريق ولم يتأخروا وبعضهم فهم أن الرسول ينهى عن صلاة العصر إلا هناك فأجلوا الصلاة حتى وصلوا!

ويشرح لنا المثال السابق منهج الإمام رشيد رضا فى الفقه، فهو كان كثيرا ما يأخذ بالمقاصد العامة من الحديث والسنة، معتمدا على فقه المقاصد الذى نظر له الإمام الشاطبى بعد تعديله ليناسب العصر وإضافة ما يضمن له التطور والبقاء مستدركا على الإمام الشاطبى عدم أخذه بالعقل، فقد عمل «رضا» بنصيحة الإمام محمد عبده بأهمية كتاب «الموافقات» وضرورة نشره والاستفادة منه فقال رشيد رضا: «لولا أن هذا الكتاب ألّف فى عصر ضعف العلم والدين فى المسلمين، لكان مبدأ نهضة جديدة لإحياء السنة، وإصلاح شؤون الأخلاق والاجتماع، ولكان «الشاطبى» بكتابيه «الاعتصام والموافقات» من أعظم المجددين فى الإسلام، فمثله كمثل الحكيم الاجتماعى عبدالرحمن بن خلدون.

ويبن رشيد رضا المقاصد العامة بقوله: «هى تحرى العدل المطلق العام، والمساواة فى الحقوق والشهادات والأحكام وتقرير المصالح ودرء المفاسد، ومراعاة العرف بشرطه، ودرء الحدود بالشبهات، وكون الضرورات تبيح المحظورات»، وفى ذلك كان يقول: «من نظر بعين البصيرة إلى مقاصد الشريعة، علم أن الدين إنما ينتشر بالدعوة والتبليغ، لا بالإكراه والإلزام» وقال: «من مقاصد الشرع إخراج الأمة من الأمية وتعليمها الكتاب والحكمة، كما هو منصوص فى كتاب الله تعالى» كما قال «للدين ثلاثة مقاصد»: تصحيح العقائد التى بها كمال العقل، وتهذيب الأخلاق التى بها كمال النفس، وحسن الأعمال التى تناط بها المصالح والمنافع، وللتدليل على أهمية نظرية مقاصد الشريعة فى الحياة المعاصر يقول إنه «لا يوجد فى الشريعة شىء متفق عليه بين أئمتها، يعارض حضارة العصر فيما هو من المنافع والمقاصد الجوهرية إلا الربا الصريح» بما يعنى أنه ما دون الربا مرفوع عنا الحرج فيه، منبها على ضرورة تجميع مقاصد الشريعة من القرآن وعمل سفر كبير يجمع مقاصد القرآن كلها، مع بيان حاجة البشر إليها فى أمور معاشهم ومعادهم» مؤكدا أن من أسلوب القرآن مزج مقاصده بعضها ببعض، من عقائد وحكم ومواعظ وأحكام تعبدية ومدنية وغيرها.
لكن «رضا» الذى يؤخذ عليه التشدد أكثر من أساتذته قال إن هناك العديد من الشروط التى يجب توافرها فى من يتخذون من علم المقاصد منهجا للاجتهاد أهمها فهم الكتاب والسنة، ومعرفة مقاصد الشرع، والوقوف على أحوال الناس وعاداتهم، لأن أحكام الشريعة لاسيما المعاملات منها دائرة على مصالح الناس فى معاشهم ومعادهم أى على قاعدة درء المفاسد وجلب المنافع «وعلى العاقل الرشيد أن يطلب فقه القول دون الظواهر الحرفية، فمن اعتاد الأخذ بما يطفو من هذه الظواهر دون ما رسب فى أعماق الكلام، وما تغلغل فى أنحائه وأحنائه، يبقى جاهلا غبيا طول عمره».

واعتبر رضا أن من مقاصد الدين إزالة الخلاف من بين الناس ولا سيما الخلافات المذهبية، وفى كثير من الأحيان يدعو رشيد رضا إلى الفهم الدقيق للوصول إلى استنباط الأحكام. قال: «إن الأئمة -رضى الله عنهم- لم يستنبطوا الأحكام ليصرفوا الناس إليهم عن كتاب ربهم وسنة نبيهم، وإنما استنبطوها ليعلموهم كيف يفهمون وكيف يستنبطون، فمن مقاصد الحديث الرفق والتخفيف والتيسير فى الأمور كلها»، قال رشيد رضا: «إن الغلظة فى الأمر، والنهى تزيد المقلد جمودا على التقليد، فلا يصغى سمعه إلى قول فاضل،. ولا قول مفتى».

إن الاجتهاد من ضروريات الحياة، وهو المنوط به تجديد الدين ليلائم كل زمان ومكان، وعلى هذا يقول إن الإمام الغزالى استدرك بعض الأمور على إمامه الشافعى، وبناء على هذا خالف الإمام رشيد رضا موقف الإمام ابن تمية من حديث رسول الله «من آذى ذميا فقد آذانى» فقد كان «ابن تيمية» يقول إن هذا الحديث كذب على رسول الله فلم يروه أحد من أهل العلم، فيقول إنه استغرب هذا كثيرا لأن الحديث مروى بلفظ قريب من هذا اللفظ، وهو ما أخرجه الخطيب البغدادى من حديث ابن مسعود مرفوعا إلى النبى من آذى ذميا فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمُته يوم القيامة، وقد أورده السيوطى فى الجامع الصغير وأشار إلى حسنه، ولولا ميل شيخ الإسلام إلى التشديد على المخالفين فى أصل الدين أو فى المذاهب المخالفة لِما كان عليه السلف الصالح لما اقتصر على إنكار الحديث باللفظ الذى ذكر وسكت عن اللفظ الآخر المروى بمعناه، على أنه يجوز أن يكون قد نسيه عندما كتب هذه المسألة وهو أقرب من عدم اطلاعه عليه.

وقد حبب الإمام رشيد رضا فى فكرة إعمال العقل مع الأحاديث والآيات المختلفة وعمل على تأويل الأحكام ليصل إلى مقاصد الشارع كما بينا، وفى مخالفته للإمام ابن تيمية وهو بمثابة أستاذ له تبيانا لمنهجه الذى لا يقدس الأشخاص بقدر ما يقدس العلم والعقل، فقد كان رحمه الله يمقت التقليد ويدعو إلى احترام العقل مثلما احترمه خالقه الذى ذكر العقل باسمه وأفعاله فى القرآن الحكيم فيبلغ زهاء خمسين مرة. وذكر كلمة الألباب أى العقول بضع عشرة مرة، وأما كلمة أولى النهى أى العقول فقد جاءت مرة واحدة من آخر سورة طه، مؤكدا أن التقاليد الدينية حجرت على حرية التفكير واستقلال العقل على البشر حتى جاء الإسلام فأبطل بكتابه هذا الحجر، وأعتقهم من الرق وكان رشيد رضا دائما يؤكد أن الإسلام دين العلم والحكمة، ويثبت ذلك بالبراهين من الكتاب والسنة، وقد دعا إلى الاجتهاد ودافع عنه قائلا: «ما معنى باب الاجتهاد مسدود؟ وبأى نص سد باب الاجتهاد؟ وأى إمام قال: لا ينبغى لأحد من المسلمين بعدى أن يجتهد ليتفقه فى الدين؟ أو أن يهتدى بهدى القرآن؟ مؤكدا أن علوم الشريعة والقرآن ومستجدات العصر فى زمنه أوجبت الاحتياج إلى الاجتهاد قائلا إن الأئمة العظام وإن كانوا قد اجتهدوا بما يسر الله له فإن ما حواه القرآن من العلوم والحديث الصحيح من السنن والتوضيح إلا كقطرة من بحر أو ثانية من دهر».

وعى رشيد رضا كلمات الإمام محمد عبده التى يقول فيها «إن الشريعة الإسلامية عادلة، وإن من أصولها الثابتة دفع المفاسد وحفظ المصالح العامة فى كل زمن» فعمل بكل جهده من أجل استبيان هذا العدل الكامن فى الشريعة، مؤكدا أنه تعلم من التاريخ «أن الأمم التى تكون محرومة من الحرية لا يكون لها اجتماع حقيقى ولا سعادة صحيحة» وأن الإسلام يتميز بأنه يقوم على مخاطبة العقل، بخلاف الأديان الأخرى، حيث يرى أن «اليهودية شريعة مبنية على الشدة، والمسيحية يهودية من جهة، وروحانية من جهة، أما الشريعة الإسلامية فهى قائمة على أساس العقل والاستقلال المحققة لمعنى الإنسانية بالجمع بين مصالح الروح والجسد وإن الإسلام هاد ومرشد إلى توسيع دائرة الفكر واستعمال العقل، ومن هنا كان إلحاح الشيخ على العودة إلى القرآن واستبصار آياته بلا جمود لتأسيس النهضة المشتهاة.

وانطلاقا من عمله بمبدأ إعمال العقل رأى الشيخ أن المدنية الغربية من الإسلام لأن الإسلام دين العقل والمدنية تقوم على العقل، وإن كان الغرب قد سبقونا فى التطبيق إليها فهذا لا يعنى أنها خارجة عنا، لذلك فهو يستعيض مثلا عن فكرة «أهل الحل والعقد» بمجالس النواب أو البرلمانات، ويرى أن برلمان تركيا الذى أنشأه كمال أتاتورك قبل إلغاء الخلافة يقترب من فكرة أهل الحل والعقد فى الإسلام، قائلا: قد صار أهل الجمعية الوطنية فى أنقرة أصحاب الحل والعقد بالفعل، مستبعدا فقهاء الإسلام فى مصر من الانضمام إلى هذه الجماعة بسبب «انكماشهم فى زوايا المساجد وابتعادهم عن مجابهة مشاكل العصر».

وائل السمرى يكتب: الإمام محمد عبده..مجدد الإسلام وسراج المسلمين..قال: إذا تعارض العقل وظاهر الشرع أخذنا بما دل عليه العقل متفقا مع آراء الإمام الغزالى وأفتى بتحليل الرسم وحارب جهل الناس بالسنة النبوية
الثلاثاء، 7 أغسطس 2012 - 10:16

الإمام محمد عبده
بقلم وائل السمرى

الأمة العاقلة لا تظلم، تلك هى القاعدة والمبدأ، والسبيل والغاية، والمشكلة والحل.. جملة أطقلها الإمام محمد عبده بعد أن أيقن من أن الإصلاح يبدأ أولاً من إصلاح الأمم، فعمل بكل ما أوتى من قوة على الإصلاح، مردداً قوله تعالى: «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب» فأناب إلى الله معتمداً على نوره المنثور فى الأكوان والأرواح، محتسباً أجره عند ربه، صانعاً اتجاهاً فكرياً محافظاً ومتجددا، أنار لنا قرنا من الزمان بنور المعرفة الحقة والاستبصار السليم، غير عابئ بأنصار الظلام ومروجى ثقافة الخنوع والاستسلام.

هو الإمام محمد عبده (1849/ 1905) المولود فى محافظة البحيرة بقرية محلة نصر بمركز شبراخيت، هو ذلك المناضل الذى عاش حياته يدافع عن القيم الإسلامية النبيلة منتصراً للشعوب العربية والإسلامية، مدافعاً عن ثوراتها، وقائداً لنهضتها، ومحارباً من أجل إعلاء كلمة دينها وارتفاع قامتها فى دنياها، حيث رافق الإمام جمال الدين الأفغانى فى دعوته إلى توحيد كلمة المسلمين وجاهد معه فى السراء والضراء وحينما أتت الثورة العرابية انضم إليها مدافعاً عنها مكتويا بنارها، وصار من قادتها، ليذوق بعد انتهاء الثورة مرارة النفى وقسوة السجن بعدما تجرع آلام الهزيمة، وأثناء منفاه يدعوه أستاذه جمال الدين الأفغانى إلى السفر إلى باريس ليؤسسا جريدة «العروة الوثقى» التى تبنت منهجاً إصلاحياً ثورياً إسلاميا يدافع عن العقيدة والشريعة ويرد اتهامات المستشرقين، ويحث المسلمين على الجهاد والتوحد والنهوض، وبعد تضييق كبير ووساطة بعض أصدقائه فى القاهرة يعود الإمام إلى وطنه بشرط اشترطه الخديو توفيق عليه وهو ألا يعمل فى السياسة، فقبل الإمام الشرط راضيا غير مستسلم، فقد عزم على استكمال الجهاد بثورة فى الفقه والفكر والتعليم والإصلاح لأنه أيقن من حقيقة أن «الأمة العاقلة لا تظلم».

استمر الإمام فى نهجه الإصلاحى حتى تدرج فى المناصب ووصل إلى منصب مفتى الجمهورية وقد كان أول شاغل لهذا المنصب الرفيع، بعد أن كان قديماً ملحقاً بمشيخة الأزهر، ولأن الإمام كان يعرف أنه إمام أمة فقد تبنى منهجاً إصلاحياً جدد به شباب الإسلام ظهر فى كتبه وفتاواه، فجذب حوله التلامذة من مختلف التخصصات، فأصبح منهم السياسى ومنهم رجل الدين ومنهم الأديب، فتحلق حوله كل من الشيخ محمد مصطفى المراغى والشيخ مصطفى عبدالرازق والشيخ محمد رشيد رضا والشاعر حافظ إبراهيم، والشيخ المجاهد الفلسطينى الشهيد عز الدين القسام وشيخ العروبة محمد محيى الدين عبدالحميد والزعيم الكبير سعد زغلول والمصلح الاجتماعى قاسم أمين والأديب طه حسين وغيرهم كثيرون.
نظر الإمام إلى الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية، فأيقن من أن الركود والجمود الضاربين فى جسد الأمة العربية بسبب ابتعاد الناس عن روح الإسلام التى أنارت العالم وأضافت إليه وجددته وطورت معارفه، ولما تأمل الإمام الفرق بين زمنه وزمن الحضارة الإسلامية وجده يكمن فى أن الزمن الحضارة كان يحتضن عشرات الأئمة المجددين، أما زمنه فيس به إلا المقلدون التابعون المزيفون الذين اختصروا الدين فى بعض الشكليات التى لا تنفع وتفيد، ولذلك كان من أوائل الداعين إلى فتح باب الاجتهاد، والذى كان إغلاقه سبباً من أسباب أزمة المجتمع الإسلامى وجمود الفكر، وانصراف الكثير عن الأخذ بأحكام الشريعة، كما دعا إلى قراءة النصوص الدينية فى ضوء المتغيرات الحديثة، واضعاً مصالح الأمة فوق كل اعتبار دون الخروج عن ثوابتها القطعية، متبنياً نظرية مقاصد الشريعة التى تبلورت على يد الإمام الغزالى والعز بن عبدالسلام والإمام الشاطبى، وفى ذلك يقول الإمام محمد عبده: إن الدين أنزل لمصلحة الناس وغيرهم، وأن من أصوله منع الضرر والضرار، كما دعا إلى الاستفادة من الفقه الإسلامى كله وعدم الاقتصار على مذهب واحد، فدرس مذهب الإمام مالك والإمام أبى حنيفة وحينما تولى الإفتاء كان يستفيد من منجزات المذاهب الأربعة بالإضافة إلى المذهب الجعفرى، معتمداً على عقله الذى يعرف المصالح من المفاسد من دون أن يجور على شريعة الله ولا منهجه الذى أضاء العلم وهو فى ذلك يقول: «إن الإسلام يقاضينا إلى العقل، ومن قاضاك إلى حاكم فقد أذعن لسلطته، فكيف يمكنه بعد ذلك أن يجور أو يثور عليه؟»، ومعنى هذا أن الإسلام خاطب العقل فى الإنسان وأن سبب دخول الناس إليه هو الاقتناع العقلى وسبب التزام الناس بتعاليمه هو اقتناعهم العقلى فكيف بالإسلام وهو الذى ارتضى أن يكون العقل حاكما أن يلغيه أو يهمشه؟ وهو أيضاً صاحب المقولة الشهيرة: «إذا تعارض العقل وظاهر الشرع أخذنا بما دل عليه العقل»، متفقاً فى ذلك مع الإمام الغزالى الذى قال: «إن لنا معياراً فى التأويل، وهو أن ما دل نظر العقل ودليله على بطلان ظاهره، علمنا ضرورة أن المراد غير ذلك»، بما يعنى أنه إذا وجدنا نصاً من نصوص الشرع، لا يتفق معناه الظاهر مع حكم العقل، علمنا أنه لا بد من أن يكون لذلك النص معنى غير معناه الظاهر، ووجب علينا أن نحاول تأويله تأويلا يخرج منه المعنى المقبول عقلاً.
من هنا بدأ الإمام فى إبعاد الشبهات حول الإسلام، وكان السائد وقتها فى أوروبا أن الإسلام لا يعلى من شأن العقل وأن الأمة الإسلامية تعتقد أنها مجبرة على أفعالها، وأن علينا أن نستسلم لما يمليه علينا المحتل لأن الله كتب ذلك، فكانت انتفاضة الإمام الكبيرة من أجل الدفاع عن دين الإسلام واستقلال بلاد الإسلام، مؤكداً أن الحرية مبدأ إسلامى واضح، وهو الأمر الذى «اهتدى إليه سلف الأمّة فقاموا من الأعمال بما عجبت له الأمم»، وأن الحرية لا تتجزأ.. حارب الإمام حرباً ضروساً من أجل إنصاف المرأة المسلمة التى ظلمتها عصور التخلف وأرجعتها متاعاً يستهلكه الرجل بعد أن أنصفها الإسلام وساوى بينها والرجل واعتمد عليها فى ازدهار حضارته وتقوية مجتمعه.

فيقول الإمام إن الإسلام: أبعد من أن يكون حجر عثرة فى سبيل تطور المرأة، وإنه على العكس من ذلك يميل إلى رد حقوقها»، مؤكداً أن أن المسلمين لم يأخذوا بما جاء به القرآن من أحكام فى شأن المرأة بل أهملوه، وارتدوا فى كثير منها إلى ما كانت عليه المرأة فى «جهالة الجاهلية».

مستشهداً بالقرآن والسنة والتاريخ صرخ الإمام مطالباً بحرية المرأة، قائلاً إن الله خلق الذكر والأنثى «مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ» فكيف يفرق بينهما؟ موضحاً أن «كلاًّ منهما بشر تام، له عقل يتفكر فى مصالحه، وقلب يحب ما يلائمه ويسرُّ به، ويكره ما لا يلائمه، وينفر منه»، ومؤكداً أن احتكار المرأة الذى تتسرب إلى بعض الدعاوى المنتسبة إلى الإسلام ناتج عن الإسرائيليات التى كانت تحتقر المرأة وتعتبرها مخلوقا غير كامل، وفى ذات الوقت يؤكد الإمام أن للرجال على النساء درجة كما هو واضح فى القرآن الكريم، وهذه الدرجة راجعة لأمور «كسبية» أى مكتسبة من الحياة من حيث إن الرجل يسافر ويتاجر ويعرف ما لا تعرفه النساء، وهو الأمر الذى يتغير بتغير العصر، أما الأمر الثانى فهو راجع إلى الفطرة التى فطرنا الله عليها من حيث إن المرأة أضعف جسمانياً من الرجل، ولهذا كفل الله للرجل «القوامة» غير أنه يجتهد مع قول المفسرين بأن الرجل مفضل عن النساء لأن شهادة رجل بشهادة امرأتين، فقال الإمام إن هذا الحكم ينطبق على المعاملات المالية فقط، وذلك لأن المرأة لم تكن وقت نزول القرآن تخرج من بيتها ولا تتاجر ولذلك فإنها معرضة للسهو والنسيان، فهذا الحكم ليس لنقصان فى عقل المرأة أو أهليتها ولكن لعدم خبرتها بهذه الأمور، ومع ذلك فقد اكتفى الإسلام بشهادة امرأة واحدة فى أمور الرضاعة والولادة وعدده المحرم وهذا يدل على أن الخبرة هى الفيصل وليس نقصان الأهلية فى جنس النساء عن جنس الرجال، أما فى الميراث فيستشهد الإمام بقول الله تعالى: «للرِّجَالِ نَصِيبٌ ممَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْربَوُنَ وَاِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْواَِلدَانِ وَالأَقْربُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرََ نَصِيباً مَفْرُوضاً» وهى الآية الى فسرها بأن فيها تقريرا لحق المرأة فى الميراث وأنه ليس للرجل وحده، كما أنصف الإمام المرأة وطالب بتعليمها قائلاً: كيف تسعد فى الدنيا أو الآخرة أمة نصفها كالبهائم لا يؤدى ما يجب عليه لربه ولا لنفسه ولا لأهله ولا للناس، والنصف الآخر قريب من ذلك، مؤكداً أن الإسلام أمرنا بتعليم المرأة حينما أمرنا باتباع أهل العلم وحثه على التعليم واكتساب الخبرات والمشى فى الأرض متأملين حكمة الله فى خلقه، كما كان الإمام واضحاً فى مسألة تعدد الزوجات، مؤكداً أن الإسلام لم يقر تعدد الزوجات كهدف فى ذاته وإنما أقره كهدف اجتماعى وهو الحفاظ على أموال اليتيمات كما اشترط الإسلام فيمن يتزوج بأكثر من واحدة أن يكون عادلاً وفى ذلك طالب بتقييد تعدد الزوجات وضبطه وناشد العلماء إعادة النظر فى هذه المسألة وتحريم تعدد الزوجات إلا فى حالة الضرورة.

سياسياً لم يغب الإمام محمد عبده عن المشهد تماماً فقد كان أول نصير للنظام الديمقراطى البرلمانى ونادى قبل الثورة العرابية بتغيير النظام السياسى وإنشاء جمهورية صغيرة وهو الذى حرر بنفسه برنامج الحزب الوطنى، كما أنه تحدث بوضوح شديد عن مدنية السلطة السياسية فى الإسلام، ويظلمه من يدعى أن الإمام كان يرسخ للاستبداد حينما نادى بحكم المستبد المستنير أو المستبد العادل، لأنه حارب فكر محمد على بكل ما أوتى من قوة وكان يهاجم فترة حكمه كثيراً، مؤكداً أن كان مستبداً ولم يكن عادلاً، وإنما دعوته التى قال فيها إن الشرق لن ينصلح إلا بمستبد عادل إنما هى شىء أشبه بما نسميه بالشرعية الثورية الآن، ذلك لأن الناس بعد فترات الخمول والركود غالباً ما تستسلم لثقافة الخنوع والاستسلام، وإن ترك لها الخيار لاختارت ما تعودت عليه، ولذلك كان يرى أن الحل فى أن يتولى الحكم مستبد عادل يقيم الشرائع ويحقق المساواة ويرجع الحقوق لأصحابها ويعمق الثقافة البرلمانية والديمقراطية ومن ثم يتحول المستبد العادل إلى عادل فقط، وفى ذلك كله يؤكد الإمام أن «الخليفة عند المسلمين ليس بالمعصوم ولا مهبط الوحى، ولا يخصه الدين بمزية فى فهم الكتاب والعلم بالأحكام، بل هو وسائر طلاب العلم سواء، وهو مطاع ما دام على الحجة ونهج الكتاب والسنة والمسلمون له بالمرصاد إذا انحرف عن النهج أقاموه عليه، وإذا اعوج قوموه بالنصيحة»، بل إنه يؤكد حق الأمة فى عزل حاكمها متى أيقنت من فساده وجوره قائلاً: «الأمة صاحبة السيطرة على الحاكم وهى التى تخلعه متى رأت ذلك من مصلحتها فهو حاكم مدنى من جميع الوجوه وليس فى الإسلام سلطة دينية إلا سلطة الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير والتنفير عن الشر، وجزاء لهذه الرؤية العميقة فى الفهم السليم للإسلام سلط عليه الخديو شيوخه الذين كفروه وهاجموه وشوهوه.

أما عن دور الإمام فى مقاومة الاحتلال الأجنبى لمصر فيلخصه المستشار طارق البشرى فى القول إن جمال الدين الأفغانى وضع اللبنات الأولى فى فكرنا الإسلامى الحديث فى مسألة مقاومة الاستعمار، بينما محمد عبده وضع اللبنات الأولى فكرة «المقاومة للقابلية للاستعمار»، وهذا أمر ربما يكون طبيعيا، الأفغانى كان يجاهد قبل الاحتلال ومن ثم كان لابد من الوقوف بكل قوة أمام المعتدين، بينما الإمام وجد نفسه وبلده مستعمرا بالفعل فحارب تمكين الاستعمار لنفسه فى الأرض وحارب فكرة انسلاخ المسلمين من هويتهم الإسلامية، فدافع عن الإسلام ضد الشبهات التى كانت تحيط به، وأكد أنه دين العلم والمدنية، ولعل هذا ما يبرز بوضوح فى رسالته إلى الكاتب فرح أنطون التى رد فيها عليه بعدما قال إن الإسلام يعيق دولة العلم فقال فى مقالة هى نموذج للحوار الهادف ورد فيها نصا: الفاضل فرح أنطون كان ظالماً للإسلام سواءٌ لجهة قوله بالتناقَض بين الإسلام والعلم، أو لجهة قوله إنّ الإسلام مُعيقٌ للتطوير السياسى. ذلك أنّ العلومَ ازدهرت ازدهاراً عظيماً فى ظلّ الإسلام، وبتشجيعٍ منه، والأحداثُ القليلةُ المتعلقة بملاحقة بعض العلماء ومنهم ابنُ رشد، لا تدُلُّ على موقف إسلامىٍ دينىٍ من العلم، بل كانت لذلك دوافعُ سياسيةٌ فى الغالب. أمّا علاقةُ الدين بالدولة فقد كانت دائماً ذات طابعٍ انسجامى، فالدولةُ دولةُ الإسلام، وليس فى الإسلام كهنوت، ولا قولٌ بالدولة الدينية بخلاف ما كان عليه الأمر فى المسيحية.

«لقد تركت لكم الشيخ محمد عبده وكفى به لمصر عالما» تلك هى الكلمة التى قالها جمال الدين الأفغانى حينما سافر من مصر، وللحق كان محمد عبده نعم العالم، ونعم المجدد فقد ترك مجموعة فتاوى دينية كبيرة كان من شأنها أن تصالح بين الإسلام ومستجدات العصر، فحفظت الإسلام من الاصطدام بالعلوم الحديثة، فأباح إيداع الأموال فى صناديق التوفير وأخذ الفائدة عليها، وحلل ذبائح أهل الكتاب، وأجاز ارتداء ملابسهم، وانتهج نهجا يعتمد على العلوم الطبيعية الحديثة فى التفسير، وحارب جهل الناس بالسنة النبوية، مؤكداً أن أسباب هذا الجهل تنحصر فى الفهم المغلوط لمضامين الدين ومعايير الحياة والتقليد الذى تسبب فى انصراف الناس عن توظيف سنن الله لصالحهم والإفادة منها، وأن إحياء الدين يتطلب إحياء لتعاليمه الآمرة بالنظر فى التاريخ الذى يشرح ما عرفه الذين ساروا فى الأرض ورأوا آثار الذين خلوا، ثم دراسة التاريخ وأحوال البشر، والاعتبار بالقصص القرآنى، والنظر فى الكائنات وأحوالها والتعمق فى دراستها، مؤكداً أن «من وسائل الوصول إلى معرفة السنن البحث فى علوم الكائنات وجعل ذلك أصلاً من الأصول التى دارت عليها سورة الأنعام وهو الترغيب فى علوم الكائنات والإرشاد إلى البحث فيها لمعرفة سنن الله وحكمته وآياته الكثيرة فيها الدالة على علمه وحكمته ومشيئته وقدرته وفضله ورحمته».

دعوة محمد عبده للتأمل هنا تجعلنا ننظر إلى موقفه من الصوفية، فقد كان الإمام متصوفا وهو صغير وعلم دقائق هذا الاتجاه، ولذلك فقد رحب بالتصوف الحق الذى لا يرسخ الخزعبلات والطقوس الغربية وارتكاب المحرمات مثلما يحدث فى الموالد، قائلاً إن التصوف هو تهذيب أخلاق العامة وتقويم عاداتهم وترويض نفسوهم بأعمال الدين وجذبها إليه وجعله وجدانا لها»، وهو فى ذلك يفرق بين المقصد الأول للتصوف وما لحق به من شبهات أساءت إليه، فقد كان الإمام يدعم كل ما يهذب الروح وينمى الفكر ويأجج الوجدان بنور الله الممتد فى الأكوان، وهذا هو السبب الذى جعله يرغب الناس فى الفن التشكيلى مؤكدا عدم حرمته لأنه من وجه نظره «ضرب من الشعر الذى يرى ولا يسمع والشعر شرب من الرسم الذى يسمع ولا يرى»، قائلا إن الفائدة محققة من الرسم لا نزاع فيها وإن الإسلام حرمه لسببين، الأول إذا تبرك به الناس والثانى إذا كان الفن لهوا، وهذا ما لا يوجد فى الرسم الجاد الداعى إلى الجمال والتهذيب الروحى والنفسى، كما أن موقف الإمام من الرواية هو نفسه موقفه من الرسم، وليس أدل على ذلك من الخطاب الذى أرسله إلى الروائى الروسى الشهير تولوستولى حينما عاقبته الكنيسة بالحرمان حينما نشر كتابا يعلن فيه عدم اقتناعه بألوهية المسيح، فبعث إليه ببخطاب يستدل منه على أن الإمام كان قارئا متأملاً له، فقال فى هذا الخطاب مواسياً: فكما كنت بقولك هادياً للعقول كنت بعملك حاثا للعزائم والهمم ولما كانت آراؤك ضياء يهتدى به الضالون كان مثالك فى العمل إماما يقتدى به المسترشدون وكما كان وجودك توبيخا من الله للأغنياء كان مددا من عنايته للضعفاء والفقراء.

وائل السمرى يكتب: جمال الدين الأفغانى.. أعلم العلماء وأفقه المتقين.. آمن بالعقل وقدرته وبأن الحرية أساس إسلامى وحارب التعصب المذهبى والطائفى والدينى وأطلق على مروجى التعصب لقب «تجار الدين»
الإثنين، 6 أغسطس 2012 - 10:03

جمال الدين الأفغانى
بقلم وائل السمرى
هو مثل الشعلة التى أينما حلت أنارت ما حولها، يحلم بالعدالة المطلقة والسلام الحقيقى والعلم الخالص النافع، يرق قلبه للجائعين الضعفاء المساكين المرضى، لا يرى فى العالم شرا بقدر ما يراه فى ظلم الإنسان لبنى جنسه، مفكر من جبابرة الفكر الإنسانى، وفقيه وعالم وباحث صادق، عاش حياته ليتعلم ويعرف فأضاءت معرفته تاريخ الإنسانية، يقدس رابطة الدين بين المسلمين فى أقاصى البلاد وأدانيها، يحترم الأعراف والتقاليد والقوميات الخاصة، يؤمن بحرية الإنسان وقدرته على التحليق إلى آفاق الخيال، ولا يرى فرقا بين الخيال والواقع إلا بمقدار الإرادة الإنسانية وقدرتها على الصمود والتطور، إن ضعفت الإرادة بعد الفرق بين المتخيل والواقع، وإن قويت الإرادة اقترب الخيال من الواقع، هو أيضا المناضل الصامد الذى لا يلين أمام مدافع العدو سواء الحربية أو الفكرية، جندى شجاع لا يخاف من نار ولا يتهيب من الحوار، هو الرحالة الذى عرف الشعوب ووعى ثقافاتهم فصار جامعة دول متسامحة لا ترى فضلاً لعربى على أعجمى إلا بالتقوى، هو ذلك الأفغانى الذى أتى من بلاد سحر الشرق، فطاب له فى مصر المقام فأحبها وقدسها وعمل من أجل تطويرها وتنميتها فكرياً وروحياً وأدبياً ونهضوياً فصار أحد أكبر أعلامها وأهم رموزها وصائغ نهضتها وصانع خطتها التى شكلت هوية مصر الحديثة، فكتب له الله من التلاميذ المخلصين من خلد ذكره ونفع الخلق بفكره.

عنه يقول العلامة المحقق أحمد حسن الباقورى: «لا ريب أن الله تعالى مسخر لجمال الدين الأفغانى ولكل ذى مذهب صالح صادق من يكون لسان صدق فى الدفاع والإقناع فإذا جمال الدين ملء الأسماع ومشتهى الأبصار ثم إنه بعد أن ضمه القبر أعلى قدرا وأرفع ذكرا وأجل جلالا وأعظم هيبة مما كان بين تلاميذه ومريديه والإمام جمال الدين من أؤلئك الزعماء الفادرين بالفضل بين الناس تزيدهم الأيام فى موتهم وفى تقادمهم جدة وحاجة المجتمع إليه لا يشتد هتافها به ولا تمنيها له من حيث هو أعلم العلماء ولا أفقه المتقين وإن كان هو أعلم العلماء وأفقه المتقين ولكن لأنه كان رجلا منطلق الفكر بين طبيعة الحياة وحقيقة الدين وهو مع ذلك يحب أن يجمع بقدر ما يكره أن يفرق ويحب أن يتسامح بقدر ما يكره أن يتعصب وكلما حاولت أن أتخيل وجه رسول الله وجدت أول الطريق إلى هذا الخيال الجميل فى وجه السيد جمال الدين فى إشارة منه إلى نسبة الشريف.

عاصر جمال الدين الأفغانى (1839 – 1897م). وهو المولود بعاصمة افغانستان «كابول» تطور مصر وتقدمها الفكرى على يد الإمام حسن العطار وتلميذه رفاعه الطهطاوى، فرأى فيها ملكات وخصائص لم تكن متوفرة فى غيرها، وبعد أن كان ينوى أن يمر سريعا على القاهرة طاب له المقام فيها وتجسد حلمه بها فهدأت روحه التى كانت لا تطيق الركود ولا تصبر على القعود حالما بأن يجمع العالم الإسلامى على كلمة واحدة يكون فيها المسلم أخا المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، يشاركه حلمه وأمله وطعامه ورحمته، فيعم السلام الروحى على الجميع وتنعم بلاد الإسلام بثرواتها المتدفقة بدلاً من أن ينعم بها محتل غاصب أو حاكم غاشم أو جاهل مستبد مبدد.

يرتقى نسب الإمام جمال الدين الأفغانى إلى بيت النبوة الشريف، فهو حفيد الإمام على زين العابدين بن الحسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنه، ويبدو أنه قد ورث من آل بيت رسولنا الكريم شجاعة الرأى ونبل المقصد وقوة الحجة ومحبة العلم فجمع حوله كل نفس كريمة وكل عقل متوقد وكل قلب لاهث يهفو للاطمئنان ويبحث عن الحقيقة والأمن الروحى والوطنى والعالمى، حالمين بجمع روافد العالم الإسلامى فى مصب واحد لتتضاعف قوته، فى مواجهة الخطر الأوروبى ويصلح من نفسه سياسياً واجتماعياً ويستيقظ من سباته العميق.
رأى الأفغانى بعينه فى بلاد «أفغانستان» ما يفعله التشتت والتفرق بين الإخوة من اضمحلال وفساد وخراب على البلاد، ورأى فى الهند أن الاستعمار يعمل على تفتيت الأمم وإضعاف إيمانها متربصا بكل بلاد العالم، ورأى كيف أن العنصرية أكلت الغرب حتى ظن أنه أفضل من شعوب العالم فأطلق صرخته الإصلاحية المستنيرة ليستنهض المسلمين من غفوتهم، لتترك الأمة الضعف وتجنح إلى الاتحاد وتنبذ الجهل وتتمسك بقيمها الخلقية والروحية التى تدعو إليها الأديان، مؤكداً أن ضعف الدول الإسلامية ليس ناتجا عن عيب فى الدين نفسه وإنما لابتعاد المسلمين عن إتقان العلوم وتنقية الروح من الخمول ونزع الرتابة والتقليد عن أفكارنا الدينية التى تدعى أن الخير كل الخير فى النقل والشر كل الشر فى العقل، داعياً إلى تفجير الإمكانيات العقلية لدى الإنسان المسلم ليعود إلى سيرته الأولى وقت أن كان سيداً للعالم وصانعاً لحضارته وتقدمه.

ولئن كانت دعوة الأفغانى هذه قد لاقت رواجاً كبيراً بمصر ووجدت لها أتباعا ومريدين وتلامذة فهذا لأن من سبقوه من المصريين كانوا قد مهدوا المجتمع لمثل هذه الدعوات، وعلى رأسهم الإمام حسن العطار ورفاعه رافع الطهطاوى، ولذلك أصبحت مصر تربة خصبة لمثل هذه الأفكار التحريرية، ولم يكن الأفغانى يرى أى مانع دون وصول الأمة الإسلامية إلى ما تشتهى من تقدم وسمو إلا مكوث الحكام الظلمة على جسد هذه الأمة، فقد كان يرى أن حكام المسلمين وقتها غير جديرين بمناصبهم، ولا يهتمون إلا بإشباع شهواتهم الحسية، ولذلك أصبحوا فريسة سهلة لكل آكل.

ولعل روح الأفغانى الذى كان جنديا فى ميادين القتال ظلت على عهدها من شجاعة وتوثب وهو فى ميادين الفكر، وأهلته تلك الروح لخوض غمار المناطق الفكرية الوعرة والتصدى لما لا قبل لأحد به، وكذلك فإن معرفته الواسعة بالعلوم والرياضيات وشغفه بالمعرفة حصنه أمام الغزوات الفكرية المتتالية ومرس عقله ليصبح حجة من حجج الإسلام فى الدفاع عن الهوية الإسلامية المتحضرة الحديثة، ولعل شهرة الأفغانى وصيته الذائع هى التى جعلت مصر تستقبله أحسن استقبال حينما أتى إليها زائراً عام 1871 فأقام بها ثمانى سنوات قام فيها بإلقاء المحاضرات، وكون خلالها مجموعة تلاميذ، لعبوا دورا هاما فى مستقبل مصر السياسى. منهم الإمام محمد عبده وسعد زغلول، الذى أصبح فيما بعد بطل مصر الوطنى وزعيم ثورة 1919، ورئيس الوزراء. ومن تلاميذه أيضاً، محمود سامى البارودى، وعبدالسلام المويلحى، وإبراهيم المويلحى، وإبراهيم اللقانى، وعلى مظهر وسليم النقاش وأديب إسحق وأحمد لطفى السيد، فقد جمع الأفغانى كل المخلصين على اختلاف مشاربهم واختلافاتهم، فصاروا نواة لصحوة وطنية كبيرة بعد أن تسلحوا بمقومات هويتهم العربية الإسلامية المصرية، فقد كان الأفغانى يدرس لتلاميذه فى منزله مفهومه للإسلام الصحيح، وإلى جانب دراسة الإسلام كدين وفقه، كان يشرح لتلاميذه أصول الشريعة والتصوف والفلسفة الإسلامية، وهى العلوم التى كانت شبه مجهولة فى مصر آنذاك، وللحق فإن هؤلاء التلاميذ النجباء ما أن شعروا بعلمهم يفيض حتى أنشأوا الجرائد مثل جريدة «مصر» وجريدة التجارة «التجارة» اللتين كان الأفغانى يكتب لهما تشجيعاً لتلامذته فحققت رواجاً كبيراً وقتها، وأخذ أيضاً يدعم روح الثورة على الأوضاع الاستبدادية القائمة ومقاومة روح الخنوع أمام قوات الاحتلال والتى كان يرعاها الخديو توفيق فتم القبض على الأفغانى فى العام 1871م ونفيه إلى الهند بإيعاز من الإنجليز.

وفى الهند منع من الاختلاط بالناس وكان تحت الرقابة المباشرة من الإنجليز، عندما قامت الثورة العرابية، نقلته حكومة الهند إلى كلكتا حتى انتهت الثورة العرابية باحتلال انجلترا لمصر عام 1882م، كما لو كان الإنجليز يعلمون أنه سيكدر عليهم احتلالهم لمصر وسيدعم الثورة ضدهم، ولما استقام له الأمر فى مصر سمح له بالتنقل فى بلاد العالم عدا بلاد الشرق، فسافر إلى لندن عام 1883م. ومنها إلى باريس، ليلتحق به تلميذه محمد عبده من منفاه فى بيروت عام 1884م.

فى باريس أخذ المعلم الكبير جمال الدين يدعم روح اليقظة والتفاؤل عند تلميذه وصفيه محمد عبده الذى كان يعانى من موجات تشاؤمية متزايدة بفعل ما رآه من خذلان فى الثورة العرابية، لكن أستاذه وأباه الروحى خفف عليه مصيبته فى وطنه، واستنهض روحه مرة أخرى ليحررا جريدة «العروة الوثقى» التى تستلهم قول الله تعالى: ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور.

فى هذه الجريدة أخذ الثنائى «الأفغانى وعبده» يكشفان عن المخططات الاستعمارية المقيتة، ويبثان الأمل فى النفوس، متبنين منهج التمسك بالأصول والقيم النبيلة، والدفاع عن أهل الشرق وإعلامهم بما يدور من حوادث سياسية فى الغرب وكان يرسل جريدته سراً إلى البلاد العربية والإسلامية حتى يستنهضهم ويحثهم على الجهاد والدفاع عن أوطانهم وعقيدتهم، وهو الخطر الذى استشعره المحتلون وأعوانهم سريعاً فضيقوا عليها حتى اختفت.

ومن أوربا إلى إيران سافر الأفغانى ليعمل مستشاراً للشاه ناصر الدين، لكن الأفغانى الذى لم يتعود على مجالسة الملوك والسلاطين اختلف مع الشاه مما جعله ينقلب عليه سريعاً بعد عام واحد، فطرده شر طردة من إيران، وحملوه على الثلج إلى دار الحكومة ثم حملوه وهو مريض على دابة مسلسلاً. وساقوه إلى خانقين» ومنها سافر إلى البصرة يعانى ألم المرض الذى اشتد عليه من هذا الحادث، وكاد يودى به، وهو ما جعل الأفغانى ينقلب على الشاه هو الآخر فأخذ يكتب إلى علماء الدين ليهيجهم على الشاه، واصفاً إياه بأقبح الصفات ويبين ضرره على الأمة ويثير عاطفتهم الدينية ليثوروا عليه ومستغلا ما يظهر من أفعال سيئة من الشاه ليقبح وجهه عند العلماء والعامة، فساهم فى إخراج مجلة شهرية بعنوان «ضياء الخافقين» فضح فيها حكومة الشاه، وسوء إدارته للبلاد وتفشى الرشوة وتعذيب المواطنين.

واستجابة لدعوة السلطان عبدالحميد سافر الأفغانى إلى تركيا بشرط أن يصلح السلطان من سياسته فيها، ولما عرض السلطان عليه منصب شيخ الإسلام، رفض، إلا إذا عدّل النظام من أساسه أولا، إذ كان يرى أن عبدالحميد «ذكى واسع الاطلاع واسع الحيلة، لكنه جبان يفسد عليه جبنه ذكاءه ومعرفته» ولما وعى السلطان بخطورة الإمام الأفغانى عليه وعدم رضاه عنه إلا إذا أصلح البلاد وقام بسلطاته الروحية كخليفة للمسلمين على أكمل وجه فرض عليه الإقامة الجبرية فى القصر، ويقال إنه خاف منه حينما قتل الشاه ناصر الدين على يد أحد تلامذة الأفغانى فأوعز إلى طبيب الأسنان الملكى أن يدس له السم فى حشو أسنانه فمات العالم الجليل سنة 1897.

ومن يتأمل منهج الأفغانى فى بث الوحدة بين البلاد الإسلامية يجد أننا فى أمس الحاجة الآن إلى مثل هذا الرجل فقد قال عنه العلامة الكبير شيخ الأزهر الجليل مصطفى عبدالرازق أنه حوى الشرق كله ومازال تأثيره قائما حتى الآن فى مصر وإيران وتركيا» فالأفغانى الذى كان أول من نادى بالوحدة بين المسلمين وإنشاء جامعة للدول الإسلامية كان شديد الكراهية لروح التعصب والتفريق بين أبناء البلد الواحد، وكان كما قيل عنه أكثر حكماء المسلمين وأئمتهم توسعاً فى معنى المساواة وأكثرهم ميلا للعمل به، وقد كان الدين عنده محفزاً على إكساب البشر رسالة أنه أشرف المخلوقات وأنه ملك هذه الأرض، وكان يجزم بأن «لا يوجد فى الأديان الثلاثة «الإسلام والمسيحية واليهوية» ما يخالف المجموع البشرى بل على العكس تحضه على أن يعمل الخير المطلق مع أخيه وقريبه وتحظر عليه عمل الشر مع أى من كان، بل يفسر الأفغانى ما نراه من احتقان وصراع دينى بأنه من عمل تجار الدين فيقول: «وأما اختلاف أهل الأديان فليس هو من تعاليمها ولا أثر له فى كتبها وإنما من صنع بعض رؤساء أولئك الأديان الذين يتاجرون بالدين ويشترون بآياته ثمنا قليلا» بل يتوقع أن يحاربه أولئك الذين يتخذون دين الله «حانوتا» أو إن شئت قل «مشروعاً» كما يسمونه الآن قائلاً: «علمت أن أى رجل يجسر على مقاومة التفرقة ونبذ الاختلاف وإنارة أفكار الخلق بلزوم الائتلاف رجوعاً إلى أصول الدين الحقة فذلك الرجل يكون عندهم قاطع أرزاق المتاجرين فى الدين وهو فى عرفهم الكافر الجاحد المارق المخردق المهرتق المفرق إلخ إلخ.
وبرغم أن الأفغانى كان يرى أن «الرابطة الملية» هى أقوى الروابط بين المسلمين وأن الوحدة المنشودة لابد أن تكون وحدة إسلامية، لكنه مع ذلك قد آمن بالروابط القومية بشكل كبير، وارتفع برابطة اللغة والنسب والجنس بشكل كبير، فقد هاجم المستشرق أرنست رينان الأستاذ بجامعة السوربون الذى قال إننا نخطئ حينما نقول الحضارة العربية لأن صناعها ليسوا عرباً وأن العرب أبعد الناس عن الحرية الفكرية والفلسفة والإسلام لا يشجع عليها فقال له إن العرب وإن كانوا يعيشون فى الجاهلية قبل الإسلام فهم الذين بعثوا الحياة فى البلاد صاحبة الحضارة التى فتحوها بعد أن كانت حضارتهم فى طريقها إلى الذبول فتقدمت علومهم ونمت مواردهم، وإنه لولا الحرية التى أتاحها الإسلام للمسلمين لما رأينا حركة الترجمة تزدهر وتنمو ولما صارت حضارة العرب من أقوى وأجمل الحضارات، وهو الرد الذى أعيا المستشرق المغالط وأجبره على احترامه.

ومثلما تقلب الأفغانى بين الوحدة الإسلامية إلى الوحدة العربية تقلب أيضاً من الإيمان بالرأسمالية إلى الإيمان بالاشتراكية، مؤكداً فى نهاية حياته أن الاشتراكية هى الأقرب لتعاليم الإسلام لأنها تنتصر للفقراء وتحرص على المساواة، وبعد أن كان يقول إن الاشتراكية: «أفكار المصابين بالماليخوليا» وأنها «تمحو جميع المحاسن وضروب الزينة وفنون الجمال العملى» نجده فى آخر حياته يقول: «إن غاية السلطة هى العدل المطلق» بل نجده يقول إن الأغنياء سلاسل وأغلال فى أعناق المسلمين، وأن «الاشتراكية هى التى ستؤدى حقا مهضوما لأكثرية الشعب العامل» وهو التحول الذى يؤكد أن ذمه للاشتراكية لم يكن إلا اندفاعاً حماسياً نتيجة اختلافه مع الاشتراكية الأوروبية، وما عودته إليها إلى عودة الراجع إلى الحق العالم بأن الفقراء هم صلب الحياة ومرآة الشعوب، كذلك ليقينه أن الاشتراكية هى التى تتوافق مع تعاليم الإسلام الحنيف الذى يأمر بمراعاة الفقير والضعيف.
أما لو أردت أن تعرف السبيل الذى ارتضاه الأفغانى لنفسه والمرشد الذى سار عليه نهجه فإنى سأجيبك بلا تردد «هو العقل» ولتقرأ معى قوله التالى: «إن الإنسان من أكبر أسرار هذا الكون ولسوف يصل بالعلم وبإطلاق سراح العقل إلى تصديق تصوراته فيرى ما كان يراه مستحيلاً وقد سار ممكناً» أى أنه يجعل من العقل سبيلاً لتحقيق المعجزات متحدياً أولئك الذين أغلقوا باب الاجتهاد ورأوا أن من «حفظ المتون فقد حاز الفنون» وأن كل شىء خير فى النقل وكل شىء شر فى العقل».

وقف جمال الدين الأفغانى بحسب تعبير المفكر الإسلامى محمد عمارة «كالإعصار الكاسح والبحر الهادر يمجد العقل فى أفكاره ومناظراته ومناقشاته وفى تفسيراته وتطبيقاته فجعل الحكم للعقل والعلم، وينسب له أنه كان أول من دعا إلى التفريق بين آيات القرآن والحقائق العلمية قائلاً إن «القرآن يجب أن يجل عن مخالفته للعلم الحقيقى خصوصاً فى الكليات فإذا لم نر فى القرآن ما يوافق صريح العلم والكليات اكتفينا بما جاء فيه من الإشارة ورجعنا إلى التأويل، وبفضل إيمانه بالعقل واستماتته فى الدفاع عن الإسلام قارع المشككين فيه الحجة بالحجة والبرهان بالرهان، ولما ظهرت نظرية دارون للوجود وتشكك العالم الإسلامى بسببها فى معتقداته لم يجد المسلمون غير الأفغانى ليرد على دعاة هذه النظرية الذين نقلوا مفاهيمها بشكل خاطئ، وقال إن هذه النظرية متناقضة فى متنها فالكون كله «منظم» بإحكام وهى تدعى أن سبب خلق الكون «مصادفة» فكيف تنتج الفوضى نظاماً؟ وهو الرأى الذى أسهم فى طمأنة الناس وتهدئتهم، كما أسهم فى نقل مبادئ الدارونية الصحيحة التى لا تنكر خالق النسمة الطيبة أو الروح، فأدى ذلك إلى تسامح الأفغانى مع النظرية التى لا تصطدم بالدين، وآمن بفكرة الانتخاب الطبيعى التى هى أساس الحياة.

وكان طبيعياً أن يجد عالم جسور ومناضل كبير بهذا الشكل اعتراضات كبيرة وكثيرة على أفكاره وآرائه التى زلزلت المجتمع وأرقت مضاجع الطغاة، فصاروا يكفرونه ويحاربونه ويشككون فيه، فكفرته مشيخة الإسلام فى تركيا وكفره شيوخ الخديو توفيق مثل الشيخ عليش وقال إنه رئيس جمعية سرية من الشبان ذوى الطيش مجتمعة على فساد الدين والدنيا. لكن الأفغانى الذى كان يعرف أنه مجدد شباب الأمة الإسلامية لم يكن يكترث بهذا اللغو، ويبدو أنه كان يعرف أيضاً أنه سيكون مثار جدل كبير حتى بعد موته، فقد أملى على تلميذه محمد المخزومى كتابه الأخير «الخاطرات» محذراً تلميذه من بطش السلطان وموصياً إياه بإخفائه عن الأعين وقال له فى نهايته: «إذا سلمت من خطر الطاغية وطواغيته فستصادف من أهل الجمود عنتا وتخرصاً وقلبا للحقائق فلا تبال بهم فما خلا الكون منهم ليخلو زمنك منهم وما نجا منهم مخلص لتنجو أنت.

وائل السمرى يكتب: رفاعة الطهطاوى.. أبوالمصريين..نقل إلى مصر الدستور الفرنسى مقتديا بعمر بن الخطاب حينما نقل نظام الدواوين الفارسى إلى الإسلام وتبنى مشروعا لإحياء التراث الإسلامى
الأحد، 5 أغسطس 2012 - 09:05

رفاعة الطهطاوى
بقلم وائل السمرى



قال الوالى العثمانى للشيخ الشبرواى شيخ الأزهر: المسموع عندنا أن مصر منبع الفضائل والعلوم، وكنت فى غاية الشوق إلى المجىء إليها، فلما جئتها وجدت أن السماع عنها خير من رؤيتها، فيحاول الشيخ أن يغير وجهة نظره قائلا: هى ما سمعتها تماما وهى معدن العلوم والمعارف، لكن هذه الإجابة لم تقنع الوالى فقال له مستنكرا: لكن أين هى؟ وأنتم أعظم علمائها وقد سألتكم عن العلوم والمعارف فلم أجد عندكم غير بعض الفقه وبعض الوسائل ونبذتم المقاصد؟ فقال له الشيخ: نحن فى الأزهر لا نهتم بهذه العلوم ولا الرياضيات إلا بقدر ما يمكننا من الحكم فى المواريث؟ فأحرجه الوالى قائلاً: لكن العلوم والرياضيات لازمة للعلم الشرعى، وإلا فكيف ستحدد مطالع الشهور ومواقيت الصلاة واستقبال القبلة؟ ولما شعر الشيخ بالإحراج أراد أن يتهرب من السؤال فقال: نعم نعم.. إن معرفة ذلك من فروض الكفاية التى إذا قام بها البعض سقطت عن الآخرين، وهذه العلوم تحتاج إلى أدوات وصناعات وأهل الأزهر معظمهم فقراء فيندر فيهم القابلية لذلك، ولدينا من يكفينا فى هذا الشأن وهو الشيخ حسن الجبرتى، وهو عالم بهذه الأشياء ويكفينا عن الاحتياج، فطلب الوالى أن يرى هذا الشيخ «الوحيد» الذى يعرف العلوم والرياضيات، ولما قابله أعجب به وصاحبه، وبعد ذلك كان الشيخ الشبراوى كلما رأى «حسن الجبرتى» والد المؤرخ الشهير عبدالرحمن الجبرتى قال له: سترك الله كما سترتنا عند هذا الباشا فلولا وجودك لكنا جميعاً عنده حميراً.

هذا الحوار هو ما ينقله الكاتب الإسلامى الكبير محمد عمارة فى كتابه عن رفاعه الطهطاوى الذى جاء بعنوان «رفاعة الطهطاوى رائد التنوير فى العصر الحديث» ليدلل على ما وصل إليه حال البلاد قبل ميلاد العالم الأجمل فى تاريخ الشرق رفاعة رافع الطهطاوى، إذ يقر شيخ الأزهر وهو أعلم أهل مصر وقتها والجالس على رأس نخبة مثقفيها أنه لولا وجود شخص واحد لكان الجميع حميراً، بل لا يتورع عن القول إن الجبرتى الأب «سترنا» من الفضيحة وكأننا كنا بجهلنا عرايا، ولم نجد ما يسترنا إلا رجل واحد من أصول إرتيرية، ليكفينا مرار الفضيحة.

وفى الحقيقة فإنه قلما يجد الواحد مفكراً إسلامياً كبيراً ينصف باعث النهضة المصرى «رفاعة الطهطاوى» بقلبه وبحثه مثلما فعل الدكتور محمد عمارة وهو المفكر الإسلامى الكبير الذى لم يضع عصابة التخلف على عينيه ولم يردد ما يردده من يحجرون على الإسلام ويعتبرون تعلم اللغات الأجنبية مفسدة، فحقق المفكر الكبير أعمال الأب الروحى للثقافة المصرية وعكف سنين على دراسة ترجماته ومؤلفاته وإنجازاته، مؤكداً أن أمير الشعراء الشاعر الكبير أحمد شوقى حينما نعت الطهطاوى بأنه «لأبناء البلاد أبا» لم يكن يرسم صورة خيالية، وإنما كان يقرر أمراً واقعا، فرفاعة ابن صعيد مصر والمتحصن بحبها والمتصدر لنهضتها كان نعم الأب لحضارة أيقظت الشرق كله من ثباته العميق وضخت فيه روح الوطنية والعروبة والإسلام فسارت مصر فى مصاف الدول الأولى فى العالم متحدية كل المعوقات التى تقف أمامها فى وقت كان فيه جيراننا يعبدون الأشجار والأحجار.

كانت المهمة تنتظر من يقوم بها، وكان الحلم الذى حلمه الشيخ «حسن العطار» متهيئا للتحقيق، ولم يكن ينقص مصر سوى أن يعلن أحد أبنائها عن استعداده للقيام بهذه المهمة، وكان لها رفاعة الذى بحث واستقصى وعلم وخبر، وحفظ القرآن ودرس الأحاديث واللغة والفقه فى أزهرنا الشريف لتتحصن هويته من العاصفات، وليسافر إلى فرنسا التى كانت تبتعد عنا بتقدمها آلاف الأميال، فنهل رفاعة من علومها ووقف على أسباب تقدمها ومتعجلا أخذ ينقل منجزاتها الحضارية والأدبية تماما كما فعل جيش المترجمين فى الدولة العباسية التى نقلت علوم الحضارات الأخرى بدءا، فأصبحت فى سنوات معدودات أكبر إمبراطورية فى العالم، والمستنيرون من الإسلاميين الذين درسوا الدين وتعلموا العلم ووقفوا على أسباب تقدم الدولة الإسلامية الأولى يعرفون ذلك جيداً، فها هو الدكتور محمد عمارة يقول فى مقدمة كتابه عن رفاعة الطهطاوى إن «اليونان أخذوا عن المصريين القدماء، والعرب أخذوا عن اليونان والفرس والهنود وأوروبا بكل أجناسها وأقوامها أخذت عن العرب، إذن من المفيد بل من الضرورى أن ندخل نحن الميدان من جديد بعد أن تخدرنا بالخرافة قرونا ولابد أن نأخذ عن أوروبا ونصل هذا الزاد الحضارى بالمشرق من صفحات حضارتنا القديمة».

يشاء القدر أن يكون الفقير هو باعث النهضة فى ربوع مصر والعالم العربى والإسلامى، وهو الذى وصفه «عمارة» بأنه ناضل نضال أصحاب الرسالات من أجل أن تصل الثقافة والحداثة إلى مصر فتعمر مطابعها بفضل ما كتبه وترجمه هو وتلامذته وتتقدم جيوشها بفضل عمله بها ونقلها للعلوم العسكرية أثناء زيارته لباريس، وبرغم أن منجز «الطهطاوى» فى الجانب الفقهى والدينى يسير، لكن هذا لا يمنعه من أن يكون من أكبر فقهاء التنوير فى العالم الغربى، بل إن شئت قل أكبرهم، ذلك لأنه طلب العلم وهى الفريضة الإسلامية الكبرى ونقله فصار من أفاضلنا، وهو الذى جاهد بعلمه فحافظ على هويتنا وبلدنا، وهو الذى كون بضخه الدماء الجديدة فى أوصالنا شخصيتنا الحديثة التى وقفت أمام المحتلين بالمرصاد، وإن كان من الثابت أن الإيمان هو ما وقر فى القلب وصدقه العمل فقد آمن رفاعة بوطنه ودينه وهويته، وعمل بكل ما أوتى من قوة على تدعيمهم، فكان مؤمناً خالصاً يحفظ كتاب الله ويجتهد فيما لا يجد فيه نصا، ويبنى حضارة جديدة متبعا سنة الأولين الذى كانوا يعملون بحديث رسول الله «الحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها فهو أولى بها».

فى مدينة طهطا سنة 1801 بأقاصى صعيد مصر ولد هذا الرجل يعانى من الفقر بعد أن جرد محمد على آباءه مما كانوا يتحصلون عليه من حصيلة الأراضى الزراعية باعتباره أحد الأشراف من آل بيت النبوة، فقد كان نسب والده يتصل إلى رسول الله مارا بالإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر بن على زين العابدين بن الحسين بن على بن أبى طالب كرم الله وجهه، وكان لنشأة رفاعة فى هذه الأجواء وعمل أخواله بالقضاء الشرعى أكبر الأثر فى تكوينه الشخصى والأدبى والإسلامى، فقد حفظ صغيراً ما يدرسه طلاب الأزهر كما حفظ القرآن الكريم كاملاً وصار عالماً بالنحو والفقه، وهو ما أهله للالتحاق بالأزهر الشريف وهو ابن ستة عشر عاما، وهنا درس أحاديث البخارى ودرس جامع الجوامع فى الأصول ومشارق الأنوار.

كما درس الحديث والحكم لابن عطاء الله السكندرى، ودرس تفسير الجلالين، ودرس مغنى اللبيب، وشرح ابن عقيل وغيرها من معارف الفقه والحديث والعلوم الشرعية على يد أكبر علماء الأزهر وشيوخه، وكان للشيخ «حسن العطار» أعظم الأثر فى حياة رفاعة، حيث كانت تلمذته على يديه مستمرة منذ يومه الأول فى الأزهر، وحتى سفره مبعوثا لباريس، وكان يشركه معه فى قراءة معارفه التى كان يداوم الحديث عنها ويطالعها فى ما لا يتوفر عند غيره من علماء الأزهر، وهنا يجدر القول بأن بذور حلم النهضة التى حلم بها العطار قد ألقاها فى حقلين فأثمرا وطناً حديثاً متحضراً، أما الحقل الأول فهو محمد على باشا الذى أنشأ ما كان يحلم به العطار من مدارس للطب والهندسة والرياضيات، والحقل الثانى هو رفاعة رافع الطهطاوى الذى عنى بالحياة الأدبية، ونقل علوم الغرب إلى مصر، فكانت البداية الحقيقية لنهضتها من كابوس التخلف.

يتخرج الفقر من الأزهر، وهو بعد مازال فقيرا لا يجد ما يعينه على حلمه، فيعمل مدرسا بالأجرة فى بيوت المماليك يعلمهم اللغة والدين، وهو يعمل بالأساس مدرسا بالجامع الأزهر، ثم واعظا بالجيش مستمراً فى عمله هذا حتى العام 1826، حتى يرشحه شيخه الذى آمن بعبقريته وتفرده للسفر واعظا مع بعثة مصر إلى باريس لتعلم العلوم الغربية ونقلها إلى مصر، ومن الواضح أن رفاعة لم يكن منسجماً فى الحياة الفرنسية، وكان منكبا فقط على دراسة اللغة كتابة وقراءة دون إتقان للنطق، وهو ما ذكره تلميذه صالح مجدى عنه، بما يعنى أنه كان يعرف مهمته جيداً، فليس من مهامه أن ينغمس فى الحياة الباريسية، وليس من مهامه أن يتقن النطق بهذه اللغة، فمهمته الأولى أن ينقل علومهم، ويرد بضاعتنا إلينا.

ومنذ اليوم الأول بدأ رفاعة فى تعلم اللغة، برغم أنه لم يكن مبعوثا للتعليم، وإنما لإمامة المبعوثين، لكن روحه الوثابة انتهزت هذه الفرصة بكل ما أوتى من قوة، حتى أنه كان يوفر من مصروفه القليل ما يتعلم به الفرنسية بدروس إضافية ينفق عليها من ماله الخاص، حتى تم إيفاده مبعوثا رسميا بعد ذلك، ليبدأ فى الترجمة فور ما تمكن من اللغة، وما أن يفرغ من كتاب حتى يرسله إلى مصر متعجلا نهضتها، وغير صابر على انتهاء البعثة، حتى يبدأ فى تحقيق المنجز، فقد عرف هذا الشاب اليافع أنه منذور للنهضة، وأن على عاتقه مهمة ثقيلة، وهو جدير بها، فعكف على دراسة القوانين، وترجم كتاب «روح الشرائع» لمونتيسيكو، و«العقد الاجتماعى» لجان جاك روسو، ليعود رفاعة بعد خمس سنوات من العمل والكد وقد سبقته إنجازاته وذاع صيت ترجماته.

كانت أولى الوظائف التى تولاها رفاعة بعد عودته من باريس هى وظيفة مترجم بمدرسة الطب، وقد كان يشغل هذه الوظيفة قبله مترجمون من بلاد مختلفة، ثم عمل مترجما للعلوم الهندسية والعسكرية، وفى هذه الأثناء كان رفاعة يخطط لتحقيق حلمه بإقامة مدرسة الألسن، حتى افتتحها سنة 1839 وقال فى خطبة افتتاحها ما يخبرنا بما لا يترك للشك مساحة بغرضه النبيل وحسه الوطنى العالى، فقال: ولا يخفى أن أصل تصدينا لإنشاء هذه المدرسة هو تقليل التعرب عن الوطن، وحب إيصال النفع إلى الوطن الذى هو من الإيمان، واستمرت هذه المدرسة فى القيام بدورها التنويرى على أكمل وجه حتى عصر عباس الأول، بعد أن قام برسم سياساتها ووضع مناهجها التى كفلت لطلابها أن يكونوا على مستوى عال من الإتقان، ولم ينس وهو الأزهرى المسلم أن ينشئ بهذه المدرسة قسما للفقه لكى يتعلم من يترجمون دينهم وألا ينسوا هويتهم، كما أنشأ قسا للغة العربية لتكون معرفتها معينا على الترجمة الصحيحة، وتدعيما للهوية العربية الإسلامية، وأثناء إدارته لهذه المدرسة أنشأ أول صحيفة عربية مصرية باسم «أخبار الديار المصرية»، كما أشرف على جريدة «الوقائع المصرية» الناطقة بلسان حال الحكومة المصرية.

لم يستمر حلم النهضة بشكله الوردى لرفاعة على طول الخط، فما أن مات إبراهيم بن محمد على حتى تولى عباس الأمر، فأعاد رفاعة نشر كتابه «تخليص الأبريز» الذى يصف فيه الثورة الفرنسية، ويترجم أفكارها الداعية إلى التمرد على الطغاة، والثورة فى وجه الظلاميين، والذى ترجم فيه دستور فرنسا متعاطفا مع ثورة الفرنسيين، وهو على ما يبدو ما أثار استياء الخديو عباس، فأمر بنفيه إلى السودان، وانتقم من رفاعة فى شخص مدرسة الألسن التى جعلها جامعة، فألغى قسم الفقه، وفصل عددا كبيرا من طلابها، ثم نقل مقرها، ثم ألغاها كلية، ووزع طلابها المتبقين على المدرسة التجهيزية، ثم ألغى المدرسة التجهيزية أيضا، وهو ما يؤكد أنه كان ينتقم من رفاعة واستنارته عن طريق محو آثاره وتشتيت طلابه، لكن رفاعة لم يستسلم لأحزان المنفى، واستمر فى ترجمته للكتب والروايات، فترجم رواية مغامرة تلماك، وقدم للأدب العربى أول عمل فنى يستوحى الأساطير اليونانية، وعانى رفاعة كثيراً فى منفاه، لكنه صبر واحتسب حتى تولى سعيد باشا الحكم خلفا لعباس، ففك قيود المنفيين إلى السودان، وأرجع رفاعة إلى سابق عهده، ثم ولاه وكالة المدرسة الحربية، مع رئيسها سليمان باشا الفرنساوى، لكن رفاعة لم يهدأ وهو الحالم بالتعليم والترجمة، حتى نجح فى إنشاء مدرسة جديدة بالقلعة.

فى أى لحظة من اللحظات لم ينس هذا الأزهرى المعمم هويته الإسلامية، فبعد أن سد حاجة مصر من ترجمة العلوم والآداب التى هجرها سابقوه تبنى مشروعا لإحياء الفكر العربى الإسلامى على نفقه الخديو سعيد، فأمر بطبع جملة كتب قيمة من أعمدة كتب الفقه والتفاسير والأدب، واستمر هذا المكافح المجاهد فى عمله إلى ما يقرب من أربعين عاماً حتى أصدر من الكتب والتراجم ما يقرب من ألفى كتاب، فى حين أن تركيا وهى التى كانت عاصمة الخلافة لم تصدر فى قرن كامل سوى أربعين كتابا، ليبدد بهذا العلم الوافر وهذا الحراك الثقافى اللافت خرافات عاشت فى المجتمع المصرى وتوغلت، حتى أنه كان يستاء كثيراً من أن بعض العامة يعتقدون أن أسلافنا الذين بنوا الآثار الشاهقة كانوا أطول منا وأضخم، معللاً ذلك بالقول إنهم كانو يعانون من «قصور الأذهان عن مقدار ما يحتاج إليه ذلك من علم الهندسة»، وهو ما لم يعد له مكان بعد ثورة الطهطاوى التنويرية العلمية التى وصلت ما انقطع من حضارة الإسلام والمسلمين.

ولم تكن ثورة رفاعة مقصورة على العلم والتعليم فقط، وإنما تعدت ذلك لتتحول إلى ثورة اجتماعية كبيرة، فيعتبر رفاعة أول داعية لتعليم المرأة فى مصر، بل فى الشرق كله، وبذل رفاعة جهودا مضنية من أجل تعليم البنات، لتصبح البنت المصرية كسابقتها من فضليات المسلمات اللاتى كن يعلّمن الرجال والأئمة، ولا أدل على ذلك من أن الإمام الشافعى كان يتلقى العلم على يد السيدة نفسية، ويحضر جلساتها العامرة بالفقه والحديث، وفى الحقيقة لم يكن حرمان البنات من التعليم بوازع دينى، وإنما كان بدافع اجتماعى يحتقر المرأة التى كرمها الإسلام، واتهم من يدعون تحريم تعليم البنات بأن عقليته جاهلية، وذلك لأن بعض الصحابيات كن متعلمات كما هو ثابت فى الأثر، وفى الحقيقة فإن احترام رفاعة للمرأة تعدى فكرة تعليمها، فقد نبذ تعدد الزوجات ودعا إلى تقييده، وقيد نفسه بتعهد مكتوب إلى زوجته يقر لها فيه بعدم أحقيته الزواج من أخرى، أو اقتناء ملكة يمين، وإلا كانت «طالقا بالثلاثة».

وهكذا سار رفاعة مجدداً رافعاً قيم الإسلام السمحة، متبعاً ما يمكن أن نطلق عليه مصطلح «الفقه التطبيقى»، فنعم لم يترك رفاعة كتباً كثيرة فى الفقه، ولكن أخلاقه وأعماله كانت دستوراً فقهيا نابعا من إزهرى، وعى قيم دينه، وعمل على إعلائها، ولا نبالغ إذا قلنا إن الدور التنويرى الذى قام به رفاعة يكاد يوازى الدور التنويرى الذى وقع أثناء الخلافة العباسية التى احتفت بالترجمة، وخصصت لها أفرادا وجماعات ودعمتها، فكان لها أكبر الأثر فى أن تكون تلك الدولة من أعظم الدول الإسلامية تأثيراً ونفعاً وتحضراً، وفى ترجمة رفاعة للدساتير الفرنسية والعثمانية وضبط هذه القوانين والدساتير بالمصطلحات الإسلامية لتتوافق مع هويتنا وتتناسب مع أخلاقنا تشابه كبير مع ما قام به الصحابى الجليل عمر بن الخطاب، حينما نظم الدولة الإسلامية وفق ما عرفه من تنظيم الدواوين الفارسية، فقد كانت دماء العروبة والإسلام تجددت قديما بالفتوحات، وما إن انحصرت الفتوحات حتى نقصت هذه البلاد وانكمش الحلم بالتجديد والتطوير، فها هى الأندلس تنسلخ من الحواضر العربية الإسلامية، وها هى تركيا تتغرب عن لغة الإسلام، وها هى بلاد شرق آسيا تعود تدريجيا إلى لغاتها، وها هى الفتوحات العربية تختفى من الخرائط ويبدأ زمان الاحتلال، فما السبيل إذن لتجدد الحضارات، وضخ دماء جديدة فى أوصال الشعوب والبلدان؟.. وحده رفاعة أيقن أنه لابد لهذه الأمة من أن تجدد شبابها باستقدام معارف الأمم الأخرى بالترجمة والأسفار بعد أن حرمها التخلف والجمود والانكماش من أن تنتفع بما يتسرب إليها من حضارات الأمم الأخرى عن طريق تطعيم ديار الإسلام بعلوم الحضارات الأخرى، وقد رأينا كيف ازدهرت علوم الفقه والحديث واللغة على أيدى مسلمين أعاجم وأندلسيين ومغاربة ومصريين. وبهذا الدور الذى لعبه رفاعة ضمنت الحضارة الإسلامية أن تتجدد كل يوم بمعارف جديدة، ولمعرفة كم هو مؤثر ذلك الدور الذى لعبه رفاعة علينا أن نقارن بين وضع مصر والعرب قبل رفاعة وبعده، ثم ما علينا بعد ذلك إلا أن نتخيل ما هو الحال إذا ما هل علينا الاحتلال الإنجليزى بجموده وجبروته ونحن خاوون منسحقون لا هوية تجمعنا ولا فقه ولا علم، ألم يكن من الممكن أن تذوب هويتنا العربية الإسلامية فى هوية هذا المحتل، وأن تتغير لغتنا مثلما تغيرت لغة الشعوب الأخرى، وأن ننسحق أمامه ونصبح تابعين له كما انسحقت شعوب أفريقيا وبعض شعوب المغرب العربى أمام محتليها؟

وائل السمرى يكتب: رفاعة الطهطاوى.. أبوالمصريين..نقل إلى مصر الدستور الفرنسى مقتديا بعمر بن الخطاب حينما نقل نظام الدواوين الفارسى إلى الإسلام وتبنى مشروعا لإحياء التراث الإسلامى
الأحد، 5 أغسطس 2012 - 09:05

رفاعة الطهطاوى
بقلم وائل السمرى

قال الوالى العثمانى للشيخ الشبرواى شيخ الأزهر: المسموع عندنا أن مصر منبع الفضائل والعلوم، وكنت فى غاية الشوق إلى المجىء إليها، فلما جئتها وجدت أن السماع عنها خير من رؤيتها، فيحاول الشيخ أن يغير وجهة نظره قائلا: هى ما سمعتها تماما وهى معدن العلوم والمعارف، لكن هذه الإجابة لم تقنع الوالى فقال له مستنكرا: لكن أين هى؟ وأنتم أعظم علمائها وقد سألتكم عن العلوم والمعارف فلم أجد عندكم غير بعض الفقه وبعض الوسائل ونبذتم المقاصد؟ فقال له الشيخ: نحن فى الأزهر لا نهتم بهذه العلوم ولا الرياضيات إلا بقدر ما يمكننا من الحكم فى المواريث؟ فأحرجه الوالى قائلاً: لكن العلوم والرياضيات لازمة للعلم الشرعى، وإلا فكيف ستحدد مطالع الشهور ومواقيت الصلاة واستقبال القبلة؟ ولما شعر الشيخ بالإحراج أراد أن يتهرب من السؤال فقال: نعم نعم.. إن معرفة ذلك من فروض الكفاية التى إذا قام بها البعض سقطت عن الآخرين، وهذه العلوم تحتاج إلى أدوات وصناعات وأهل الأزهر معظمهم فقراء فيندر فيهم القابلية لذلك، ولدينا من يكفينا فى هذا الشأن وهو الشيخ حسن الجبرتى، وهو عالم بهذه الأشياء ويكفينا عن الاحتياج، فطلب الوالى أن يرى هذا الشيخ «الوحيد» الذى يعرف العلوم والرياضيات، ولما قابله أعجب به وصاحبه، وبعد ذلك كان الشيخ الشبراوى كلما رأى «حسن الجبرتى» والد المؤرخ الشهير عبدالرحمن الجبرتى قال له: سترك الله كما سترتنا عند هذا الباشا فلولا وجودك لكنا جميعاً عنده حميراً.

هذا الحوار هو ما ينقله الكاتب الإسلامى الكبير محمد عمارة فى كتابه عن رفاعه الطهطاوى الذى جاء بعنوان «رفاعة الطهطاوى رائد التنوير فى العصر الحديث» ليدلل على ما وصل إليه حال البلاد قبل ميلاد العالم الأجمل فى تاريخ الشرق رفاعة رافع الطهطاوى، إذ يقر شيخ الأزهر وهو أعلم أهل مصر وقتها والجالس على رأس نخبة مثقفيها أنه لولا وجود شخص واحد لكان الجميع حميراً، بل لا يتورع عن القول إن الجبرتى الأب «سترنا» من الفضيحة وكأننا كنا بجهلنا عرايا، ولم نجد ما يسترنا إلا رجل واحد من أصول إرتيرية، ليكفينا مرار الفضيحة.

وفى الحقيقة فإنه قلما يجد الواحد مفكراً إسلامياً كبيراً ينصف باعث النهضة المصرى «رفاعة الطهطاوى» بقلبه وبحثه مثلما فعل الدكتور محمد عمارة وهو المفكر الإسلامى الكبير الذى لم يضع عصابة التخلف على عينيه ولم يردد ما يردده من يحجرون على الإسلام ويعتبرون تعلم اللغات الأجنبية مفسدة، فحقق المفكر الكبير أعمال الأب الروحى للثقافة المصرية وعكف سنين على دراسة ترجماته ومؤلفاته وإنجازاته، مؤكداً أن أمير الشعراء الشاعر الكبير أحمد شوقى حينما نعت الطهطاوى بأنه «لأبناء البلاد أبا» لم يكن يرسم صورة خيالية، وإنما كان يقرر أمراً واقعا، فرفاعة ابن صعيد مصر والمتحصن بحبها والمتصدر لنهضتها كان نعم الأب لحضارة أيقظت الشرق كله من ثباته العميق وضخت فيه روح الوطنية والعروبة والإسلام فسارت مصر فى مصاف الدول الأولى فى العالم متحدية كل المعوقات التى تقف أمامها فى وقت كان فيه جيراننا يعبدون الأشجار والأحجار.

كانت المهمة تنتظر من يقوم بها، وكان الحلم الذى حلمه الشيخ «حسن العطار» متهيئا للتحقيق، ولم يكن ينقص مصر سوى أن يعلن أحد أبنائها عن استعداده للقيام بهذه المهمة، وكان لها رفاعة الذى بحث واستقصى وعلم وخبر، وحفظ القرآن ودرس الأحاديث واللغة والفقه فى أزهرنا الشريف لتتحصن هويته من العاصفات، وليسافر إلى فرنسا التى كانت تبتعد عنا بتقدمها آلاف الأميال، فنهل رفاعة من علومها ووقف على أسباب تقدمها ومتعجلا أخذ ينقل منجزاتها الحضارية والأدبية تماما كما فعل جيش المترجمين فى الدولة العباسية التى نقلت علوم الحضارات الأخرى بدءا، فأصبحت فى سنوات معدودات أكبر إمبراطورية فى العالم، والمستنيرون من الإسلاميين الذين درسوا الدين وتعلموا العلم ووقفوا على أسباب تقدم الدولة الإسلامية الأولى يعرفون ذلك جيداً، فها هو الدكتور محمد عمارة يقول فى مقدمة كتابه عن رفاعة الطهطاوى إن «اليونان أخذوا عن المصريين القدماء، والعرب أخذوا عن اليونان والفرس والهنود وأوروبا بكل أجناسها وأقوامها أخذت عن العرب، إذن من المفيد بل من الضرورى أن ندخل نحن الميدان من جديد بعد أن تخدرنا بالخرافة قرونا ولابد أن نأخذ عن أوروبا ونصل هذا الزاد الحضارى بالمشرق من صفحات حضارتنا القديمة».

يشاء القدر أن يكون الفقير هو باعث النهضة فى ربوع مصر والعالم العربى والإسلامى، وهو الذى وصفه «عمارة» بأنه ناضل نضال أصحاب الرسالات من أجل أن تصل الثقافة والحداثة إلى مصر فتعمر مطابعها بفضل ما كتبه وترجمه هو وتلامذته وتتقدم جيوشها بفضل عمله بها ونقلها للعلوم العسكرية أثناء زيارته لباريس، وبرغم أن منجز «الطهطاوى» فى الجانب الفقهى والدينى يسير، لكن هذا لا يمنعه من أن يكون من أكبر فقهاء التنوير فى العالم الغربى، بل إن شئت قل أكبرهم، ذلك لأنه طلب العلم وهى الفريضة الإسلامية الكبرى ونقله فصار من أفاضلنا، وهو الذى جاهد بعلمه فحافظ على هويتنا وبلدنا، وهو الذى كون بضخه الدماء الجديدة فى أوصالنا شخصيتنا الحديثة التى وقفت أمام المحتلين بالمرصاد، وإن كان من الثابت أن الإيمان هو ما وقر فى القلب وصدقه العمل فقد آمن رفاعة بوطنه ودينه وهويته، وعمل بكل ما أوتى من قوة على تدعيمهم، فكان مؤمناً خالصاً يحفظ كتاب الله ويجتهد فيما لا يجد فيه نصا، ويبنى حضارة جديدة متبعا سنة الأولين الذى كانوا يعملون بحديث رسول الله «الحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها فهو أولى بها».

فى مدينة طهطا سنة 1801 بأقاصى صعيد مصر ولد هذا الرجل يعانى من الفقر بعد أن جرد محمد على آباءه مما كانوا يتحصلون عليه من حصيلة الأراضى الزراعية باعتباره أحد الأشراف من آل بيت النبوة، فقد كان نسب والده يتصل إلى رسول الله مارا بالإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر بن على زين العابدين بن الحسين بن على بن أبى طالب كرم الله وجهه، وكان لنشأة رفاعة فى هذه الأجواء وعمل أخواله بالقضاء الشرعى أكبر الأثر فى تكوينه الشخصى والأدبى والإسلامى، فقد حفظ صغيراً ما يدرسه طلاب الأزهر كما حفظ القرآن الكريم كاملاً وصار عالماً بالنحو والفقه، وهو ما أهله للالتحاق بالأزهر الشريف وهو ابن ستة عشر عاما، وهنا درس أحاديث البخارى ودرس جامع الجوامع فى الأصول ومشارق الأنوار.

كما درس الحديث والحكم لابن عطاء الله السكندرى، ودرس تفسير الجلالين، ودرس مغنى اللبيب، وشرح ابن عقيل وغيرها من معارف الفقه والحديث والعلوم الشرعية على يد أكبر علماء الأزهر وشيوخه، وكان للشيخ «حسن العطار» أعظم الأثر فى حياة رفاعة، حيث كانت تلمذته على يديه مستمرة منذ يومه الأول فى الأزهر، وحتى سفره مبعوثا لباريس، وكان يشركه معه فى قراءة معارفه التى كان يداوم الحديث عنها ويطالعها فى ما لا يتوفر عند غيره من علماء الأزهر، وهنا يجدر القول بأن بذور حلم النهضة التى حلم بها العطار قد ألقاها فى حقلين فأثمرا وطناً حديثاً متحضراً، أما الحقل الأول فهو محمد على باشا الذى أنشأ ما كان يحلم به العطار من مدارس للطب والهندسة والرياضيات، والحقل الثانى هو رفاعة رافع الطهطاوى الذى عنى بالحياة الأدبية، ونقل علوم الغرب إلى مصر، فكانت البداية الحقيقية لنهضتها من كابوس التخلف.

يتخرج الفقر من الأزهر، وهو بعد مازال فقيرا لا يجد ما يعينه على حلمه، فيعمل مدرسا بالأجرة فى بيوت المماليك يعلمهم اللغة والدين، وهو يعمل بالأساس مدرسا بالجامع الأزهر، ثم واعظا بالجيش مستمراً فى عمله هذا حتى العام 1826، حتى يرشحه شيخه الذى آمن بعبقريته وتفرده للسفر واعظا مع بعثة مصر إلى باريس لتعلم العلوم الغربية ونقلها إلى مصر، ومن الواضح أن رفاعة لم يكن منسجماً فى الحياة الفرنسية، وكان منكبا فقط على دراسة اللغة كتابة وقراءة دون إتقان للنطق، وهو ما ذكره تلميذه صالح مجدى عنه، بما يعنى أنه كان يعرف مهمته جيداً، فليس من مهامه أن ينغمس فى الحياة الباريسية، وليس من مهامه أن يتقن النطق بهذه اللغة، فمهمته الأولى أن ينقل علومهم، ويرد بضاعتنا إلينا.

ومنذ اليوم الأول بدأ رفاعة فى تعلم اللغة، برغم أنه لم يكن مبعوثا للتعليم، وإنما لإمامة المبعوثين، لكن روحه الوثابة انتهزت هذه الفرصة بكل ما أوتى من قوة، حتى أنه كان يوفر من مصروفه القليل ما يتعلم به الفرنسية بدروس إضافية ينفق عليها من ماله الخاص، حتى تم إيفاده مبعوثا رسميا بعد ذلك، ليبدأ فى الترجمة فور ما تمكن من اللغة، وما أن يفرغ من كتاب حتى يرسله إلى مصر متعجلا نهضتها، وغير صابر على انتهاء البعثة، حتى يبدأ فى تحقيق المنجز، فقد عرف هذا الشاب اليافع أنه منذور للنهضة، وأن على عاتقه مهمة ثقيلة، وهو جدير بها، فعكف على دراسة القوانين، وترجم كتاب «روح الشرائع» لمونتيسيكو، و«العقد الاجتماعى» لجان جاك روسو، ليعود رفاعة بعد خمس سنوات من العمل والكد وقد سبقته إنجازاته وذاع صيت ترجماته.

كانت أولى الوظائف التى تولاها رفاعة بعد عودته من باريس هى وظيفة مترجم بمدرسة الطب، وقد كان يشغل هذه الوظيفة قبله مترجمون من بلاد مختلفة، ثم عمل مترجما للعلوم الهندسية والعسكرية، وفى هذه الأثناء كان رفاعة يخطط لتحقيق حلمه بإقامة مدرسة الألسن، حتى افتتحها سنة 1839 وقال فى خطبة افتتاحها ما يخبرنا بما لا يترك للشك مساحة بغرضه النبيل وحسه الوطنى العالى، فقال: ولا يخفى أن أصل تصدينا لإنشاء هذه المدرسة هو تقليل التعرب عن الوطن، وحب إيصال النفع إلى الوطن الذى هو من الإيمان، واستمرت هذه المدرسة فى القيام بدورها التنويرى على أكمل وجه حتى عصر عباس الأول، بعد أن قام برسم سياساتها ووضع مناهجها التى كفلت لطلابها أن يكونوا على مستوى عال من الإتقان، ولم ينس وهو الأزهرى المسلم أن ينشئ بهذه المدرسة قسما للفقه لكى يتعلم من يترجمون دينهم وألا ينسوا هويتهم، كما أنشأ قسا للغة العربية لتكون معرفتها معينا على الترجمة الصحيحة، وتدعيما للهوية العربية الإسلامية، وأثناء إدارته لهذه المدرسة أنشأ أول صحيفة عربية مصرية باسم «أخبار الديار المصرية»، كما أشرف على جريدة «الوقائع المصرية» الناطقة بلسان حال الحكومة المصرية.

لم يستمر حلم النهضة بشكله الوردى لرفاعة على طول الخط، فما أن مات إبراهيم بن محمد على حتى تولى عباس الأمر، فأعاد رفاعة نشر كتابه «تخليص الأبريز» الذى يصف فيه الثورة الفرنسية، ويترجم أفكارها الداعية إلى التمرد على الطغاة، والثورة فى وجه الظلاميين، والذى ترجم فيه دستور فرنسا متعاطفا مع ثورة الفرنسيين، وهو على ما يبدو ما أثار استياء الخديو عباس، فأمر بنفيه إلى السودان، وانتقم من رفاعة فى شخص مدرسة الألسن التى جعلها جامعة، فألغى قسم الفقه، وفصل عددا كبيرا من طلابها، ثم نقل مقرها، ثم ألغاها كلية، ووزع طلابها المتبقين على المدرسة التجهيزية، ثم ألغى المدرسة التجهيزية أيضا، وهو ما يؤكد أنه كان ينتقم من رفاعة واستنارته عن طريق محو آثاره وتشتيت طلابه، لكن رفاعة لم يستسلم لأحزان المنفى، واستمر فى ترجمته للكتب والروايات، فترجم رواية مغامرة تلماك، وقدم للأدب العربى أول عمل فنى يستوحى الأساطير اليونانية، وعانى رفاعة كثيراً فى منفاه، لكنه صبر واحتسب حتى تولى سعيد باشا الحكم خلفا لعباس، ففك قيود المنفيين إلى السودان، وأرجع رفاعة إلى سابق عهده، ثم ولاه وكالة المدرسة الحربية، مع رئيسها سليمان باشا الفرنساوى، لكن رفاعة لم يهدأ وهو الحالم بالتعليم والترجمة، حتى نجح فى إنشاء مدرسة جديدة بالقلعة.

فى أى لحظة من اللحظات لم ينس هذا الأزهرى المعمم هويته الإسلامية، فبعد أن سد حاجة مصر من ترجمة العلوم والآداب التى هجرها سابقوه تبنى مشروعا لإحياء الفكر العربى الإسلامى على نفقه الخديو سعيد، فأمر بطبع جملة كتب قيمة من أعمدة كتب الفقه والتفاسير والأدب، واستمر هذا المكافح المجاهد فى عمله إلى ما يقرب من أربعين عاماً حتى أصدر من الكتب والتراجم ما يقرب من ألفى كتاب، فى حين أن تركيا وهى التى كانت عاصمة الخلافة لم تصدر فى قرن كامل سوى أربعين كتابا، ليبدد بهذا العلم الوافر وهذا الحراك الثقافى اللافت خرافات عاشت فى المجتمع المصرى وتوغلت، حتى أنه كان يستاء كثيراً من أن بعض العامة يعتقدون أن أسلافنا الذين بنوا الآثار الشاهقة كانوا أطول منا وأضخم، معللاً ذلك بالقول إنهم كانو يعانون من «قصور الأذهان عن مقدار ما يحتاج إليه ذلك من علم الهندسة»، وهو ما لم يعد له مكان بعد ثورة الطهطاوى التنويرية العلمية التى وصلت ما انقطع من حضارة الإسلام والمسلمين.

ولم تكن ثورة رفاعة مقصورة على العلم والتعليم فقط، وإنما تعدت ذلك لتتحول إلى ثورة اجتماعية كبيرة، فيعتبر رفاعة أول داعية لتعليم المرأة فى مصر، بل فى الشرق كله، وبذل رفاعة جهودا مضنية من أجل تعليم البنات، لتصبح البنت المصرية كسابقتها من فضليات المسلمات اللاتى كن يعلّمن الرجال والأئمة، ولا أدل على ذلك من أن الإمام الشافعى كان يتلقى العلم على يد السيدة نفسية، ويحضر جلساتها العامرة بالفقه والحديث، وفى الحقيقة لم يكن حرمان البنات من التعليم بوازع دينى، وإنما كان بدافع اجتماعى يحتقر المرأة التى كرمها الإسلام، واتهم من يدعون تحريم تعليم البنات بأن عقليته جاهلية، وذلك لأن بعض الصحابيات كن متعلمات كما هو ثابت فى الأثر، وفى الحقيقة فإن احترام رفاعة للمرأة تعدى فكرة تعليمها، فقد نبذ تعدد الزوجات ودعا إلى تقييده، وقيد نفسه بتعهد مكتوب إلى زوجته يقر لها فيه بعدم أحقيته الزواج من أخرى، أو اقتناء ملكة يمين، وإلا كانت «طالقا بالثلاثة».

وهكذا سار رفاعة مجدداً رافعاً قيم الإسلام السمحة، متبعاً ما يمكن أن نطلق عليه مصطلح «الفقه التطبيقى»، فنعم لم يترك رفاعة كتباً كثيرة فى الفقه، ولكن أخلاقه وأعماله كانت دستوراً فقهيا نابعا من إزهرى، وعى قيم دينه، وعمل على إعلائها، ولا نبالغ إذا قلنا إن الدور التنويرى الذى قام به رفاعة يكاد يوازى الدور التنويرى الذى وقع أثناء الخلافة العباسية التى احتفت بالترجمة، وخصصت لها أفرادا وجماعات ودعمتها، فكان لها أكبر الأثر فى أن تكون تلك الدولة من أعظم الدول الإسلامية تأثيراً ونفعاً وتحضراً، وفى ترجمة رفاعة للدساتير الفرنسية والعثمانية وضبط هذه القوانين والدساتير بالمصطلحات الإسلامية لتتوافق مع هويتنا وتتناسب مع أخلاقنا تشابه كبير مع ما قام به الصحابى الجليل عمر بن الخطاب، حينما نظم الدولة الإسلامية وفق ما عرفه من تنظيم الدواوين الفارسية، فقد كانت دماء العروبة والإسلام تجددت قديما بالفتوحات، وما إن انحصرت الفتوحات حتى نقصت هذه البلاد وانكمش الحلم بالتجديد والتطوير، فها هى الأندلس تنسلخ من الحواضر العربية الإسلامية، وها هى تركيا تتغرب عن لغة الإسلام، وها هى بلاد شرق آسيا تعود تدريجيا إلى لغاتها، وها هى الفتوحات العربية تختفى من الخرائط ويبدأ زمان الاحتلال، فما السبيل إذن لتجدد الحضارات، وضخ دماء جديدة فى أوصال الشعوب والبلدان؟.. وحده رفاعة أيقن أنه لابد لهذه الأمة من أن تجدد شبابها باستقدام معارف الأمم الأخرى بالترجمة والأسفار بعد أن حرمها التخلف والجمود والانكماش من أن تنتفع بما يتسرب إليها من حضارات الأمم الأخرى عن طريق تطعيم ديار الإسلام بعلوم الحضارات الأخرى، وقد رأينا كيف ازدهرت علوم الفقه والحديث واللغة على أيدى مسلمين أعاجم وأندلسيين ومغاربة ومصريين. وبهذا الدور الذى لعبه رفاعة ضمنت الحضارة الإسلامية أن تتجدد كل يوم بمعارف جديدة، ولمعرفة كم هو مؤثر ذلك الدور الذى لعبه رفاعة علينا أن نقارن بين وضع مصر والعرب قبل رفاعة وبعده، ثم ما علينا بعد ذلك إلا أن نتخيل ما هو الحال إذا ما هل علينا الاحتلال الإنجليزى بجموده وجبروته ونحن خاوون منسحقون لا هوية تجمعنا ولا فقه ولا علم، ألم يكن من الممكن أن تذوب هويتنا العربية الإسلامية فى هوية هذا المحتل، وأن تتغير لغتنا مثلما تغيرت لغة الشعوب الأخرى، وأن ننسحق أمامه ونصبح تابعين له كما انسحقت شعوب أفريقيا وبعض شعوب المغرب العربى أمام محتليها؟

وائل السمرى يكتب: أئمة التنوير.. شيخ الأزهر الإمام حسن العطار.. مفجر حلم النهضة.

_________________

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  * الدال على الخير كفاعله *
سبحان الله .. الحمد لله ..  الله أكبر ..  لا إله إلا الله
لا حول ولا قوة إلا بالله ... سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد
كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم

من هذا المبدأ الدال على الخير كفاعله

كيف تستفيد من الانترنت وتربح الكثير من المال باقل مجهود
ارشح لكم هذا العمل للكسب السريع بدون اي تكلفة مادية منك
من هنا .هنا هنا هناااااااااااااااااااا..
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://said63.goodforum.net
said63
منتديات شباب العارب
منتديات شباب العارب
avatar

عدد الرسائل : 3822
العمر : 54
تاريخ التسجيل : 14/02/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقهاء التنوير من عمر بن الخطاب يكتبه وائل السمري لكم    السبت أغسطس 11, 2012 1:41 pm

وائل السمرى يكتب: شيخ الأزهر الإمام مصطفى عبدالرازق.. فيلسوف الجمال فى رحاب الإسلام.. عمل على إصلاح الأزهر ورد على دعاوى المستشرقين وافتراءاتهم على الإسلام وكان يحب الفن ويحترمه
الجمعة، 10 أغسطس 2012 - 03:11

شيخ الأزهر الإمام مصطفى عبدالرازق
بقلم وائل السمرى

قال: إن الذين يفكون العقول من أغلالها إنما يمهدون لها السبيل إلى الحق والدين من أسمى حقائق الوجود.

لم يهاجم أحدا سوى أصحاب المذهب الوهابى الذين يهدمون القباب الفنية ويكفرون الناس مشيرا إلى أنهم لا يتبعون دين الإسلام وإنما يتبعون «دين أهل نجد».

عمل على إصلاح الأزهر ورد على دعاوى المستشرقين وافتراءاتهم على الإسلام وكان يحب الفن ويحترمه وكتب عن توفيق الحكيم وأم كلثوم.

وكأنك تقرأ عن شخصية خيالية لا ترى لها أثرا إلا فى الروايات الحالمة بعالم ملؤه الحب والخير والفضيلة والحرية والجمال والحياة، عالم بلا تعصب أعمى يغرق الناس فى التشاحن والتناحر والتجاذب والتنافر، عالم يؤمن بالله مهيمنا على الكون برحمته وحكمته وعدالته وسموه، عالم فيه التعاليم الدينية من أجل إسعاد البشر، والحروب من أجل الدفاع عن كرامة البشر، والفن من أجل زرع السمو فى نفوس البشر، والعقل هاديا لتوافق البشر وتراحمهم، وكأنك تقرأ فى صفحة من ملحمة شعرية عن بطل ظهر فجأة واختفى فجأة لا لشىء إلا لكى يخبرك بأن كل ما تحلم به من الممكن أن يتحقق فى لحظة إذا ما صدق العزم وصحت النية وتنزه القصد من الهوى ليكون الله موجودا فى كل شىء، يحمينا ويرزقنا ويطعمنا ويسقينا.
أدعوك قبل أن تقرأ السطور القادمة عن الإمام «مصطفى عبدالرازق» أن تنسى تفاصيل هذه الأيام، وأن تنسى أولئك الذين يعدون أنفسهم أئمة ومشايخ، وأن تجنب نفسك كدر مقارنتهم بمن تقرأ عنه، لكى لا تظلمه أو تظلم نفسك وتحرمها من التأمل فى هذه الشخصية النادرة.
هو الشيخ مصطفى عبدالرازق «1885م - 1947م» شيخ الجامع الأزهر الشريف، ومجدد للفلسفة الإسلامية فى العصر الحديث، وصاحب أول تاريخ لها بالعربية، الذى ما أن يمس شيئا من العلم حتى يحوله أيقونة جمالية ترتاح لها القلوب وتأنس لها الأرواح، سيرته المتداولة تقول إنه تولى وزارة الأوقاف، وكان أول أزهرى يتولاها، واختير شيخا للأزهر فى ديسمبر 1945، فتنازل عن لقب الباشوية الذى كان الملك قد أنعم عليه به، مفضلا أن يكون لقبه هو شيخ الأزهر وأن تكون نسبته إلى هذا الجامع الجامعة الذى صار جزءا من تاريخ مصر وحضارتها.

تقول سيرته أيضا إن مولده كان فى أسرة وطنية ثرية فى قرية أبوجرج بمحافظة المنيا، فكان والده من مؤسسى جريدة «الجريدة» التى دعت إلى الحكم الدستورى والإصلاح الاجتماعى والتعليم، وكذلك كان والده من مؤسسى «حزب الأمة»، حفظ القرآن الكريم، ثم التحق بالأزهر، حيث التقى بالشيخ الإمام محمد عبده، وهناك حصل على شهادة العالمية سنة «1326هـ = 1908م»، ودرّس القضاء الشرعى فى الأزهر، ثم استقال.

كان أحد تلامذة الإمام محمد عبده وكان يراسله سرا وينشر رسائله دون توقيع الراسل لكى لا يصب الأزهريون جام غضبهم على الطالب اليافع، ومن الإمام تعلم حب الحياة وغرس فى نفسه حب المعرفة والتوق إلى التعلم والترحال والنهل من منابع المعرفة، فسافر إلى فرنسا ودرس فى جامعة «السوربون»، ثم جامعة ليون التى حاضر فيها فى أصول الشريعة الإسلامية، وحصل على شهادة الدكتوراه برسالة عن «الإمام الشافعى أكبر مشرعى الإسلام» ثم ترجم إلى الفرنسية «رسالة التوحيد» للإمام محمد عبده بالاشتراك مع «برنار ميشيل» وألفا معا كتابا بالفرنسية، لتتضاعف كتبه بعد على مدار حياته فيكتب دراسة صغيرة أدبية عن الشاعر المصرى البهاء زهير الذى عاش فى أيام الدولة الأيوبية، ثم كتاب «تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية» ثم كتاب «فى سيرة الكندى والفارابى» ثم كتاب «الإمام الشافعى»، ثم كتابه الدين والوحى والإسلام، ثم كتابه «فيلسوف العرب والمعلم الثانى» ثم كتابه «محمد عبده سيرته».

فى فرنسا درس علم الاجتماع على يد عالم الاجتماع الأشهر إميل دوركايم، ثم عمل مع الأستاذ «لامبير» فى كلية القانون فى ليون ودرس أصول الفقه فيها، ثم تم استدعاؤه ليعمل مدرسا للأدب العربى واللغة العربية، وبجانب هذا أعد رسالته للدكتوراه، وبعد عودته من فرنسا سنة 1915 عمل سكرتيرا بجامعة الأزهر ثم سكرتيرا عاما للمجلس الأعلى للأزهر، ليبدأ أول خطاه الإصلاحية فى الجامع الأزهر العتيق الذى كان وقتها يفتقد الكثير من أدوات العلم الحديث، لكن وبسبب مواقفه السياسية المناصرة للحركة الوطنية التى كان يقودها آنذاك سعد زغلول تم إبعاده من الأزهر خوفا من أفكاره السياسية والاجتماعية، وعين مفتشا بالمحاكم الشرعية كإجراء تأديبى، لكنه استثمر هذه الفترة فى الكتابة والبحث والترجمة، والمعرفة، فكان يعقد الندوات فى بيته ويتوافد عليه أهل العلم والثقافة والفقه والفلسفة من كل مكان، وبعد ذلك تم انتدابه إلى جامعة القاهرة ليشغل وظيفة مدرس الفلسفة الإسلامية وليزداد تبحرا فى الأدب واللغة ويزداد اطلاعا على المخطوطات المحفوظة بالجامعة وهو الشىء الذى كان له أكبر الأثر فى كتاباته اللاحقة.

كانت آراء المستشرقين فى هذه الآونة تجلد الحضارة الإسلامية وتدعى أنها حضارة فقيرة أخذت عمارتها من الأمم السابقة كما أخذت فلسفتها من اليونان لتبنى على وجهة النظر هذه نظرية تقول إن العرب لا يفكرون، وإنهم ليسوا أصحاب حضارة ليتم تبرير التوجه الاستعمارى بحجة أنه يرفع من شأن البلاد التى يحتلها المحتلون، وهو ما انتفض الإمام من أجله مدافعا عن حضارته ومنجزها الفكرى والفلسفى قائلا إن الفلسفة الإسلامية ليست تلك التى نجدها عند ابن سينا والفارابى، ولكنها تكمن فى منجز العرب المسلمين فى علم الكلام ومصادر فلسفة التشريع الإسلامى، وبذلك أسس ما عرف بعد ذلك بالفلسفة الإسلامية التى يدرسها العالم حتى الآن تحت هذا التعريف.

أثناء توليه مشيخة الأزهر عمل على إدخال بعض الإصلاحات إليه، فأدخل اللغات الأجنبية، وأرسل البعثات إلى الخارج، أما على المستوى الشخصى فقد كان الإمام محبوبا من معظم من يتعامل معهم، وكان محبا لتلاميذه عطوفا عليهم ينفق عليهم كل ما فى يده من أموال، وذات مرة قال له أحد تلامذته المقربين: لماذا تنفق كل هذه الأموال على الطلاب؟ فقال له مستنكرا: أتريد أن نتركهم على فقرهم واحتياجهم حتى يتركوا العلم؟ وهى كلمة تدل على كرم أخلاق الإمام وسعة صدره ورهافة حسه وإيمانه بدوره كشيخ وأب.

ربما إن كنت متعصبا تكسب طائفتك، لكن حتما إن كنت متسامحا فستكسب العالم كله، تلك هذه القاعدة التى يستنتجها المرء بعد قراءة سريعة فى سيرة الإمام ومسيرته، وهو الذى عاش حياته نابذا للتعصب من كل شكل ولون، داعيا إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، حالما بالعودة إلى منبع الدين الصافى وبساطته المعجزة فى أيام عهد النبوة حيث الإيمان يملأ القلوب والعدل يملأ الربوع، والنور يتوغل فى الأنحاء، والأمل يحدو الجميع، قبل أن يتفرق المسلمون إلى فرق ومذاهب ويتوهوا فى التفاصيل القاتلة والمسائل العبثية، ولأن مذهبه الإسلامى الإنسانى كان لا يرى فرقا بين العربى والأعجمى إلا بالتقوى كان يستهجن الدعاوى الأوروبية التى تدعى أن الجنس الأوروبى أرقى من بقية الأجناس، ورد على تلك الفكرة مرارا متحصنا بالأبحاث العلمية الحديثة، ذلك لأنه إن كانت الغلبة الآن للأوروبيين فقد كانت قديما للعرب ومن قبله للمصريين والعراقيين والفارسيين بما يعنى أن التفوق أمر نسبى زمنى لا علاقة له بالجنس وسموه.

فى الرد على المستشرقين - وأرجو ألا يستهين أحد بذلك الدور لما له من خطورة التمهيد للاستعمار - بذل الإمام جهدا كبيرا فى تعريف مفهوم الإسلام، فقد كان الأوروبيون يقولون إن الإسلام يعنى الاستسلام والطاعة العمياء، وهى المقدمة التى تنبنى عليها النتيجة التالية: إن كان دينك يدعوك إلى الطاعة والاستسلام فلماذا تقاوم؟ فتبنى الإمام هذه القضية ورد عليه فى بحث مطول أورد فيه رأى سيد أمير على الذى يقول فيه إن الإسلام يعنى تحرى الرشد وتزكية النفس، وذلك يعنى الطاعة الإرادية وليس الانقياد الأعمى، داحضا رأى «إدوارد رسل» بينما قال الإمام إن الإسلام يعنى الاستسلام حقا لكن لله فحسب، أى أنه يعنى «الإيمان» بالله وملائكته وكتبه ورسله والقضاء خيره وشره والبعث والحساب، وأن كلمة إسلام مشتقة من كلمة «سلم»، وهى تعنى التخلص من الشوائب والموبقات الظاهرة والباطنة التى «يسلم» المرء منها، كما تعنى الإذعان لله وحده لا شريك له وعدم الإذعان لغيره، وإكمالا لتلك القضية يتطرق الإمام إلى مسألة أخرى ألا وهى الفرق بين كلمة مسلم وكلمة مؤمن، إذ يرى الإمام أنه لا فرق بين اللفظين، فكلاهما يستعمله الله ويقصد بهما نفس الأشخاص الذى يؤدون نفس الأفعال، بل يرى أن الخوض فى هذا الأمر إنما هو من قبيل «تمحلات الفرق» وبناء على ذلك يقرر أن قضية الفرق بين اللفظين ما هى إلا قضية «مصطنعة اصطناعا»، فالدين عند الإمام يخاطب الروح والقلب ويقيم وزنا كبيرا للقلب الذى يأتى كثيرا بمعنى العقل أو الضمير، ويتجلى هذا فى الحديث الأشهر «إنما الأعمال بالنيات» والنية محلها القلب، لذلك فهو يرى أن العبادات البدنية كالصلاة والصيام والقيام والحج لا ينظر الله إليها بحسب صورتها الظاهرة، وإنما يتنظر إلى القلوب المختبئة وراء العبادات، ومدى صفائها وصدقها وخشوعها، معتبرا أن الإيمان هو شرط صحة الأعمال، والإيمان هو ما وقر فى القلب وصدقه العمل.

يتعرض الإمام إلى مشكلة علاقة الفلسفة بالدين وهى العلاقة التى شغلت أذهان الكثيرين وفيها وقعت مساجلات عديدة أشهرها ما دار بين الإمام أبوحامد الغزالى والفيلسوف ابن رشد، فيقول الإمام الكلمة الفصل فى هذا الشأن مرجحا أن الدين والفلسفة يبتغيان سعادة البشر، غير أن الدين يقوم على التصديق والإيمان ومصدره القلب، بينما الفلسفة تقوم على النظر والفكر ومصدرها العقل، لذلك فهما متفقان فى الغاية مختلفان فى الوسيلة، ولا يجوز أن نخلط بينهما ولا أن نفسر الدين بالفلسفة، وإنما يبغى أن ننظر إلى كليهما باستقلالية عن الآخر، وهو الرأى الذى يتشابه مع رأى الإمام أبى حامد الغزالى، لكن الإمام يرفض فكرة أن تكون الفلسفة خادمة للدين لأن ذلك يضر بالفلسفة والدين على حد سواء، فضرره بالدين يتلخص فى أنه يعكر صفو العقائد المقدسة ويجعلها قابلة للأخذ والرد والمناقشات العقلية المتناقضة، كما أن الفلسفة تكتسب بالأدلة بعيدا عن المشاعر القلبية التى تميز الوصول إلى حقائق الدين التى تملأ قلوب المؤمنين، أما الضرر الواقع على الفلسفة من خلطها بالدين فهو أنه يكسبها قدسية ليست بها، ويحدد نتائجها قبل إجراء مباحثها، وذلك يحد من حرية البحث ويحصنها من النقد، وهو ما لا يجب.

لا يعنى هذا أن الإمام يغفل دور العقل فى الدين، بل على العكس فإنه يعليه ويعتبره «صديق النقل» إذ لا إيمان إلا للعاقلين، ولا حساب ولا عقاب إلا لمن يستفتون عقولهم فتفتيهم، ويرى الإمام أن الإسلام جمع بين الدين والشريعة، قائلا «أما الدين فقد استوفاه الله كله فى كتابه الكريم ولم يكل الناس إلى عقولهم فى شىء منه، وأما الشريعة فقد استوفى أصولها وترك للاجتهاد تفاصيلها» ولع هذا الاقتباس يبرز رأى الشيخ فى مسألة الاجتهاد الذى يرى أنه ضرورة وواجب على كل الأئمة فى كل العصور، رافضا مبدأ غلق باب الاجتهاد مثل أغلب مصلحى عصره وعلمائه، ومؤكدا على تدعيم الإسلام للحرية الفكرية قائلا: قد تنبهت العقول وزالت غشاوة الغفلة عن بصائر الناس، ففهموا أن الدين ليس غلا للقلوب ولا قيدا على الأفكار، لكنه كما كان الإمام محمد عبده يقول قد كفل للإنسان أمرين عظيمين وهما استقلال الإرادة واستقلال الرأى والفكر، وبهما تكتمل إنسانية الإنسان ويستعد أن يبلغ السعادة، ويؤكد الإمام أنه لا خطر على العقل الواعى من الشتت والزيغ، وذلك لأن البشر صنفان مخلص ومغرض، من أخلص لله فسيخلص له فى كل الأحوال حتى لو أعمل عقله، ومن دخل الهوى قلبه فسيميل نحو أغراضه فى كل شىء حتى لو ادعى أنه لا يعمل إلا بالنقل، قائلا كلمته الشهيرة فى هذا الأمر «إن الذين يفكون العقول من أغلالها إنما يمهدون لها السبيل إلى الحق والدين من أسمى حقائق الوجود».

ومن خلال هذا المنهج الربانى النورانى الإصلاحى حارب الإمام الكثير من العادات الاجتماعية الخاطئة التى تأخذ صبغة دينية والدين منها برىء، ومن تلك العادات عادة تقبيل أيادى العلماء كمظهر لاحترامهم، قائلا إن الذين يمدون أيديهم الطويلة إلى الأفواه لينشروا جراثيم المرض يبذرون معها بذور الذلة فى الأنفس الطيبة، موضحا أن الدين ينمى علاقة الإنسان بخالقه وبنفسه وإخوانه من أفراد الإنسانية لذلك فهو وثيق الصلة بالحياة يواكب تطورها ولا ينغلق على نفسه ليظل دائما محافظا على المجتمع وواصلا للعباد بإلاههم الواحد، قائلا «فالدين ملازم للحياة من يضع دستورها ويجد فيه الإنسان الزاد فى حياته والنور الذى يهديه إلى الطرية المستقيم»، بل إنه يجزم بالقول إنه من غير الممكن أن يعرف الواحد أمزجة الشعوب الشرقية الإسلامية إلا من خلال الدين.

وأكثر ما يخاف الإمام على الأمة منه هو ضعف الشعور الدينى وضعف الشعور الوطنى، موضحا أن الدين الصحيح لا يعارض التقدم فى المظاهر الاجتماعية الحديثة من حضارة وعمران، ويذم آراء المتشدين الذى يصورن أن الدين هو الابتعاد عن الحضارة والمدنية، منزها الدين عن أن يكون عائقا أمام تقدم المسلمين، غير غافل أنه يتوجب على المسلمين ألا ينسوا مبادئهم وهويتهم الدينية أمام التقدم العلمى والمدنى والحضارى، داعيا إلى التمسك بأصالة القديم واحترامه وفى ذات الوقت أن ننهل من الجديد وتقدمه.

ويمضى الإمام فى كل كتاباته وتأملاته الإسلامية والفكرية متسامحا ومتصالحا لا يبتغى شيئا سوى نهضة المسلمين ورفعتهم، ولم أره مهاجما أحدا من المختلفين عنه إلا فى حالة واحدة هاجم فيها الشيخ أصحاب النزعة الوهابية المتشددة، بل إنه غالى فى الهجوم عليهم وفق منظوره المتسامح وأطلق على مذهبهم اسم «دين أهل نجد» فى إشارته منه إلى أن الدين الإسلامى لا يتضمن كل هذا التشدد، ومعلنا ضيقه بدعاوى التكفير التى أخذت فى الانتشار بعدما جاء «هذا الدين» فيقول الإمام: «ولقد نبرأ بدين هيئة كبار العلماء الذى يدفع بالكفر كل نزوع إلى العلم والفهم والذوق، فلما جاءنا دين أهل نجد يهدم على من فيها قبابا قد تكون آثارا فنية وتاريخية، يعرف خطرها «أى أهميتها» أهل الفن والتاريخ» قائلا فى النهاية إن الدين برىء من مثل هذه الدعاوة وإنما يشوه الدين أولئك الذين يريدون كيدا وتضليلا وقيدا للعقول والقلوب ثقيلا، ثم شن الإمام حملة على أولئك الذى يضيقون النظر فى الدين ويملأون الدنيا بفهمهم الخاطئ للإسلام وهم فى الحقيقة لا يراعون شيئا قدر مراعاتهم لشهواتهم ورغباتهم فتراهم تحت شعار الدين يكثرون من الزواج والطلاق ويبالغون فى الاحتفاء بالمأكل والمشرب.

على الجانب الآخر حارب الإمام البدع والتخاريف التى انتشرت فى مصر وقتها، فعارض الغلو فى الاعتقاد بكرامات الأولياء، قائلا إن الإسلام لا يقر واسطة بين العبد وربه، كما حارب من يستهينون بالشعائر المقدسة فى رمضان ويظنون أنهم بإطعامهم بضعة مساكين فقد حازوا الشرف كله، ولا ينسى الإمام أن يلوم علماء الأمة الإسلامية الذين تمسكوا بالمظهر وتركوا الجوهر فيستنكر أن يفتى الشيوخ بجواز لبس القبعة من عدمه بينما هم يختلفون فى تحديد كيفية رؤية هلال رمضان!

وضربا للتقاليد البالية والانغلاق المميت يقر الإمام حق الأمم فى أن يكون لها أعياد قومية تنمى الشعور الوطنى لأن حب الوطن من الإيمان، خلافا لمن يدعون أنه لابد من الاقتصار على الأعياد الدينية فقط، كما يقر الإمام أيضا مطالب المرأة بالحرية والعمل قائلا إنه يتوجب علينا أن نأخذ بالتدرج فى هذا الشأن، لأن المرأة حديثة عهد بالتعليم والخروج إلى الحياة العامة كما يرجو أن تعمل المرأة فى الأمور الخيرية التى يتغافل عنها الرجل لتتكامل وظيفة المرأة مع الرجل وتتحقق الفائدة للمجتمع، كما ينتصر الإمام للبسطاء والفلاحين والضعفاء، مؤكدا أن الفلاح المصرى أكثر الناس عناء فى السعى إلى تحصيل العيش وأقلهم متاعا وأضيقهم، كما دعا الإمام إلى الالتزام بدولة القانون، وأن يمارس الحاكم سلطاته بناء على صلاحيات محددة سلفا وليس بناء على صلاحيات مطلقة.

ولعل أكثر مواقف الإمام تحضرا هو موقفه من الفن الجاد المثمر الممتع فقد كان شغوفا بالفن والموسيقى والشعر والمسرح، وكان يقول عنه إنه يفيد الإنسان فى البحث عن قيم الحياة، لأنه إحساس نابض فى الوجود من قيم جمالية يعمل الفنان على إبرازها، ويؤكد أن الذين يتوهمون أن الدين يعارض الفن يدلون على أنهم يسيئون فهم طبيعة الدين وطبيعة الفن، وهو ما تدل عليه فنون الدول الإسلامية صاحبة الحضارات الكبرى كالدولة العباسية والأموية والفاطمية ودولة الإسلام فى الأندلس، فيقول إن المسلمون الأوائل أدركوا علة تحريم بعض الفنون كالأمر مثلا بعد الرسم أو النحت خشية أن يرتد الناس إلى عبادة الأصنام، فلما زالت العلة وزال الخوف من عبادة الأصنام زال التحريم، وبناء على هذا التوجه المستنير ترى الإمام يجاهر بإعجابه بأغانى أم كلثوم والقصائد الشعرية التى تغنيها فتنمى الذوق وتكسر الغربة بين العامة واللغة العربية الهادفة بل تجده يعتبر صوتها «نعمة من نعم الدنيا»، كما تجده يجتهد فى تحقيق ديوان الشاعر المصرى البهاء زهير لما وجد فيه من خلق قويم ولغة شفافة صادقة، وحب الخير وشرف للنفس وعزة وإباء، بل تجده يكتب عن مسرحية أهل الكهف لتوفيق الحكيم وهو مازال مغمورا فيكون أول من كتب عن هذه المسرحية التى تلهب الخيال وتستلهم القصص القرآنى ليكون الدين وقصص وتعاليمه شريكا للناس فى حياتهم يندرجون تحت لوائه بحب وارتياح وإيمان وخشوع.

وائل السمرى يكتب: رشيد رضا.. الإمام التوافقى.. تلميذ محمد عبده والأفغانى وصديق سعد زغلول وإمام حسن البنا وأستاذ السلفية المصرية ونصير الشيوعية والرائد الذى استفاد منه الألبانى ودعا له
الأربعاء، 8 أغسطس 2012 - 09:32

رشيد رضا
بقلم وائل السمرى



لا يبالغ الواحد إن قال إن نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين قد شهدت حراكا فكريا متكاملا شبيها لما وقع فى القرن الثانى وبداية القرن الثالث حيث عصر الأئمة الكبار الذين جددوا شباب الإسلام الأول وحافظوا على السنة النبوية وتكاملوا فيها بينهم مختلفين فى الفروع ومتفقين فى الأصول، ومتفرقين فى الطريق متوحدين فى الغاية، فما إن هل القرن الثانى الهجرى حتى بزغت أنوار المجددين الكبار، كالإمام جعفر الصادق خليل الإمام أبوحنيفة الذى كان تابعا للإمام زيد بن على زين العابدين والإمام الليث بن سعد الذى كان صديقا وأخا وندا للإمام مالك الذى تعلم على يديه الإمام الشافعى الذى سلم الشعلة للإمام أحمد بن حنبل فكان بحق عصر الأئمة العظام، ها هو العصر الحديث أيضا يبدأ نفس البداية على يد الإمام حسن العطار الذى علم المعلم رفاعة الطهطاوى الذى عاصر الإمام جمال الدين الأفغانى الذى رافق الإمام محمد عبده الذى علم الإمام رشيد رضا ومصطفى عبدالرازق وغيرهم كثير، لتكتمل دعوة الإسلام ويقف أبناؤه أمام المحتلين وقفة عزيز كبير، مطورين من أدواتهم ومحافظين على هويتهم ومجددين لدماء دينهم الذى روث من تخلف العصور السابقة ما أسهم فى تشويه صورته وتبديل مفاهيمه فكانت الصحوة النهضوية الكبيرة التى طورها أبناؤها لتصبح مصر دولة الإسلام الحضارى بمعناه الأكمل والأجمل الذى لا يقف فى وجه التقدم والتحديث، ولا يذوب فى هويات أخرى غير هويته السامقة.

فى الحلقات السابقة تعرضنا إلى ما قام به المصلحون الأوائل مثل الأفغانى والعطار والطهطاوى وعبده واليوم نواصل التعرض إلى المنجز الفقهى الحضارى الذى تكامل فيه أبناء تلك الحقبة ليشكلوا فيما بينهم نسيجا واحدا قادرا على مواجهة المستجدات الطارئة وأبرزها ما تعرض إليه الوطن من نكسة كبيرة متجسدة فى الاحتلال الإنجليزى الذى أثر على مسار حركة التجديد الإسلامية بشكل كبير فقد رأينا كيف كان الإمام محمد عبده يحلق فى أفق المعرفة ويعلى من شأن العقل والاجتهاد متعمقا فى دراسة الآيات والأحاديث ومتأملا فى أسباب نزولها وعلل أحكامها غير متورع فى اللجوء إلى تأويل النص بشكل عقلى مجرد مؤكدا على أن النص والعقل متكاملان ومتلازمان كما لو كان يقول إن النص عقل ثابت والعقل نص متحرك، لكن ما إن مات الإمام حتى حمل شعلة التنوير تلميذه رشيد رضا الذى وجد أن الأوضاع قد تغيرت وأن الأحوال قد تبدلت، ففى زمنه توغل الاحتلال الإنجليزى بالحياة المصرية، كما شهد انهيار الخلافة الإسلامية وشهد الحرب العالمية وتبدلت موازين القوى، كما شهد العديد من المتغيرات الطارئة التى أحدثها الانحلال، فانعكس هذا كل على وجه نظره وفتاواه التى تشدد فيها إذا ما قارناه بأستاذه محمد عبده، حتى عده البعض الأب الشرعى للحركة السلفية فى مصر وذلك لاعتماده كثيرا على آراء الإمام ابن تيمية الذى أنشأ فقهه فى ظرف يكاد يماثل ظرف «رضا» حينما كان المغول يحتلون جزءا من العالم الإسلامى ويستعدون لالتهام البقية، وما تشدد الإمامان فى فقههما إلا للحفاظ على الدين الذى كان مهددا بالضياع تحت أقدام المحتلين.

على هذا فإنه قلما تجد مصلحا مظلوما مثلما تجد رشيد رضا «1865/ 1935» العراقى الأصل اللبنانى المنشأ المصرى الهوية فقد ظلمته كل التيارات المحافظة والمجددة، كما احتفت به كل التيارات المحافظة أيضا والمجددة، فقد كان فى فقهه وفتاواه ومواقفه صورة أو أخرى من كل فصيل، فمن ناحية هو تلميذ المصلحين المستنيرين أمثال جمال الدين الأفغانى ومحمد عبده فعن الأفغانى يقول إنه: الكبير بمواهبه الفطرية، الكبير بسعة علمه وحسن نظام فكره، الكبير بمطامحه، الكبير بنفسه العالية القوية المشتعلة حياة وعزما، الكبير بتاريخه» ودائما ما كان يذكر الإمام محمد عبده واصفا إياه بالأستاذ ويشهد له بالورع والمعرفة والإمامة وعنه يقول: «هو أكمل من عرفت من البشر» وفى ذات الوقت أستاذ الشيخ محمد حامد الفقى، مؤسس جمعية أنصار السنة المحمدية، وأستاذ حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، كما أنه صديق الزعيم الوطنى الكبير سعد زغلول وكان كثيرا ما يشيد به ويعتبره المثال الذى كان يحلم به الإمام محمد عبده وعنه كان يقول: إن روح الأفغانى ومحمد عبده قد تجلت فى أعمال سعد زغلول، وإنه قد أصبح عميد الحزب المدنى للأستاذ الإمام وأقوى أركان هذا الحزب» وكان بمجلته الرائدة «المنار» من أئمة الإصلاح والتجديد والمحافظة فى آن واحد حيث يقول عنه الإمام ناصر الدين الألبانى المحدث الأشهر: «السيد محمد رشيد رضا -رحمه الله– له فضل كبير على العالم الإسلامى بصورة عامة، وعلى السلفيين منهم بصورة خاصة، ويعود ذلك إلى كونه من الدعاة النادرين الذين نشروا المنهج السلفى فى سائر أنحاء العالم بواسطة مجلته «المنار» وقد جاهد فى سبيل ذلك جهادا يشكر عليه، ويرجى أن يكون أجره مدخرا له عند الله» وقال الإمام محمد الغزالى إن جمال الدين، ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا هم قادة الفكر الواعى الذكى فى القرن الأخير وقال: «إن صاحب «المنار» استوعب مذاهب المفسرين، من تفسير بالأثر إلى تفسير فقهى، إلى تفسير بلاغى» كما أنه وهو المصلح الإسلامى الكبير الذى عاش حياته يجاهد من أجل إحياء الخلافة الإسلامية تراه يدافع عن الشيوعية والثورة البلشفية، ويرد عنها الشبهات التى ألصقها البعض بها حيث يذكر مستنكرا فى جريدة المنار ما قيل عن أن البلشفية ودعاوى تحريمها وتشبيهها بالديانات الوثنية قائلا «إنها عين الاشتراكية، المقصود منها إزالة سلطان أرباب الأموال، الطامعين وأعوانهم من الحكام الناصرين لهم، الذين وضعوا قوانينهم المادية قواعد هضم حقوق العمال فى بلادهم، واستعمار بلاد المستضعفين من غيرهم، وإن معناها الحرفى الأكثرية، فالمراد منها أن يكون الحكم الحقيقى فى كل شعب للأكثرية» وعلى هذا فهو الإمام المصلح تلميذ محمد عبده والأفغانى وصديق الزعيم الوطنى سعد زغلول وإمام الإخوان المسلمين وأستاذ السلفيين ومناصر الشيوعية والرائد الذى استفاد منه الألبانى!

فوق كل هذا فالإمام رشيد رضا شاعر مجيد، خطفه عالم الفقه فخسر الوسط الأدبى شاعرا واكتسب الوسط الفقهى فقيها، ولعل هذا ما يفسر لنا الكثير من مفاتيح شخصية الإمام، ويفسر لنا حماسته وجرأته ودأبه وروحه الوثابة الحالمة بعالم عادل ومسالم يرى فى كل شىء أجمله ويناضل بشرف من أجل الحفاظ على هويته العربية الإسلامية دون أن ينسى أن الإسلام دين إصلاح وسماحة ومحبة وتطور، فقد كان كثيرا ما يطالب أصحابه وتلامذته التيسير على المسلمين وقال تعليقا على حديث رسول الله «ما خير الرسول بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما» «لو سلك المسلمون اليوم هذا المسلك، لأمكنهم جعل التشريع الإسلامى فوق كل تشريع، وكان عليه مدار الأحكام فى جميع البلاد الإسلامية وكان لهم مندوحة عن التأويل والأخذ بالأقوال الشاذة» وكان يضرب المثل بالصحابة وموقفهم من كلام النبى فقد كان بعضهم يأخذ تعاليمه نصا دون استبصار بينما الآخرون يستبصرون فيه، ومثال هذا حديث بنى قريظة، فقد قال رسول الله لأصحابه فى غزوة الأحزاب «لا يصلِّينَّ أحدكم العصر إلا فى بنى قريظة» ومقصده الذى يتمثل فى الحث على الإسراع وترك. التثاقل والتباطؤ فى السير، بينما فهم بعض الصحابة أن المراد عدم التأخر عن الوصول إلى بنى قريظة فى ذلك الوقت، فصلوا فى الطريق ولم يتأخروا وبعضهم فهم أن الرسول ينهى عن صلاة العصر إلا هناك فأجلوا الصلاة حتى وصلوا!

ويشرح لنا المثال السابق منهج الإمام رشيد رضا فى الفقه، فهو كان كثيرا ما يأخذ بالمقاصد العامة من الحديث والسنة، معتمدا على فقه المقاصد الذى نظر له الإمام الشاطبى بعد تعديله ليناسب العصر وإضافة ما يضمن له التطور والبقاء مستدركا على الإمام الشاطبى عدم أخذه بالعقل، فقد عمل «رضا» بنصيحة الإمام محمد عبده بأهمية كتاب «الموافقات» وضرورة نشره والاستفادة منه فقال رشيد رضا: «لولا أن هذا الكتاب ألّف فى عصر ضعف العلم والدين فى المسلمين، لكان مبدأ نهضة جديدة لإحياء السنة، وإصلاح شؤون الأخلاق والاجتماع، ولكان «الشاطبى» بكتابيه «الاعتصام والموافقات» من أعظم المجددين فى الإسلام، فمثله كمثل الحكيم الاجتماعى عبدالرحمن بن خلدون.

ويبن رشيد رضا المقاصد العامة بقوله: «هى تحرى العدل المطلق العام، والمساواة فى الحقوق والشهادات والأحكام وتقرير المصالح ودرء المفاسد، ومراعاة العرف بشرطه، ودرء الحدود بالشبهات، وكون الضرورات تبيح المحظورات»، وفى ذلك كان يقول: «من نظر بعين البصيرة إلى مقاصد الشريعة، علم أن الدين إنما ينتشر بالدعوة والتبليغ، لا بالإكراه والإلزام» وقال: «من مقاصد الشرع إخراج الأمة من الأمية وتعليمها الكتاب والحكمة، كما هو منصوص فى كتاب الله تعالى» كما قال «للدين ثلاثة مقاصد»: تصحيح العقائد التى بها كمال العقل، وتهذيب الأخلاق التى بها كمال النفس، وحسن الأعمال التى تناط بها المصالح والمنافع، وللتدليل على أهمية نظرية مقاصد الشريعة فى الحياة المعاصر يقول إنه «لا يوجد فى الشريعة شىء متفق عليه بين أئمتها، يعارض حضارة العصر فيما هو من المنافع والمقاصد الجوهرية إلا الربا الصريح» بما يعنى أنه ما دون الربا مرفوع عنا الحرج فيه، منبها على ضرورة تجميع مقاصد الشريعة من القرآن وعمل سفر كبير يجمع مقاصد القرآن كلها، مع بيان حاجة البشر إليها فى أمور معاشهم ومعادهم» مؤكدا أن من أسلوب القرآن مزج مقاصده بعضها ببعض، من عقائد وحكم ومواعظ وأحكام تعبدية ومدنية وغيرها.
لكن «رضا» الذى يؤخذ عليه التشدد أكثر من أساتذته قال إن هناك العديد من الشروط التى يجب توافرها فى من يتخذون من علم المقاصد منهجا للاجتهاد أهمها فهم الكتاب والسنة، ومعرفة مقاصد الشرع، والوقوف على أحوال الناس وعاداتهم، لأن أحكام الشريعة لاسيما المعاملات منها دائرة على مصالح الناس فى معاشهم ومعادهم أى على قاعدة درء المفاسد وجلب المنافع «وعلى العاقل الرشيد أن يطلب فقه القول دون الظواهر الحرفية، فمن اعتاد الأخذ بما يطفو من هذه الظواهر دون ما رسب فى أعماق الكلام، وما تغلغل فى أنحائه وأحنائه، يبقى جاهلا غبيا طول عمره».

واعتبر رضا أن من مقاصد الدين إزالة الخلاف من بين الناس ولا سيما الخلافات المذهبية، وفى كثير من الأحيان يدعو رشيد رضا إلى الفهم الدقيق للوصول إلى استنباط الأحكام. قال: «إن الأئمة -رضى الله عنهم- لم يستنبطوا الأحكام ليصرفوا الناس إليهم عن كتاب ربهم وسنة نبيهم، وإنما استنبطوها ليعلموهم كيف يفهمون وكيف يستنبطون، فمن مقاصد الحديث الرفق والتخفيف والتيسير فى الأمور كلها»، قال رشيد رضا: «إن الغلظة فى الأمر، والنهى تزيد المقلد جمودا على التقليد، فلا يصغى سمعه إلى قول فاضل،. ولا قول مفتى».

إن الاجتهاد من ضروريات الحياة، وهو المنوط به تجديد الدين ليلائم كل زمان ومكان، وعلى هذا يقول إن الإمام الغزالى استدرك بعض الأمور على إمامه الشافعى، وبناء على هذا خالف الإمام رشيد رضا موقف الإمام ابن تمية من حديث رسول الله «من آذى ذميا فقد آذانى» فقد كان «ابن تيمية» يقول إن هذا الحديث كذب على رسول الله فلم يروه أحد من أهل العلم، فيقول إنه استغرب هذا كثيرا لأن الحديث مروى بلفظ قريب من هذا اللفظ، وهو ما أخرجه الخطيب البغدادى من حديث ابن مسعود مرفوعا إلى النبى من آذى ذميا فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمُته يوم القيامة، وقد أورده السيوطى فى الجامع الصغير وأشار إلى حسنه، ولولا ميل شيخ الإسلام إلى التشديد على المخالفين فى أصل الدين أو فى المذاهب المخالفة لِما كان عليه السلف الصالح لما اقتصر على إنكار الحديث باللفظ الذى ذكر وسكت عن اللفظ الآخر المروى بمعناه، على أنه يجوز أن يكون قد نسيه عندما كتب هذه المسألة وهو أقرب من عدم اطلاعه عليه.

وقد حبب الإمام رشيد رضا فى فكرة إعمال العقل مع الأحاديث والآيات المختلفة وعمل على تأويل الأحكام ليصل إلى مقاصد الشارع كما بينا، وفى مخالفته للإمام ابن تيمية وهو بمثابة أستاذ له تبيانا لمنهجه الذى لا يقدس الأشخاص بقدر ما يقدس العلم والعقل، فقد كان رحمه الله يمقت التقليد ويدعو إلى احترام العقل مثلما احترمه خالقه الذى ذكر العقل باسمه وأفعاله فى القرآن الحكيم فيبلغ زهاء خمسين مرة. وذكر كلمة الألباب أى العقول بضع عشرة مرة، وأما كلمة أولى النهى أى العقول فقد جاءت مرة واحدة من آخر سورة طه، مؤكدا أن التقاليد الدينية حجرت على حرية التفكير واستقلال العقل على البشر حتى جاء الإسلام فأبطل بكتابه هذا الحجر، وأعتقهم من الرق وكان رشيد رضا دائما يؤكد أن الإسلام دين العلم والحكمة، ويثبت ذلك بالبراهين من الكتاب والسنة، وقد دعا إلى الاجتهاد ودافع عنه قائلا: «ما معنى باب الاجتهاد مسدود؟ وبأى نص سد باب الاجتهاد؟ وأى إمام قال: لا ينبغى لأحد من المسلمين بعدى أن يجتهد ليتفقه فى الدين؟ أو أن يهتدى بهدى القرآن؟ مؤكدا أن علوم الشريعة والقرآن ومستجدات العصر فى زمنه أوجبت الاحتياج إلى الاجتهاد قائلا إن الأئمة العظام وإن كانوا قد اجتهدوا بما يسر الله له فإن ما حواه القرآن من العلوم والحديث الصحيح من السنن والتوضيح إلا كقطرة من بحر أو ثانية من دهر».

وعى رشيد رضا كلمات الإمام محمد عبده التى يقول فيها «إن الشريعة الإسلامية عادلة، وإن من أصولها الثابتة دفع المفاسد وحفظ المصالح العامة فى كل زمن» فعمل بكل جهده من أجل استبيان هذا العدل الكامن فى الشريعة، مؤكدا أنه تعلم من التاريخ «أن الأمم التى تكون محرومة من الحرية لا يكون لها اجتماع حقيقى ولا سعادة صحيحة» وأن الإسلام يتميز بأنه يقوم على مخاطبة العقل، بخلاف الأديان الأخرى، حيث يرى أن «اليهودية شريعة مبنية على الشدة، والمسيحية يهودية من جهة، وروحانية من جهة، أما الشريعة الإسلامية فهى قائمة على أساس العقل والاستقلال المحققة لمعنى الإنسانية بالجمع بين مصالح الروح والجسد وإن الإسلام هاد ومرشد إلى توسيع دائرة الفكر واستعمال العقل، ومن هنا كان إلحاح الشيخ على العودة إلى القرآن واستبصار آياته بلا جمود لتأسيس النهضة المشتهاة.

وانطلاقا من عمله بمبدأ إعمال العقل رأى الشيخ أن المدنية الغربية من الإسلام لأن الإسلام دين العقل والمدنية تقوم على العقل، وإن كان الغرب قد سبقونا فى التطبيق إليها فهذا لا يعنى أنها خارجة عنا، لذلك فهو يستعيض مثلا عن فكرة «أهل الحل والعقد» بمجالس النواب أو البرلمانات، ويرى أن برلمان تركيا الذى أنشأه كمال أتاتورك قبل إلغاء الخلافة يقترب من فكرة أهل الحل والعقد فى الإسلام، قائلا: قد صار أهل الجمعية الوطنية فى أنقرة أصحاب الحل والعقد بالفعل، مستبعدا فقهاء الإسلام فى مصر من الانضمام إلى هذه الجماعة بسبب «انكماشهم فى زوايا المساجد وابتعادهم عن مجابهة مشاكل العصر».

وائل السمرى يكتب: الإمام محمد عبده..مجدد الإسلام وسراج المسلمين..قال: إذا تعارض العقل وظاهر الشرع أخذنا بما دل عليه العقل متفقا مع آراء الإمام الغزالى وأفتى بتحليل الرسم وحارب جهل الناس بالسنة النبوية
الثلاثاء، 7 أغسطس 2012 - 10:16

الإمام محمد عبده
بقلم وائل السمرى



الأمة العاقلة لا تظلم، تلك هى القاعدة والمبدأ، والسبيل والغاية، والمشكلة والحل.. جملة أطقلها الإمام محمد عبده بعد أن أيقن من أن الإصلاح يبدأ أولاً من إصلاح الأمم، فعمل بكل ما أوتى من قوة على الإصلاح، مردداً قوله تعالى: «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب» فأناب إلى الله معتمداً على نوره المنثور فى الأكوان والأرواح، محتسباً أجره عند ربه، صانعاً اتجاهاً فكرياً محافظاً ومتجددا، أنار لنا قرنا من الزمان بنور المعرفة الحقة والاستبصار السليم، غير عابئ بأنصار الظلام ومروجى ثقافة الخنوع والاستسلام.

هو الإمام محمد عبده (1849/ 1905) المولود فى محافظة البحيرة بقرية محلة نصر بمركز شبراخيت، هو ذلك المناضل الذى عاش حياته يدافع عن القيم الإسلامية النبيلة منتصراً للشعوب العربية والإسلامية، مدافعاً عن ثوراتها، وقائداً لنهضتها، ومحارباً من أجل إعلاء كلمة دينها وارتفاع قامتها فى دنياها، حيث رافق الإمام جمال الدين الأفغانى فى دعوته إلى توحيد كلمة المسلمين وجاهد معه فى السراء والضراء وحينما أتت الثورة العرابية انضم إليها مدافعاً عنها مكتويا بنارها، وصار من قادتها، ليذوق بعد انتهاء الثورة مرارة النفى وقسوة السجن بعدما تجرع آلام الهزيمة، وأثناء منفاه يدعوه أستاذه جمال الدين الأفغانى إلى السفر إلى باريس ليؤسسا جريدة «العروة الوثقى» التى تبنت منهجاً إصلاحياً ثورياً إسلاميا يدافع عن العقيدة والشريعة ويرد اتهامات المستشرقين، ويحث المسلمين على الجهاد والتوحد والنهوض، وبعد تضييق كبير ووساطة بعض أصدقائه فى القاهرة يعود الإمام إلى وطنه بشرط اشترطه الخديو توفيق عليه وهو ألا يعمل فى السياسة، فقبل الإمام الشرط راضيا غير مستسلم، فقد عزم على استكمال الجهاد بثورة فى الفقه والفكر والتعليم والإصلاح لأنه أيقن من حقيقة أن «الأمة العاقلة لا تظلم».

استمر الإمام فى نهجه الإصلاحى حتى تدرج فى المناصب ووصل إلى منصب مفتى الجمهورية وقد كان أول شاغل لهذا المنصب الرفيع، بعد أن كان قديماً ملحقاً بمشيخة الأزهر، ولأن الإمام كان يعرف أنه إمام أمة فقد تبنى منهجاً إصلاحياً جدد به شباب الإسلام ظهر فى كتبه وفتاواه، فجذب حوله التلامذة من مختلف التخصصات، فأصبح منهم السياسى ومنهم رجل الدين ومنهم الأديب، فتحلق حوله كل من الشيخ محمد مصطفى المراغى والشيخ مصطفى عبدالرازق والشيخ محمد رشيد رضا والشاعر حافظ إبراهيم، والشيخ المجاهد الفلسطينى الشهيد عز الدين القسام وشيخ العروبة محمد محيى الدين عبدالحميد والزعيم الكبير سعد زغلول والمصلح الاجتماعى قاسم أمين والأديب طه حسين وغيرهم كثيرون.
نظر الإمام إلى الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية، فأيقن من أن الركود والجمود الضاربين فى جسد الأمة العربية بسبب ابتعاد الناس عن روح الإسلام التى أنارت العالم وأضافت إليه وجددته وطورت معارفه، ولما تأمل الإمام الفرق بين زمنه وزمن الحضارة الإسلامية وجده يكمن فى أن الزمن الحضارة كان يحتضن عشرات الأئمة المجددين، أما زمنه فيس به إلا المقلدون التابعون المزيفون الذين اختصروا الدين فى بعض الشكليات التى لا تنفع وتفيد، ولذلك كان من أوائل الداعين إلى فتح باب الاجتهاد، والذى كان إغلاقه سبباً من أسباب أزمة المجتمع الإسلامى وجمود الفكر، وانصراف الكثير عن الأخذ بأحكام الشريعة، كما دعا إلى قراءة النصوص الدينية فى ضوء المتغيرات الحديثة، واضعاً مصالح الأمة فوق كل اعتبار دون الخروج عن ثوابتها القطعية، متبنياً نظرية مقاصد الشريعة التى تبلورت على يد الإمام الغزالى والعز بن عبدالسلام والإمام الشاطبى، وفى ذلك يقول الإمام محمد عبده: إن الدين أنزل لمصلحة الناس وغيرهم، وأن من أصوله منع الضرر والضرار، كما دعا إلى الاستفادة من الفقه الإسلامى كله وعدم الاقتصار على مذهب واحد، فدرس مذهب الإمام مالك والإمام أبى حنيفة وحينما تولى الإفتاء كان يستفيد من منجزات المذاهب الأربعة بالإضافة إلى المذهب الجعفرى، معتمداً على عقله الذى يعرف المصالح من المفاسد من دون أن يجور على شريعة الله ولا منهجه الذى أضاء العلم وهو فى ذلك يقول: «إن الإسلام يقاضينا إلى العقل، ومن قاضاك إلى حاكم فقد أذعن لسلطته، فكيف يمكنه بعد ذلك أن يجور أو يثور عليه؟»، ومعنى هذا أن الإسلام خاطب العقل فى الإنسان وأن سبب دخول الناس إليه هو الاقتناع العقلى وسبب التزام الناس بتعاليمه هو اقتناعهم العقلى فكيف بالإسلام وهو الذى ارتضى أن يكون العقل حاكما أن يلغيه أو يهمشه؟ وهو أيضاً صاحب المقولة الشهيرة: «إذا تعارض العقل وظاهر الشرع أخذنا بما دل عليه العقل»، متفقاً فى ذلك مع الإمام الغزالى الذى قال: «إن لنا معياراً فى التأويل، وهو أن ما دل نظر العقل ودليله على بطلان ظاهره، علمنا ضرورة أن المراد غير ذلك»، بما يعنى أنه إذا وجدنا نصاً من نصوص الشرع، لا يتفق معناه الظاهر مع حكم العقل، علمنا أنه لا بد من أن يكون لذلك النص معنى غير معناه الظاهر، ووجب علينا أن نحاول تأويله تأويلا يخرج منه المعنى المقبول عقلاً.
من هنا بدأ الإمام فى إبعاد الشبهات حول الإسلام، وكان السائد وقتها فى أوروبا أن الإسلام لا يعلى من شأن العقل وأن الأمة الإسلامية تعتقد أنها مجبرة على أفعالها، وأن علينا أن نستسلم لما يمليه علينا المحتل لأن الله كتب ذلك، فكانت انتفاضة الإمام الكبيرة من أجل الدفاع عن دين الإسلام واستقلال بلاد الإسلام، مؤكداً أن الحرية مبدأ إسلامى واضح، وهو الأمر الذى «اهتدى إليه سلف الأمّة فقاموا من الأعمال بما عجبت له الأمم»، وأن الحرية لا تتجزأ.. حارب الإمام حرباً ضروساً من أجل إنصاف المرأة المسلمة التى ظلمتها عصور التخلف وأرجعتها متاعاً يستهلكه الرجل بعد أن أنصفها الإسلام وساوى بينها والرجل واعتمد عليها فى ازدهار حضارته وتقوية مجتمعه.

فيقول الإمام إن الإسلام: أبعد من أن يكون حجر عثرة فى سبيل تطور المرأة، وإنه على العكس من ذلك يميل إلى رد حقوقها»، مؤكداً أن أن المسلمين لم يأخذوا بما جاء به القرآن من أحكام فى شأن المرأة بل أهملوه، وارتدوا فى كثير منها إلى ما كانت عليه المرأة فى «جهالة الجاهلية».

مستشهداً بالقرآن والسنة والتاريخ صرخ الإمام مطالباً بحرية المرأة، قائلاً إن الله خلق الذكر والأنثى «مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ» فكيف يفرق بينهما؟ موضحاً أن «كلاًّ منهما بشر تام، له عقل يتفكر فى مصالحه، وقلب يحب ما يلائمه ويسرُّ به، ويكره ما لا يلائمه، وينفر منه»، ومؤكداً أن احتكار المرأة الذى تتسرب إلى بعض الدعاوى المنتسبة إلى الإسلام ناتج عن الإسرائيليات التى كانت تحتقر المرأة وتعتبرها مخلوقا غير كامل، وفى ذات الوقت يؤكد الإمام أن للرجال على النساء درجة كما هو واضح فى القرآن الكريم، وهذه الدرجة راجعة لأمور «كسبية» أى مكتسبة من الحياة من حيث إن الرجل يسافر ويتاجر ويعرف ما لا تعرفه النساء، وهو الأمر الذى يتغير بتغير العصر، أما الأمر الثانى فهو راجع إلى الفطرة التى فطرنا الله عليها من حيث إن المرأة أضعف جسمانياً من الرجل، ولهذا كفل الله للرجل «القوامة» غير أنه يجتهد مع قول المفسرين بأن الرجل مفضل عن النساء لأن شهادة رجل بشهادة امرأتين، فقال الإمام إن هذا الحكم ينطبق على المعاملات المالية فقط، وذلك لأن المرأة لم تكن وقت نزول القرآن تخرج من بيتها ولا تتاجر ولذلك فإنها معرضة للسهو والنسيان، فهذا الحكم ليس لنقصان فى عقل المرأة أو أهليتها ولكن لعدم خبرتها بهذه الأمور، ومع ذلك فقد اكتفى الإسلام بشهادة امرأة واحدة فى أمور الرضاعة والولادة وعدده المحرم وهذا يدل على أن الخبرة هى الفيصل وليس نقصان الأهلية فى جنس النساء عن جنس الرجال، أما فى الميراث فيستشهد الإمام بقول الله تعالى: «للرِّجَالِ نَصِيبٌ ممَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْربَوُنَ وَاِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْواَِلدَانِ وَالأَقْربُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرََ نَصِيباً مَفْرُوضاً» وهى الآية الى فسرها بأن فيها تقريرا لحق المرأة فى الميراث وأنه ليس للرجل وحده، كما أنصف الإمام المرأة وطالب بتعليمها قائلاً: كيف تسعد فى الدنيا أو الآخرة أمة نصفها كالبهائم لا يؤدى ما يجب عليه لربه ولا لنفسه ولا لأهله ولا للناس، والنصف الآخر قريب من ذلك، مؤكداً أن الإسلام أمرنا بتعليم المرأة حينما أمرنا باتباع أهل العلم وحثه على التعليم واكتساب الخبرات والمشى فى الأرض متأملين حكمة الله فى خلقه، كما كان الإمام واضحاً فى مسألة تعدد الزوجات، مؤكداً أن الإسلام لم يقر تعدد الزوجات كهدف فى ذاته وإنما أقره كهدف اجتماعى وهو الحفاظ على أموال اليتيمات كما اشترط الإسلام فيمن يتزوج بأكثر من واحدة أن يكون عادلاً وفى ذلك طالب بتقييد تعدد الزوجات وضبطه وناشد العلماء إعادة النظر فى هذه المسألة وتحريم تعدد الزوجات إلا فى حالة الضرورة.

سياسياً لم يغب الإمام محمد عبده عن المشهد تماماً فقد كان أول نصير للنظام الديمقراطى البرلمانى ونادى قبل الثورة العرابية بتغيير النظام السياسى وإنشاء جمهورية صغيرة وهو الذى حرر بنفسه برنامج الحزب الوطنى، كما أنه تحدث بوضوح شديد عن مدنية السلطة السياسية فى الإسلام، ويظلمه من يدعى أن الإمام كان يرسخ للاستبداد حينما نادى بحكم المستبد المستنير أو المستبد العادل، لأنه حارب فكر محمد على بكل ما أوتى من قوة وكان يهاجم فترة حكمه كثيراً، مؤكداً أن كان مستبداً ولم يكن عادلاً، وإنما دعوته التى قال فيها إن الشرق لن ينصلح إلا بمستبد عادل إنما هى شىء أشبه بما نسميه بالشرعية الثورية الآن، ذلك لأن الناس بعد فترات الخمول والركود غالباً ما تستسلم لثقافة الخنوع والاستسلام، وإن ترك لها الخيار لاختارت ما تعودت عليه، ولذلك كان يرى أن الحل فى أن يتولى الحكم مستبد عادل يقيم الشرائع ويحقق المساواة ويرجع الحقوق لأصحابها ويعمق الثقافة البرلمانية والديمقراطية ومن ثم يتحول المستبد العادل إلى عادل فقط، وفى ذلك كله يؤكد الإمام أن «الخليفة عند المسلمين ليس بالمعصوم ولا مهبط الوحى، ولا يخصه الدين بمزية فى فهم الكتاب والعلم بالأحكام، بل هو وسائر طلاب العلم سواء، وهو مطاع ما دام على الحجة ونهج الكتاب والسنة والمسلمون له بالمرصاد إذا انحرف عن النهج أقاموه عليه، وإذا اعوج قوموه بالنصيحة»، بل إنه يؤكد حق الأمة فى عزل حاكمها متى أيقنت من فساده وجوره قائلاً: «الأمة صاحبة السيطرة على الحاكم وهى التى تخلعه متى رأت ذلك من مصلحتها فهو حاكم مدنى من جميع الوجوه وليس فى الإسلام سلطة دينية إلا سلطة الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير والتنفير عن الشر، وجزاء لهذه الرؤية العميقة فى الفهم السليم للإسلام سلط عليه الخديو شيوخه الذين كفروه وهاجموه وشوهوه.

أما عن دور الإمام فى مقاومة الاحتلال الأجنبى لمصر فيلخصه المستشار طارق البشرى فى القول إن جمال الدين الأفغانى وضع اللبنات الأولى فى فكرنا الإسلامى الحديث فى مسألة مقاومة الاستعمار، بينما محمد عبده وضع اللبنات الأولى فكرة «المقاومة للقابلية للاستعمار»، وهذا أمر ربما يكون طبيعيا، الأفغانى كان يجاهد قبل الاحتلال ومن ثم كان لابد من الوقوف بكل قوة أمام المعتدين، بينما الإمام وجد نفسه وبلده مستعمرا بالفعل فحارب تمكين الاستعمار لنفسه فى الأرض وحارب فكرة انسلاخ المسلمين من هويتهم الإسلامية، فدافع عن الإسلام ضد الشبهات التى كانت تحيط به، وأكد أنه دين العلم والمدنية، ولعل هذا ما يبرز بوضوح فى رسالته إلى الكاتب فرح أنطون التى رد فيها عليه بعدما قال إن الإسلام يعيق دولة العلم فقال فى مقالة هى نموذج للحوار الهادف ورد فيها نصا: الفاضل فرح أنطون كان ظالماً للإسلام سواءٌ لجهة قوله بالتناقَض بين الإسلام والعلم، أو لجهة قوله إنّ الإسلام مُعيقٌ للتطوير السياسى. ذلك أنّ العلومَ ازدهرت ازدهاراً عظيماً فى ظلّ الإسلام، وبتشجيعٍ منه، والأحداثُ القليلةُ المتعلقة بملاحقة بعض العلماء ومنهم ابنُ رشد، لا تدُلُّ على موقف إسلامىٍ دينىٍ من العلم، بل كانت لذلك دوافعُ سياسيةٌ فى الغالب. أمّا علاقةُ الدين بالدولة فقد كانت دائماً ذات طابعٍ انسجامى، فالدولةُ دولةُ الإسلام، وليس فى الإسلام كهنوت، ولا قولٌ بالدولة الدينية بخلاف ما كان عليه الأمر فى المسيحية.

«لقد تركت لكم الشيخ محمد عبده وكفى به لمصر عالما» تلك هى الكلمة التى قالها جمال الدين الأفغانى حينما سافر من مصر، وللحق كان محمد عبده نعم العالم، ونعم المجدد فقد ترك مجموعة فتاوى دينية كبيرة كان من شأنها أن تصالح بين الإسلام ومستجدات العصر، فحفظت الإسلام من الاصطدام بالعلوم الحديثة، فأباح إيداع الأموال فى صناديق التوفير وأخذ الفائدة عليها، وحلل ذبائح أهل الكتاب، وأجاز ارتداء ملابسهم، وانتهج نهجا يعتمد على العلوم الطبيعية الحديثة فى التفسير، وحارب جهل الناس بالسنة النبوية، مؤكداً أن أسباب هذا الجهل تنحصر فى الفهم المغلوط لمضامين الدين ومعايير الحياة والتقليد الذى تسبب فى انصراف الناس عن توظيف سنن الله لصالحهم والإفادة منها، وأن إحياء الدين يتطلب إحياء لتعاليمه الآمرة بالنظر فى التاريخ الذى يشرح ما عرفه الذين ساروا فى الأرض ورأوا آثار الذين خلوا، ثم دراسة التاريخ وأحوال البشر، والاعتبار بالقصص القرآنى، والنظر فى الكائنات وأحوالها والتعمق فى دراستها، مؤكداً أن «من وسائل الوصول إلى معرفة السنن البحث فى علوم الكائنات وجعل ذلك أصلاً من الأصول التى دارت عليها سورة الأنعام وهو الترغيب فى علوم الكائنات والإرشاد إلى البحث فيها لمعرفة سنن الله وحكمته وآياته الكثيرة فيها الدالة على علمه وحكمته ومشيئته وقدرته وفضله ورحمته».

دعوة محمد عبده للتأمل هنا تجعلنا ننظر إلى موقفه من الصوفية، فقد كان الإمام متصوفا وهو صغير وعلم دقائق هذا الاتجاه، ولذلك فقد رحب بالتصوف الحق الذى لا يرسخ الخزعبلات والطقوس الغربية وارتكاب المحرمات مثلما يحدث فى الموالد، قائلاً إن التصوف هو تهذيب أخلاق العامة وتقويم عاداتهم وترويض نفسوهم بأعمال الدين وجذبها إليه وجعله وجدانا لها»، وهو فى ذلك يفرق بين المقصد الأول للتصوف وما لحق به من شبهات أساءت إليه، فقد كان الإمام يدعم كل ما يهذب الروح وينمى الفكر ويأجج الوجدان بنور الله الممتد فى الأكوان، وهذا هو السبب الذى جعله يرغب الناس فى الفن التشكيلى مؤكدا عدم حرمته لأنه من وجه نظره «ضرب من الشعر الذى يرى ولا يسمع والشعر شرب من الرسم الذى يسمع ولا يرى»، قائلا إن الفائدة محققة من الرسم لا نزاع فيها وإن الإسلام حرمه لسببين، الأول إذا تبرك به الناس والثانى إذا كان الفن لهوا، وهذا ما لا يوجد فى الرسم الجاد الداعى إلى الجمال والتهذيب الروحى والنفسى، كما أن موقف الإمام من الرواية هو نفسه موقفه من الرسم، وليس أدل على ذلك من الخطاب الذى أرسله إلى الروائى الروسى الشهير تولوستولى حينما عاقبته الكنيسة بالحرمان حينما نشر كتابا يعلن فيه عدم اقتناعه بألوهية المسيح، فبعث إليه ببخطاب يستدل منه على أن الإمام كان قارئا متأملاً له، فقال فى هذا الخطاب مواسياً: فكما كنت بقولك هادياً للعقول كنت بعملك حاثا للعزائم والهمم ولما كانت آراؤك ضياء يهتدى به الضالون كان مثالك فى العمل إماما يقتدى به المسترشدون وكما كان وجودك توبيخا من الله للأغنياء كان مددا من عنايته للضعفاء والفقراء.


وائل السمرى يكتب: جمال الدين الأفغانى.. أعلم العلماء وأفقه المتقين.. آمن بالعقل وقدرته وبأن الحرية أساس إسلامى وحارب التعصب المذهبى والطائفى والدينى وأطلق على مروجى التعصب لقب «تجار الدين»
الإثنين، 6 أغسطس 2012 - 10:03

جمال الدين الأفغانى
بقلم وائل السمرى



هو مثل الشعلة التى أينما حلت أنارت ما حولها، يحلم بالعدالة المطلقة والسلام الحقيقى والعلم الخالص النافع، يرق قلبه للجائعين الضعفاء المساكين المرضى، لا يرى فى العالم شرا بقدر ما يراه فى ظلم الإنسان لبنى جنسه، مفكر من جبابرة الفكر الإنسانى، وفقيه وعالم وباحث صادق، عاش حياته ليتعلم ويعرف فأضاءت معرفته تاريخ الإنسانية، يقدس رابطة الدين بين المسلمين فى أقاصى البلاد وأدانيها، يحترم الأعراف والتقاليد والقوميات الخاصة، يؤمن بحرية الإنسان وقدرته على التحليق إلى آفاق الخيال، ولا يرى فرقا بين الخيال والواقع إلا بمقدار الإرادة الإنسانية وقدرتها على الصمود والتطور، إن ضعفت الإرادة بعد الفرق بين المتخيل والواقع، وإن قويت الإرادة اقترب الخيال من الواقع، هو أيضا المناضل الصامد الذى لا يلين أمام مدافع العدو سواء الحربية أو الفكرية، جندى شجاع لا يخاف من نار ولا يتهيب من الحوار، هو الرحالة الذى عرف الشعوب ووعى ثقافاتهم فصار جامعة دول متسامحة لا ترى فضلاً لعربى على أعجمى إلا بالتقوى، هو ذلك الأفغانى الذى أتى من بلاد سحر الشرق، فطاب له فى مصر المقام فأحبها وقدسها وعمل من أجل تطويرها وتنميتها فكرياً وروحياً وأدبياً ونهضوياً فصار أحد أكبر أعلامها وأهم رموزها وصائغ نهضتها وصانع خطتها التى شكلت هوية مصر الحديثة، فكتب له الله من التلاميذ المخلصين من خلد ذكره ونفع الخلق بفكره.

عنه يقول العلامة المحقق أحمد حسن الباقورى: «لا ريب أن الله تعالى مسخر لجمال الدين الأفغانى ولكل ذى مذهب صالح صادق من يكون لسان صدق فى الدفاع والإقناع فإذا جمال الدين ملء الأسماع ومشتهى الأبصار ثم إنه بعد أن ضمه القبر أعلى قدرا وأرفع ذكرا وأجل جلالا وأعظم هيبة مما كان بين تلاميذه ومريديه والإمام جمال الدين من أؤلئك الزعماء الفادرين بالفضل بين الناس تزيدهم الأيام فى موتهم وفى تقادمهم جدة وحاجة المجتمع إليه لا يشتد هتافها به ولا تمنيها له من حيث هو أعلم العلماء ولا أفقه المتقين وإن كان هو أعلم العلماء وأفقه المتقين ولكن لأنه كان رجلا منطلق الفكر بين طبيعة الحياة وحقيقة الدين وهو مع ذلك يحب أن يجمع بقدر ما يكره أن يفرق ويحب أن يتسامح بقدر ما يكره أن يتعصب وكلما حاولت أن أتخيل وجه رسول الله وجدت أول الطريق إلى هذا الخيال الجميل فى وجه السيد جمال الدين فى إشارة منه إلى نسبة الشريف.

عاصر جمال الدين الأفغانى (1839 – 1897م). وهو المولود بعاصمة افغانستان «كابول» تطور مصر وتقدمها الفكرى على يد الإمام حسن العطار وتلميذه رفاعه الطهطاوى، فرأى فيها ملكات وخصائص لم تكن متوفرة فى غيرها، وبعد أن كان ينوى أن يمر سريعا على القاهرة طاب له المقام فيها وتجسد حلمه بها فهدأت روحه التى كانت لا تطيق الركود ولا تصبر على القعود حالما بأن يجمع العالم الإسلامى على كلمة واحدة يكون فيها المسلم أخا المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، يشاركه حلمه وأمله وطعامه ورحمته، فيعم السلام الروحى على الجميع وتنعم بلاد الإسلام بثرواتها المتدفقة بدلاً من أن ينعم بها محتل غاصب أو حاكم غاشم أو جاهل مستبد مبدد.

يرتقى نسب الإمام جمال الدين الأفغانى إلى بيت النبوة الشريف، فهو حفيد الإمام على زين العابدين بن الحسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنه، ويبدو أنه قد ورث من آل بيت رسولنا الكريم شجاعة الرأى ونبل المقصد وقوة الحجة ومحبة العلم فجمع حوله كل نفس كريمة وكل عقل متوقد وكل قلب لاهث يهفو للاطمئنان ويبحث عن الحقيقة والأمن الروحى والوطنى والعالمى، حالمين بجمع روافد العالم الإسلامى فى مصب واحد لتتضاعف قوته، فى مواجهة الخطر الأوروبى ويصلح من نفسه سياسياً واجتماعياً ويستيقظ من سباته العميق.
رأى الأفغانى بعينه فى بلاد «أفغانستان» ما يفعله التشتت والتفرق بين الإخوة من اضمحلال وفساد وخراب على البلاد، ورأى فى الهند أن الاستعمار يعمل على تفتيت الأمم وإضعاف إيمانها متربصا بكل بلاد العالم، ورأى كيف أن العنصرية أكلت الغرب حتى ظن أنه أفضل من شعوب العالم فأطلق صرخته الإصلاحية المستنيرة ليستنهض المسلمين من غفوتهم، لتترك الأمة الضعف وتجنح إلى الاتحاد وتنبذ الجهل وتتمسك بقيمها الخلقية والروحية التى تدعو إليها الأديان، مؤكداً أن ضعف الدول الإسلامية ليس ناتجا عن عيب فى الدين نفسه وإنما لابتعاد المسلمين عن إتقان العلوم وتنقية الروح من الخمول ونزع الرتابة والتقليد عن أفكارنا الدينية التى تدعى أن الخير كل الخير فى النقل والشر كل الشر فى العقل، داعياً إلى تفجير الإمكانيات العقلية لدى الإنسان المسلم ليعود إلى سيرته الأولى وقت أن كان سيداً للعالم وصانعاً لحضارته وتقدمه.

ولئن كانت دعوة الأفغانى هذه قد لاقت رواجاً كبيراً بمصر ووجدت لها أتباعا ومريدين وتلامذة فهذا لأن من سبقوه من المصريين كانوا قد مهدوا المجتمع لمثل هذه الدعوات، وعلى رأسهم الإمام حسن العطار ورفاعه رافع الطهطاوى، ولذلك أصبحت مصر تربة خصبة لمثل هذه الأفكار التحريرية، ولم يكن الأفغانى يرى أى مانع دون وصول الأمة الإسلامية إلى ما تشتهى من تقدم وسمو إلا مكوث الحكام الظلمة على جسد هذه الأمة، فقد كان يرى أن حكام المسلمين وقتها غير جديرين بمناصبهم، ولا يهتمون إلا بإشباع شهواتهم الحسية، ولذلك أصبحوا فريسة سهلة لكل آكل.

ولعل روح الأفغانى الذى كان جنديا فى ميادين القتال ظلت على عهدها من شجاعة وتوثب وهو فى ميادين الفكر، وأهلته تلك الروح لخوض غمار المناطق الفكرية الوعرة والتصدى لما لا قبل لأحد به، وكذلك فإن معرفته الواسعة بالعلوم والرياضيات وشغفه بالمعرفة حصنه أمام الغزوات الفكرية المتتالية ومرس عقله ليصبح حجة من حجج الإسلام فى الدفاع عن الهوية الإسلامية المتحضرة الحديثة، ولعل شهرة الأفغانى وصيته الذائع هى التى جعلت مصر تستقبله أحسن استقبال حينما أتى إليها زائراً عام 1871 فأقام بها ثمانى سنوات قام فيها بإلقاء المحاضرات، وكون خلالها مجموعة تلاميذ، لعبوا دورا هاما فى مستقبل مصر السياسى. منهم الإمام محمد عبده وسعد زغلول، الذى أصبح فيما بعد بطل مصر الوطنى وزعيم ثورة 1919، ورئيس الوزراء. ومن تلاميذه أيضاً، محمود سامى البارودى، وعبدالسلام المويلحى، وإبراهيم المويلحى، وإبراهيم اللقانى، وعلى مظهر وسليم النقاش وأديب إسحق وأحمد لطفى السيد، فقد جمع الأفغانى كل المخلصين على اختلاف مشاربهم واختلافاتهم، فصاروا نواة لصحوة وطنية كبيرة بعد أن تسلحوا بمقومات هويتهم العربية الإسلامية المصرية، فقد كان الأفغانى يدرس لتلاميذه فى منزله مفهومه للإسلام الصحيح، وإلى جانب دراسة الإسلام كدين وفقه، كان يشرح لتلاميذه أصول الشريعة والتصوف والفلسفة الإسلامية، وهى العلوم التى كانت شبه مجهولة فى مصر آنذاك، وللحق فإن هؤلاء التلاميذ النجباء ما أن شعروا بعلمهم يفيض حتى أنشأوا الجرائد مثل جريدة «مصر» وجريدة التجارة «التجارة» اللتين كان الأفغانى يكتب لهما تشجيعاً لتلامذته فحققت رواجاً كبيراً وقتها، وأخذ أيضاً يدعم روح الثورة على الأوضاع الاستبدادية القائمة ومقاومة روح الخنوع أمام قوات الاحتلال والتى كان يرعاها الخديو توفيق فتم القبض على الأفغانى فى العام 1871م ونفيه إلى الهند بإيعاز من الإنجليز.

وفى الهند منع من الاختلاط بالناس وكان تحت الرقابة المباشرة من الإنجليز، عندما قامت الثورة العرابية، نقلته حكومة الهند إلى كلكتا حتى انتهت الثورة العرابية باحتلال انجلترا لمصر عام 1882م، كما لو كان الإنجليز يعلمون أنه سيكدر عليهم احتلالهم لمصر وسيدعم الثورة ضدهم، ولما استقام له الأمر فى مصر سمح له بالتنقل فى بلاد العالم عدا بلاد الشرق، فسافر إلى لندن عام 1883م. ومنها إلى باريس، ليلتحق به تلميذه محمد عبده من منفاه فى بيروت عام 1884م.

فى باريس أخذ المعلم الكبير جمال الدين يدعم روح اليقظة والتفاؤل عند تلميذه وصفيه محمد عبده الذى كان يعانى من موجات تشاؤمية متزايدة بفعل ما رآه من خذلان فى الثورة العرابية، لكن أستاذه وأباه الروحى خفف عليه مصيبته فى وطنه، واستنهض روحه مرة أخرى ليحررا جريدة «العروة الوثقى» التى تستلهم قول الله تعالى: ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور.

فى هذه الجريدة أخذ الثنائى «الأفغانى وعبده» يكشفان عن المخططات الاستعمارية المقيتة، ويبثان الأمل فى النفوس، متبنين منهج التمسك بالأصول والقيم النبيلة، والدفاع عن أهل الشرق وإعلامهم بما يدور من حوادث سياسية فى الغرب وكان يرسل جريدته سراً إلى البلاد العربية والإسلامية حتى يستنهضهم ويحثهم على الجهاد والدفاع عن أوطانهم وعقيدتهم، وهو الخطر الذى استشعره المحتلون وأعوانهم سريعاً فضيقوا عليها حتى اختفت.

ومن أوربا إلى إيران سافر الأفغانى ليعمل مستشاراً للشاه ناصر الدين، لكن الأفغانى الذى لم يتعود على مجالسة الملوك والسلاطين اختلف مع الشاه مما جعله ينقلب عليه سريعاً بعد عام واحد، فطرده شر طردة من إيران، وحملوه على الثلج إلى دار الحكومة ثم حملوه وهو مريض على دابة مسلسلاً. وساقوه إلى خانقين» ومنها سافر إلى البصرة يعانى ألم المرض الذى اشتد عليه من هذا الحادث، وكاد يودى به، وهو ما جعل الأفغانى ينقلب على الشاه هو الآخر فأخذ يكتب إلى علماء الدين ليهيجهم على الشاه، واصفاً إياه بأقبح الصفات ويبين ضرره على الأمة ويثير عاطفتهم الدينية ليثوروا عليه ومستغلا ما يظهر من أفعال سيئة من الشاه ليقبح وجهه عند العلماء والعامة، فساهم فى إخراج مجلة شهرية بعنوان «ضياء الخافقين» فضح فيها حكومة الشاه، وسوء إدارته للبلاد وتفشى الرشوة وتعذيب المواطنين.

واستجابة لدعوة السلطان عبدالحميد سافر الأفغانى إلى تركيا بشرط أن يصلح السلطان من سياسته فيها، ولما عرض السلطان عليه منصب شيخ الإسلام، رفض، إلا إذا عدّل النظام من أساسه أولا، إذ كان يرى أن عبدالحميد «ذكى واسع الاطلاع واسع الحيلة، لكنه جبان يفسد عليه جبنه ذكاءه ومعرفته» ولما وعى السلطان بخطورة الإمام الأفغانى عليه وعدم رضاه عنه إلا إذا أصلح البلاد وقام بسلطاته الروحية كخليفة للمسلمين على أكمل وجه فرض عليه الإقامة الجبرية فى القصر، ويقال إنه خاف منه حينما قتل الشاه ناصر الدين على يد أحد تلامذة الأفغانى فأوعز إلى طبيب الأسنان الملكى أن يدس له السم فى حشو أسنانه فمات العالم الجليل سنة 1897.

ومن يتأمل منهج الأفغانى فى بث الوحدة بين البلاد الإسلامية يجد أننا فى أمس الحاجة الآن إلى مثل هذا الرجل فقد قال عنه العلامة الكبير شيخ الأزهر الجليل مصطفى عبدالرازق أنه حوى الشرق كله ومازال تأثيره قائما حتى الآن فى مصر وإيران وتركيا» فالأفغانى الذى كان أول من نادى بالوحدة بين المسلمين وإنشاء جامعة للدول الإسلامية كان شديد الكراهية لروح التعصب والتفريق بين أبناء البلد الواحد، وكان كما قيل عنه أكثر حكماء المسلمين وأئمتهم توسعاً فى معنى المساواة وأكثرهم ميلا للعمل به، وقد كان الدين عنده محفزاً على إكساب البشر رسالة أنه أشرف المخلوقات وأنه ملك هذه الأرض، وكان يجزم بأن «لا يوجد فى الأديان الثلاثة «الإسلام والمسيحية واليهوية» ما يخالف المجموع البشرى بل على العكس تحضه على أن يعمل الخير المطلق مع أخيه وقريبه وتحظر عليه عمل الشر مع أى من كان، بل يفسر الأفغانى ما نراه من احتقان وصراع دينى بأنه من عمل تجار الدين فيقول: «وأما اختلاف أهل الأديان فليس هو من تعاليمها ولا أثر له فى كتبها وإنما من صنع بعض رؤساء أولئك الأديان الذين يتاجرون بالدين ويشترون بآياته ثمنا قليلا» بل يتوقع أن يحاربه أولئك الذين يتخذون دين الله «حانوتا» أو إن شئت قل «مشروعاً» كما يسمونه الآن قائلاً: «علمت أن أى رجل يجسر على مقاومة التفرقة ونبذ الاختلاف وإنارة أفكار الخلق بلزوم الائتلاف رجوعاً إلى أصول الدين الحقة فذلك الرجل يكون عندهم قاطع أرزاق المتاجرين فى الدين وهو فى عرفهم الكافر الجاحد المارق المخردق المهرتق المفرق إلخ إلخ.
وبرغم أن الأفغانى كان يرى أن «الرابطة الملية» هى أقوى الروابط بين المسلمين وأن الوحدة المنشودة لابد أن تكون وحدة إسلامية، لكنه مع ذلك قد آمن بالروابط القومية بشكل كبير، وارتفع برابطة اللغة والنسب والجنس بشكل كبير، فقد هاجم المستشرق أرنست رينان الأستاذ بجامعة السوربون الذى قال إننا نخطئ حينما نقول الحضارة العربية لأن صناعها ليسوا عرباً وأن العرب أبعد الناس عن الحرية الفكرية والفلسفة والإسلام لا يشجع عليها فقال له إن العرب وإن كانوا يعيشون فى الجاهلية قبل الإسلام فهم الذين بعثوا الحياة فى البلاد صاحبة الحضارة التى فتحوها بعد أن كانت حضارتهم فى طريقها إلى الذبول فتقدمت علومهم ونمت مواردهم، وإنه لولا الحرية التى أتاحها الإسلام للمسلمين لما رأينا حركة الترجمة تزدهر وتنمو ولما صارت حضارة العرب من أقوى وأجمل الحضارات، وهو الرد الذى أعيا المستشرق المغالط وأجبره على احترامه.

ومثلما تقلب الأفغانى بين الوحدة الإسلامية إلى الوحدة العربية تقلب أيضاً من الإيمان بالرأسمالية إلى الإيمان بالاشتراكية، مؤكداً فى نهاية حياته أن الاشتراكية هى الأقرب لتعاليم الإسلام لأنها تنتصر للفقراء وتحرص على المساواة، وبعد أن كان يقول إن الاشتراكية: «أفكار المصابين بالماليخوليا» وأنها «تمحو جميع المحاسن وضروب الزينة وفنون الجمال العملى» نجده فى آخر حياته يقول: «إن غاية السلطة هى العدل المطلق» بل نجده يقول إن الأغنياء سلاسل وأغلال فى أعناق المسلمين، وأن «الاشتراكية هى التى ستؤدى حقا مهضوما لأكثرية الشعب العامل» وهو التحول الذى يؤكد أن ذمه للاشتراكية لم يكن إلا اندفاعاً حماسياً نتيجة اختلافه مع الاشتراكية الأوروبية، وما عودته إليها إلى عودة الراجع إلى الحق العالم بأن الفقراء هم صلب الحياة ومرآة الشعوب، كذلك ليقينه أن الاشتراكية هى التى تتوافق مع تعاليم الإسلام الحنيف الذى يأمر بمراعاة الفقير والضعيف.
أما لو أردت أن تعرف السبيل الذى ارتضاه الأفغانى لنفسه والمرشد الذى سار عليه نهجه فإنى سأجيبك بلا تردد «هو العقل» ولتقرأ معى قوله التالى: «إن الإنسان من أكبر أسرار هذا الكون ولسوف يصل بالعلم وبإطلاق سراح العقل إلى تصديق تصوراته فيرى ما كان يراه مستحيلاً وقد سار ممكناً» أى أنه يجعل من العقل سبيلاً لتحقيق المعجزات متحدياً أولئك الذين أغلقوا باب الاجتهاد ورأوا أن من «حفظ المتون فقد حاز الفنون» وأن كل شىء خير فى النقل وكل شىء شر فى العقل».

وقف جمال الدين الأفغانى بحسب تعبير المفكر الإسلامى محمد عمارة «كالإعصار الكاسح والبحر الهادر يمجد العقل فى أفكاره ومناظراته ومناقشاته وفى تفسيراته وتطبيقاته فجعل الحكم للعقل والعلم، وينسب له أنه كان أول من دعا إلى التفريق بين آيات القرآن والحقائق العلمية قائلاً إن «القرآن يجب أن يجل عن مخالفته للعلم الحقيقى خصوصاً فى الكليات فإذا لم نر فى القرآن ما يوافق صريح العلم والكليات اكتفينا بما جاء فيه من الإشارة ورجعنا إلى التأويل، وبفضل إيمانه بالعقل واستماتته فى الدفاع عن الإسلام قارع المشككين فيه الحجة بالحجة والبرهان بالرهان، ولما ظهرت نظرية دارون للوجود وتشكك العالم الإسلامى بسببها فى معتقداته لم يجد المسلمون غير الأفغانى ليرد على دعاة هذه النظرية الذين نقلوا مفاهيمها بشكل خاطئ، وقال إن هذه النظرية متناقضة فى متنها فالكون كله «منظم» بإحكام وهى تدعى أن سبب خلق الكون «مصادفة» فكيف تنتج الفوضى نظاماً؟ وهو الرأى الذى أسهم فى طمأنة الناس وتهدئتهم، كما أسهم فى نقل مبادئ الدارونية الصحيحة التى لا تنكر خالق النسمة الطيبة أو الروح، فأدى ذلك إلى تسامح الأفغانى مع النظرية التى لا تصطدم بالدين، وآمن بفكرة الانتخاب الطبيعى التى هى أساس الحياة.

وكان طبيعياً أن يجد عالم جسور ومناضل كبير بهذا الشكل اعتراضات كبيرة وكثيرة على أفكاره وآرائه التى زلزلت المجتمع وأرقت مضاجع الطغاة، فصاروا يكفرونه ويحاربونه ويشككون فيه، فكفرته مشيخة الإسلام فى تركيا وكفره شيوخ الخديو توفيق مثل الشيخ عليش وقال إنه رئيس جمعية سرية من الشبان ذوى الطيش مجتمعة على فساد الدين والدنيا. لكن الأفغانى الذى كان يعرف أنه مجدد شباب الأمة الإسلامية لم يكن يكترث بهذا اللغو، ويبدو أنه كان يعرف أيضاً أنه سيكون مثار جدل كبير حتى بعد موته، فقد أملى على تلميذه محمد المخزومى كتابه الأخير «الخاطرات» محذراً تلميذه من بطش السلطان وموصياً إياه بإخفائه عن الأعين وقال له فى نهايته: «إذا سلمت من خطر الطاغية وطواغيته فستصادف من أهل الجمود عنتا وتخرصاً وقلبا للحقائق فلا تبال بهم فما خلا الكون منهم ليخلو زمنك منهم وما نجا منهم مخلص لتنجو أنت.


وائل السمرى يكتب: جمال الدين الأفغانى.. أعلم العلماء وأفقه المتقين.. آمن بالعقل وقدرته وبأن الحرية أساس إسلامى وحارب التعصب المذهبى والطائفى والدينى وأطلق على مروجى التعصب لقب «تجار الدين»
الإثنين، 6 أغسطس 2012 - 10:03

جمال الدين الأفغانى
بقلم وائل السمرى



هو مثل الشعلة التى أينما حلت أنارت ما حولها، يحلم بالعدالة المطلقة والسلام الحقيقى والعلم الخالص النافع، يرق قلبه للجائعين الضعفاء المساكين المرضى، لا يرى فى العالم شرا بقدر ما يراه فى ظلم الإنسان لبنى جنسه، مفكر من جبابرة الفكر الإنسانى، وفقيه وعالم وباحث صادق، عاش حياته ليتعلم ويعرف فأضاءت معرفته تاريخ الإنسانية، يقدس رابطة الدين بين المسلمين فى أقاصى البلاد وأدانيها، يحترم الأعراف والتقاليد والقوميات الخاصة، يؤمن بحرية الإنسان وقدرته على التحليق إلى آفاق الخيال، ولا يرى فرقا بين الخيال والواقع إلا بمقدار الإرادة الإنسانية وقدرتها على الصمود والتطور، إن ضعفت الإرادة بعد الفرق بين المتخيل والواقع، وإن قويت الإرادة اقترب الخيال من الواقع، هو أيضا المناضل الصامد الذى لا يلين أمام مدافع العدو سواء الحربية أو الفكرية، جندى شجاع لا يخاف من نار ولا يتهيب من الحوار، هو الرحالة الذى عرف الشعوب ووعى ثقافاتهم فصار جامعة دول متسامحة لا ترى فضلاً لعربى على أعجمى إلا بالتقوى، هو ذلك الأفغانى الذى أتى من بلاد سحر الشرق، فطاب له فى مصر المقام فأحبها وقدسها وعمل من أجل تطويرها وتنميتها فكرياً وروحياً وأدبياً ونهضوياً فصار أحد أكبر أعلامها وأهم رموزها وصائغ نهضتها وصانع خطتها التى شكلت هوية مصر الحديثة، فكتب له الله من التلاميذ المخلصين من خلد ذكره ونفع الخلق بفكره.

عنه يقول العلامة المحقق أحمد حسن الباقورى: «لا ريب أن الله تعالى مسخر لجمال الدين الأفغانى ولكل ذى مذهب صالح صادق من يكون لسان صدق فى الدفاع والإقناع فإذا جمال الدين ملء الأسماع ومشتهى الأبصار ثم إنه بعد أن ضمه القبر أعلى قدرا وأرفع ذكرا وأجل جلالا وأعظم هيبة مما كان بين تلاميذه ومريديه والإمام جمال الدين من أؤلئك الزعماء الفادرين بالفضل بين الناس تزيدهم الأيام فى موتهم وفى تقادمهم جدة وحاجة المجتمع إليه لا يشتد هتافها به ولا تمنيها له من حيث هو أعلم العلماء ولا أفقه المتقين وإن كان هو أعلم العلماء وأفقه المتقين ولكن لأنه كان رجلا منطلق الفكر بين طبيعة الحياة وحقيقة الدين وهو مع ذلك يحب أن يجمع بقدر ما يكره أن يفرق ويحب أن يتسامح بقدر ما يكره أن يتعصب وكلما حاولت أن أتخيل وجه رسول الله وجدت أول الطريق إلى هذا الخيال الجميل فى وجه السيد جمال الدين فى إشارة منه إلى نسبة الشريف.

عاصر جمال الدين الأفغانى (1839 – 1897م). وهو المولود بعاصمة افغانستان «كابول» تطور مصر وتقدمها الفكرى على يد الإمام حسن العطار وتلميذه رفاعه الطهطاوى، فرأى فيها ملكات وخصائص لم تكن متوفرة فى غيرها، وبعد أن كان ينوى أن يمر سريعا على القاهرة طاب له المقام فيها وتجسد حلمه بها فهدأت روحه التى كانت لا تطيق الركود ولا تصبر على القعود حالما بأن يجمع العالم الإسلامى على كلمة واحدة يكون فيها المسلم أخا المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، يشاركه حلمه وأمله وطعامه ورحمته، فيعم السلام الروحى على الجميع وتنعم بلاد الإسلام بثرواتها المتدفقة بدلاً من أن ينعم بها محتل غاصب أو حاكم غاشم أو جاهل مستبد مبدد.

يرتقى نسب الإمام جمال الدين الأفغانى إلى بيت النبوة الشريف، فهو حفيد الإمام على زين العابدين بن الحسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنه، ويبدو أنه قد ورث من آل بيت رسولنا الكريم شجاعة الرأى ونبل المقصد وقوة الحجة ومحبة العلم فجمع حوله كل نفس كريمة وكل عقل متوقد وكل قلب لاهث يهفو للاطمئنان ويبحث عن الحقيقة والأمن الروحى والوطنى والعالمى، حالمين بجمع روافد العالم الإسلامى فى مصب واحد لتتضاعف قوته، فى مواجهة الخطر الأوروبى ويصلح من نفسه سياسياً واجتماعياً ويستيقظ من سباته العميق.
رأى الأفغانى بعينه فى بلاد «أفغانستان» ما يفعله التشتت والتفرق بين الإخوة من اضمحلال وفساد وخراب على البلاد، ورأى فى الهند أن الاستعمار يعمل على تفتيت الأمم وإضعاف إيمانها متربصا بكل بلاد العالم، ورأى كيف أن العنصرية أكلت الغرب حتى ظن أنه أفضل من شعوب العالم فأطلق صرخته الإصلاحية المستنيرة ليستنهض المسلمين من غفوتهم، لتترك الأمة الضعف وتجنح إلى الاتحاد وتنبذ الجهل وتتمسك بقيمها الخلقية والروحية التى تدعو إليها الأديان، مؤكداً أن ضعف الدول الإسلامية ليس ناتجا عن عيب فى الدين نفسه وإنما لابتعاد المسلمين عن إتقان العلوم وتنقية الروح من الخمول ونزع الرتابة والتقليد عن أفكارنا الدينية التى تدعى أن الخير كل الخير فى النقل والشر كل الشر فى العقل، داعياً إلى تفجير الإمكانيات العقلية لدى الإنسان المسلم ليعود إلى سيرته الأولى وقت أن كان سيداً للعالم وصانعاً لحضارته وتقدمه.

ولئن كانت دعوة الأفغانى هذه قد لاقت رواجاً كبيراً بمصر ووجدت لها أتباعا ومريدين وتلامذة فهذا لأن من سبقوه من المصريين كانوا قد مهدوا المجتمع لمثل هذه الدعوات، وعلى رأسهم الإمام حسن العطار ورفاعه رافع الطهطاوى، ولذلك أصبحت مصر تربة خصبة لمثل هذه الأفكار التحريرية، ولم يكن الأفغانى يرى أى مانع دون وصول الأمة الإسلامية إلى ما تشتهى من تقدم وسمو إلا مكوث الحكام الظلمة على جسد هذه الأمة، فقد كان يرى أن حكام المسلمين وقتها غير جديرين بمناصبهم، ولا يهتمون إلا بإشباع شهواتهم الحسية، ولذلك أصبحوا فريسة سهلة لكل آكل.

ولعل روح الأفغانى الذى كان جنديا فى ميادين القتال ظلت على عهدها من شجاعة وتوثب وهو فى ميادين الفكر، وأهلته تلك الروح لخوض غمار المناطق الفكرية الوعرة والتصدى لما لا قبل لأحد به، وكذلك فإن معرفته الواسعة بالعلوم والرياضيات وشغفه بالمعرفة حصنه أمام الغزوات الفكرية المتتالية ومرس عقله ليصبح حجة من حجج الإسلام فى الدفاع عن الهوية الإسلامية المتحضرة الحديثة، ولعل شهرة الأفغانى وصيته الذائع هى التى جعلت مصر تستقبله أحسن استقبال حينما أتى إليها زائراً عام 1871 فأقام بها ثمانى سنوات قام فيها بإلقاء المحاضرات، وكون خلالها مجموعة تلاميذ، لعبوا دورا هاما فى مستقبل مصر السياسى. منهم الإمام محمد عبده وسعد زغلول، الذى أصبح فيما بعد بطل مصر الوطنى وزعيم ثورة 1919، ورئيس الوزراء. ومن تلاميذه أيضاً، محمود سامى البارودى، وعبدالسلام المويلحى، وإبراهيم المويلحى، وإبراهيم اللقانى، وعلى مظهر وسليم النقاش وأديب إسحق وأحمد لطفى السيد، فقد جمع الأفغانى كل المخلصين على اختلاف مشاربهم واختلافاتهم، فصاروا نواة لصحوة وطنية كبيرة بعد أن تسلحوا بمقومات هويتهم العربية الإسلامية المصرية، فقد كان الأفغانى يدرس لتلاميذه فى منزله مفهومه للإسلام الصحيح، وإلى جانب دراسة الإسلام كدين وفقه، كان يشرح لتلاميذه أصول الشريعة والتصوف والفلسفة الإسلامية، وهى العلوم التى كانت شبه مجهولة فى مصر آنذاك، وللحق فإن هؤلاء التلاميذ النجباء ما أن شعروا بعلمهم يفيض حتى أنشأوا الجرائد مثل جريدة «مصر» وجريدة التجارة «التجارة» اللتين كان الأفغانى يكتب لهما تشجيعاً لتلامذته فحققت رواجاً كبيراً وقتها، وأخذ أيضاً يدعم روح الثورة على الأوضاع الاستبدادية القائمة ومقاومة روح الخنوع أمام قوات الاحتلال والتى كان يرعاها الخديو توفيق فتم القبض على الأفغانى فى العام 1871م ونفيه إلى الهند بإيعاز من الإنجليز.

وفى الهند منع من الاختلاط بالناس وكان تحت الرقابة المباشرة من الإنجليز، عندما قامت الثورة العرابية، نقلته حكومة الهند إلى كلكتا حتى انتهت الثورة العرابية باحتلال انجلترا لمصر عام 1882م، كما لو كان الإنجليز يعلمون أنه سيكدر عليهم احتلالهم لمصر وسيدعم الثورة ضدهم، ولما استقام له الأمر فى مصر سمح له بالتنقل فى بلاد العالم عدا بلاد الشرق، فسافر إلى لندن عام 1883م. ومنها إلى باريس، ليلتحق به تلميذه محمد عبده من منفاه فى بيروت عام 1884م.

فى باريس أخذ المعلم الكبير جمال الدين يدعم روح اليقظة والتفاؤل عند تلميذه وصفيه محمد عبده الذى كان يعانى من موجات تشاؤمية متزايدة بفعل ما رآه من خذلان فى الثورة العرابية، لكن أستاذه وأباه الروحى خفف عليه مصيبته فى وطنه، واستنهض روحه مرة أخرى ليحررا جريدة «العروة الوثقى» التى تستلهم قول الله تعالى: ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور.

فى هذه الجريدة أخذ الثنائى «الأفغانى وعبده» يكشفان عن المخططات الاستعمارية المقيتة، ويبثان الأمل فى النفوس، متبنين منهج التمسك بالأصول والقيم النبيلة، والدفاع عن أهل الشرق وإعلامهم بما يدور من حوادث سياسية فى الغرب وكان يرسل جريدته سراً إلى البلاد العربية والإسلامية حتى يستنهضهم ويحثهم على الجهاد والدفاع عن أوطانهم وعقيدتهم، وهو الخطر الذى استشعره المحتلون وأعوانهم سريعاً فضيقوا عليها حتى اختفت.

ومن أوربا إلى إيران سافر الأفغانى ليعمل مستشاراً للشاه ناصر الدين، لكن الأفغانى الذى لم يتعود على مجالسة الملوك والسلاطين اختلف مع الشاه مما جعله ينقلب عليه سريعاً بعد عام واحد، فطرده شر طردة من إيران، وحملوه على الثلج إلى دار الحكومة ثم حملوه وهو مريض على دابة مسلسلاً. وساقوه إلى خانقين» ومنها سافر إلى البصرة يعانى ألم المرض الذى اشتد عليه من هذا الحادث، وكاد يودى به، وهو ما جعل الأفغانى ينقلب على الشاه هو الآخر فأخذ يكتب إلى علماء الدين ليهيجهم على الشاه، واصفاً إياه بأقبح الصفات ويبين ضرره على الأمة ويثير عاطفتهم الدينية ليثوروا عليه ومستغلا ما يظهر من أفعال سيئة من الشاه ليقبح وجهه عند العلماء والعامة، فساهم فى إخراج مجلة شهرية بعنوان «ضياء الخافقين» فضح فيها حكومة الشاه، وسوء إدارته للبلاد وتفشى الرشوة وتعذيب المواطنين.

واستجابة لدعوة السلطان عبدالحميد سافر الأفغانى إلى تركيا بشرط أن يصلح السلطان من سياسته فيها، ولما عرض السلطان عليه منصب شيخ الإسلام، رفض، إلا إذا عدّل النظام من أساسه أولا، إذ كان يرى أن عبدالحميد «ذكى واسع الاطلاع واسع الحيلة، لكنه جبان يفسد عليه جبنه ذكاءه ومعرفته» ولما وعى السلطان بخطورة الإمام الأفغانى عليه وعدم رضاه عنه إلا إذا أصلح البلاد وقام بسلطاته الروحية كخليفة للمسلمين على أكمل وجه فرض عليه الإقامة الجبرية فى القصر، ويقال إنه خاف منه حينما قتل الشاه ناصر الدين على يد أحد تلامذة الأفغانى فأوعز إلى طبيب الأسنان الملكى أن يدس له السم فى حشو أسنانه فمات العالم الجليل سنة 1897.

ومن يتأمل منهج الأفغانى فى بث الوحدة بين البلاد الإسلامية يجد أننا فى أمس الحاجة الآن إلى مثل هذا الرجل فقد قال عنه العلامة الكبير شيخ الأزهر الجليل مصطفى عبدالرازق أنه حوى الشرق كله ومازال تأثيره قائما حتى الآن فى مصر وإيران وتركيا» فالأفغانى الذى كان أول من نادى بالوحدة بين المسلمين وإنشاء جامعة للدول الإسلامية كان شديد الكراهية لروح التعصب والتفريق بين أبناء البلد الواحد، وكان كما قيل عنه أكثر حكماء المسلمين وأئمتهم توسعاً فى معنى المساواة وأكثرهم ميلا للعمل به، وقد كان الدين عنده محفزاً على إكساب البشر رسالة أنه أشرف المخلوقات وأنه ملك هذه الأرض، وكان يجزم بأن «لا يوجد فى الأديان الثلاثة «الإسلام والمسيحية واليهوية» ما يخالف المجموع البشرى بل على العكس تحضه على أن يعمل الخير المطلق مع أخيه وقريبه وتحظر عليه عمل الشر مع أى من كان، بل يفسر الأفغانى ما نراه من احتقان وصراع دينى بأنه من عمل تجار الدين فيقول: «وأما اختلاف أهل الأديان فليس هو من تعاليمها ولا أثر له فى كتبها وإنما من صنع بعض رؤساء أولئك الأديان الذين يتاجرون بالدين ويشترون بآياته ثمنا قليلا» بل يتوقع أن يحاربه أولئك الذين يتخذون دين الله «حانوتا» أو إن شئت قل «مشروعاً» كما يسمونه الآن قائلاً: «علمت أن أى رجل يجسر على مقاومة التفرقة ونبذ الاختلاف وإنارة أفكار الخلق بلزوم الائتلاف رجوعاً إلى أصول الدين الحقة فذلك الرجل يكون عندهم قاطع أرزاق المتاجرين فى الدين وهو فى عرفهم الكافر الجاحد المارق المخردق المهرتق المفرق إلخ إلخ.
وبرغم أن الأفغانى كان يرى أن «الرابطة الملية» هى أقوى الروابط بين المسلمين وأن الوحدة المنشودة لابد أن تكون وحدة إسلامية، لكنه مع ذلك قد آمن بالروابط القومية بشكل كبير، وارتفع برابطة اللغة والنسب والجنس بشكل كبير، فقد هاجم المستشرق أرنست رينان الأستاذ بجامعة السوربون الذى قال إننا نخطئ حينما نقول الحضارة العربية لأن صناعها ليسوا عرباً وأن العرب أبعد الناس عن الحرية الفكرية والفلسفة والإسلام لا يشجع عليها فقال له إن العرب وإن كانوا يعيشون فى الجاهلية قبل الإسلام فهم الذين بعثوا الحياة فى البلاد صاحبة الحضارة التى فتحوها بعد أن كانت حضارتهم فى طريقها إلى الذبول فتقدمت علومهم ونمت مواردهم، وإنه لولا الحرية التى أتاحها الإسلام للمسلمين لما رأينا حركة الترجمة تزدهر وتنمو ولما صارت حضارة العرب من أقوى وأجمل الحضارات، وهو الرد الذى أعيا المستشرق المغالط وأجبره على احترامه.

ومثلما تقلب الأفغانى بين الوحدة الإسلامية إلى الوحدة العربية تقلب أيضاً من الإيمان بالرأسمالية إلى الإيمان بالاشتراكية، مؤكداً فى نهاية حياته أن الاشتراكية هى الأقرب لتعاليم الإسلام لأنها تنتصر للفقراء وتحرص على المساواة، وبعد أن كان يقول إن الاشتراكية: «أفكار المصابين بالماليخوليا» وأنها «تمحو جميع المحاسن وضروب الزينة وفنون الجمال العملى» نجده فى آخر حياته يقول: «إن غاية السلطة هى العدل المطلق» بل نجده يقول إن الأغنياء سلاسل وأغلال فى أعناق المسلمين، وأن «الاشتراكية هى التى ستؤدى حقا مهضوما لأكثرية الشعب العامل» وهو التحول الذى يؤكد أن ذمه للاشتراكية لم يكن إلا اندفاعاً حماسياً نتيجة اختلافه مع الاشتراكية الأوروبية، وما عودته إليها إلى عودة الراجع إلى الحق العالم بأن الفقراء هم صلب الحياة ومرآة الشعوب، كذلك ليقينه أن الاشتراكية هى التى تتوافق مع تعاليم الإسلام الحنيف الذى يأمر بمراعاة الفقير والضعيف.
أما لو أردت أن تعرف السبيل الذى ارتضاه الأفغانى لنفسه والمرشد الذى سار عليه نهجه فإنى سأجيبك بلا تردد «هو العقل» ولتقرأ معى قوله التالى: «إن الإنسان من أكبر أسرار هذا الكون ولسوف يصل بالعلم وبإطلاق سراح العقل إلى تصديق تصوراته فيرى ما كان يراه مستحيلاً وقد سار ممكناً» أى أنه يجعل من العقل سبيلاً لتحقيق المعجزات متحدياً أولئك الذين أغلقوا باب الاجتهاد ورأوا أن من «حفظ المتون فقد حاز الفنون» وأن كل شىء خير فى النقل وكل شىء شر فى العقل».

وقف جمال الدين الأفغانى بحسب تعبير المفكر الإسلامى محمد عمارة «كالإعصار الكاسح والبحر الهادر يمجد العقل فى أفكاره ومناظراته ومناقشاته وفى تفسيراته وتطبيقاته فجعل الحكم للعقل والعلم، وي

_________________

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  * الدال على الخير كفاعله *
سبحان الله .. الحمد لله ..  الله أكبر ..  لا إله إلا الله
لا حول ولا قوة إلا بالله ... سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد
كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم

من هذا المبدأ الدال على الخير كفاعله

كيف تستفيد من الانترنت وتربح الكثير من المال باقل مجهود
ارشح لكم هذا العمل للكسب السريع بدون اي تكلفة مادية منك
من هنا .هنا هنا هناااااااااااااااااااا..
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://said63.goodforum.net
said63
منتديات شباب العارب
منتديات شباب العارب
avatar

عدد الرسائل : 3822
العمر : 54
تاريخ التسجيل : 14/02/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقهاء التنوير من عمر بن الخطاب يكتبه وائل السمري لكم    السبت أغسطس 11, 2012 1:49 pm

وائل السمرى يكتب: شيخ الأزهر الإمام مصطفى عبدالرازق.. فيلسوف الجمال فى رحاب الإسلام.. عمل على إصلاح الأزهر ورد على دعاوى المستشرقين وافتراءاتهم على الإسلام وكان يحب الفن ويحترمه
الجمعة، 10 أغسطس 2012 - 03:11

شيخ الأزهر الإمام مصطفى عبدالرازق
بقلم وائل السمرى

قال: إن الذين يفكون العقول من أغلالها إنما يمهدون لها السبيل إلى الحق والدين من أسمى حقائق الوجود.

لم يهاجم أحدا سوى أصحاب المذهب الوهابى الذين يهدمون القباب الفنية ويكفرون الناس مشيرا إلى أنهم لا يتبعون دين الإسلام وإنما يتبعون «دين أهل نجد».

عمل على إصلاح الأزهر ورد على دعاوى المستشرقين وافتراءاتهم على الإسلام وكان يحب الفن ويحترمه وكتب عن توفيق الحكيم وأم كلثوم.

وكأنك تقرأ عن شخصية خيالية لا ترى لها أثرا إلا فى الروايات الحالمة بعالم ملؤه الحب والخير والفضيلة والحرية والجمال والحياة، عالم بلا تعصب أعمى يغرق الناس فى التشاحن والتناحر والتجاذب والتنافر، عالم يؤمن بالله مهيمنا على الكون برحمته وحكمته وعدالته وسموه، عالم فيه التعاليم الدينية من أجل إسعاد البشر، والحروب من أجل الدفاع عن كرامة البشر، والفن من أجل زرع السمو فى نفوس البشر، والعقل هاديا لتوافق البشر وتراحمهم، وكأنك تقرأ فى صفحة من ملحمة شعرية عن بطل ظهر فجأة واختفى فجأة لا لشىء إلا لكى يخبرك بأن كل ما تحلم به من الممكن أن يتحقق فى لحظة إذا ما صدق العزم وصحت النية وتنزه القصد من الهوى ليكون الله موجودا فى كل شىء، يحمينا ويرزقنا ويطعمنا ويسقينا.
أدعوك قبل أن تقرأ السطور القادمة عن الإمام «مصطفى عبدالرازق» أن تنسى تفاصيل هذه الأيام، وأن تنسى أولئك الذين يعدون أنفسهم أئمة ومشايخ، وأن تجنب نفسك كدر مقارنتهم بمن تقرأ عنه، لكى لا تظلمه أو تظلم نفسك وتحرمها من التأمل فى هذه الشخصية النادرة.
هو الشيخ مصطفى عبدالرازق «1885م - 1947م» شيخ الجامع الأزهر الشريف، ومجدد للفلسفة الإسلامية فى العصر الحديث، وصاحب أول تاريخ لها بالعربية، الذى ما أن يمس شيئا من العلم حتى يحوله أيقونة جمالية ترتاح لها القلوب وتأنس لها الأرواح، سيرته المتداولة تقول إنه تولى وزارة الأوقاف، وكان أول أزهرى يتولاها، واختير شيخا للأزهر فى ديسمبر 1945، فتنازل عن لقب الباشوية الذى كان الملك قد أنعم عليه به، مفضلا أن يكون لقبه هو شيخ الأزهر وأن تكون نسبته إلى هذا الجامع الجامعة الذى صار جزءا من تاريخ مصر وحضارتها.

تقول سيرته أيضا إن مولده كان فى أسرة وطنية ثرية فى قرية أبوجرج بمحافظة المنيا، فكان والده من مؤسسى جريدة «الجريدة» التى دعت إلى الحكم الدستورى والإصلاح الاجتماعى والتعليم، وكذلك كان والده من مؤسسى «حزب الأمة»، حفظ القرآن الكريم، ثم التحق بالأزهر، حيث التقى بالشيخ الإمام محمد عبده، وهناك حصل على شهادة العالمية سنة «1326هـ = 1908م»، ودرّس القضاء الشرعى فى الأزهر، ثم استقال.

كان أحد تلامذة الإمام محمد عبده وكان يراسله سرا وينشر رسائله دون توقيع الراسل لكى لا يصب الأزهريون جام غضبهم على الطالب اليافع، ومن الإمام تعلم حب الحياة وغرس فى نفسه حب المعرفة والتوق إلى التعلم والترحال والنهل من منابع المعرفة، فسافر إلى فرنسا ودرس فى جامعة «السوربون»، ثم جامعة ليون التى حاضر فيها فى أصول الشريعة الإسلامية، وحصل على شهادة الدكتوراه برسالة عن «الإمام الشافعى أكبر مشرعى الإسلام» ثم ترجم إلى الفرنسية «رسالة التوحيد» للإمام محمد عبده بالاشتراك مع «برنار ميشيل» وألفا معا كتابا بالفرنسية، لتتضاعف كتبه بعد على مدار حياته فيكتب دراسة صغيرة أدبية عن الشاعر المصرى البهاء زهير الذى عاش فى أيام الدولة الأيوبية، ثم كتاب «تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية» ثم كتاب «فى سيرة الكندى والفارابى» ثم كتاب «الإمام الشافعى»، ثم كتابه الدين والوحى والإسلام، ثم كتابه «فيلسوف العرب والمعلم الثانى» ثم كتابه «محمد عبده سيرته».

فى فرنسا درس علم الاجتماع على يد عالم الاجتماع الأشهر إميل دوركايم، ثم عمل مع الأستاذ «لامبير» فى كلية القانون فى ليون ودرس أصول الفقه فيها، ثم تم استدعاؤه ليعمل مدرسا للأدب العربى واللغة العربية، وبجانب هذا أعد رسالته للدكتوراه، وبعد عودته من فرنسا سنة 1915 عمل سكرتيرا بجامعة الأزهر ثم سكرتيرا عاما للمجلس الأعلى للأزهر، ليبدأ أول خطاه الإصلاحية فى الجامع الأزهر العتيق الذى كان وقتها يفتقد الكثير من أدوات العلم الحديث، لكن وبسبب مواقفه السياسية المناصرة للحركة الوطنية التى كان يقودها آنذاك سعد زغلول تم إبعاده من الأزهر خوفا من أفكاره السياسية والاجتماعية، وعين مفتشا بالمحاكم الشرعية كإجراء تأديبى، لكنه استثمر هذه الفترة فى الكتابة والبحث والترجمة، والمعرفة، فكان يعقد الندوات فى بيته ويتوافد عليه أهل العلم والثقافة والفقه والفلسفة من كل مكان، وبعد ذلك تم انتدابه إلى جامعة القاهرة ليشغل وظيفة مدرس الفلسفة الإسلامية وليزداد تبحرا فى الأدب واللغة ويزداد اطلاعا على المخطوطات المحفوظة بالجامعة وهو الشىء الذى كان له أكبر الأثر فى كتاباته اللاحقة.

كانت آراء المستشرقين فى هذه الآونة تجلد الحضارة الإسلامية وتدعى أنها حضارة فقيرة أخذت عمارتها من الأمم السابقة كما أخذت فلسفتها من اليونان لتبنى على وجهة النظر هذه نظرية تقول إن العرب لا يفكرون، وإنهم ليسوا أصحاب حضارة ليتم تبرير التوجه الاستعمارى بحجة أنه يرفع من شأن البلاد التى يحتلها المحتلون، وهو ما انتفض الإمام من أجله مدافعا عن حضارته ومنجزها الفكرى والفلسفى قائلا إن الفلسفة الإسلامية ليست تلك التى نجدها عند ابن سينا والفارابى، ولكنها تكمن فى منجز العرب المسلمين فى علم الكلام ومصادر فلسفة التشريع الإسلامى، وبذلك أسس ما عرف بعد ذلك بالفلسفة الإسلامية التى يدرسها العالم حتى الآن تحت هذا التعريف.

أثناء توليه مشيخة الأزهر عمل على إدخال بعض الإصلاحات إليه، فأدخل اللغات الأجنبية، وأرسل البعثات إلى الخارج، أما على المستوى الشخصى فقد كان الإمام محبوبا من معظم من يتعامل معهم، وكان محبا لتلاميذه عطوفا عليهم ينفق عليهم كل ما فى يده من أموال، وذات مرة قال له أحد تلامذته المقربين: لماذا تنفق كل هذه الأموال على الطلاب؟ فقال له مستنكرا: أتريد أن نتركهم على فقرهم واحتياجهم حتى يتركوا العلم؟ وهى كلمة تدل على كرم أخلاق الإمام وسعة صدره ورهافة حسه وإيمانه بدوره كشيخ وأب.

ربما إن كنت متعصبا تكسب طائفتك، لكن حتما إن كنت متسامحا فستكسب العالم كله، تلك هذه القاعدة التى يستنتجها المرء بعد قراءة سريعة فى سيرة الإمام ومسيرته، وهو الذى عاش حياته نابذا للتعصب من كل شكل ولون، داعيا إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، حالما بالعودة إلى منبع الدين الصافى وبساطته المعجزة فى أيام عهد النبوة حيث الإيمان يملأ القلوب والعدل يملأ الربوع، والنور يتوغل فى الأنحاء، والأمل يحدو الجميع، قبل أن يتفرق المسلمون إلى فرق ومذاهب ويتوهوا فى التفاصيل القاتلة والمسائل العبثية، ولأن مذهبه الإسلامى الإنسانى كان لا يرى فرقا بين العربى والأعجمى إلا بالتقوى كان يستهجن الدعاوى الأوروبية التى تدعى أن الجنس الأوروبى أرقى من بقية الأجناس، ورد على تلك الفكرة مرارا متحصنا بالأبحاث العلمية الحديثة، ذلك لأنه إن كانت الغلبة الآن للأوروبيين فقد كانت قديما للعرب ومن قبله للمصريين والعراقيين والفارسيين بما يعنى أن التفوق أمر نسبى زمنى لا علاقة له بالجنس وسموه.

فى الرد على المستشرقين - وأرجو ألا يستهين أحد بذلك الدور لما له من خطورة التمهيد للاستعمار - بذل الإمام جهدا كبيرا فى تعريف مفهوم الإسلام، فقد كان الأوروبيون يقولون إن الإسلام يعنى الاستسلام والطاعة العمياء، وهى المقدمة التى تنبنى عليها النتيجة التالية: إن كان دينك يدعوك إلى الطاعة والاستسلام فلماذا تقاوم؟ فتبنى الإمام هذه القضية ورد عليه فى بحث مطول أورد فيه رأى سيد أمير على الذى يقول فيه إن الإسلام يعنى تحرى الرشد وتزكية النفس، وذلك يعنى الطاعة الإرادية وليس الانقياد الأعمى، داحضا رأى «إدوارد رسل» بينما قال الإمام إن الإسلام يعنى الاستسلام حقا لكن لله فحسب، أى أنه يعنى «الإيمان» بالله وملائكته وكتبه ورسله والقضاء خيره وشره والبعث والحساب، وأن كلمة إسلام مشتقة من كلمة «سلم»، وهى تعنى التخلص من الشوائب والموبقات الظاهرة والباطنة التى «يسلم» المرء منها، كما تعنى الإذعان لله وحده لا شريك له وعدم الإذعان لغيره، وإكمالا لتلك القضية يتطرق الإمام إلى مسألة أخرى ألا وهى الفرق بين كلمة مسلم وكلمة مؤمن، إذ يرى الإمام أنه لا فرق بين اللفظين، فكلاهما يستعمله الله ويقصد بهما نفس الأشخاص الذى يؤدون نفس الأفعال، بل يرى أن الخوض فى هذا الأمر إنما هو من قبيل «تمحلات الفرق» وبناء على ذلك يقرر أن قضية الفرق بين اللفظين ما هى إلا قضية «مصطنعة اصطناعا»، فالدين عند الإمام يخاطب الروح والقلب ويقيم وزنا كبيرا للقلب الذى يأتى كثيرا بمعنى العقل أو الضمير، ويتجلى هذا فى الحديث الأشهر «إنما الأعمال بالنيات» والنية محلها القلب، لذلك فهو يرى أن العبادات البدنية كالصلاة والصيام والقيام والحج لا ينظر الله إليها بحسب صورتها الظاهرة، وإنما يتنظر إلى القلوب المختبئة وراء العبادات، ومدى صفائها وصدقها وخشوعها، معتبرا أن الإيمان هو شرط صحة الأعمال، والإيمان هو ما وقر فى القلب وصدقه العمل.

يتعرض الإمام إلى مشكلة علاقة الفلسفة بالدين وهى العلاقة التى شغلت أذهان الكثيرين وفيها وقعت مساجلات عديدة أشهرها ما دار بين الإمام أبوحامد الغزالى والفيلسوف ابن رشد، فيقول الإمام الكلمة الفصل فى هذا الشأن مرجحا أن الدين والفلسفة يبتغيان سعادة البشر، غير أن الدين يقوم على التصديق والإيمان ومصدره القلب، بينما الفلسفة تقوم على النظر والفكر ومصدرها العقل، لذلك فهما متفقان فى الغاية مختلفان فى الوسيلة، ولا يجوز أن نخلط بينهما ولا أن نفسر الدين بالفلسفة، وإنما يبغى أن ننظر إلى كليهما باستقلالية عن الآخر، وهو الرأى الذى يتشابه مع رأى الإمام أبى حامد الغزالى، لكن الإمام يرفض فكرة أن تكون الفلسفة خادمة للدين لأن ذلك يضر بالفلسفة والدين على حد سواء، فضرره بالدين يتلخص فى أنه يعكر صفو العقائد المقدسة ويجعلها قابلة للأخذ والرد والمناقشات العقلية المتناقضة، كما أن الفلسفة تكتسب بالأدلة بعيدا عن المشاعر القلبية التى تميز الوصول إلى حقائق الدين التى تملأ قلوب المؤمنين، أما الضرر الواقع على الفلسفة من خلطها بالدين فهو أنه يكسبها قدسية ليست بها، ويحدد نتائجها قبل إجراء مباحثها، وذلك يحد من حرية البحث ويحصنها من النقد، وهو ما لا يجب.

لا يعنى هذا أن الإمام يغفل دور العقل فى الدين، بل على العكس فإنه يعليه ويعتبره «صديق النقل» إذ لا إيمان إلا للعاقلين، ولا حساب ولا عقاب إلا لمن يستفتون عقولهم فتفتيهم، ويرى الإمام أن الإسلام جمع بين الدين والشريعة، قائلا «أما الدين فقد استوفاه الله كله فى كتابه الكريم ولم يكل الناس إلى عقولهم فى شىء منه، وأما الشريعة فقد استوفى أصولها وترك للاجتهاد تفاصيلها» ولع هذا الاقتباس يبرز رأى الشيخ فى مسألة الاجتهاد الذى يرى أنه ضرورة وواجب على كل الأئمة فى كل العصور، رافضا مبدأ غلق باب الاجتهاد مثل أغلب مصلحى عصره وعلمائه، ومؤكدا على تدعيم الإسلام للحرية الفكرية قائلا: قد تنبهت العقول وزالت غشاوة الغفلة عن بصائر الناس، ففهموا أن الدين ليس غلا للقلوب ولا قيدا على الأفكار، لكنه كما كان الإمام محمد عبده يقول قد كفل للإنسان أمرين عظيمين وهما استقلال الإرادة واستقلال الرأى والفكر، وبهما تكتمل إنسانية الإنسان ويستعد أن يبلغ السعادة، ويؤكد الإمام أنه لا خطر على العقل الواعى من الشتت والزيغ، وذلك لأن البشر صنفان مخلص ومغرض، من أخلص لله فسيخلص له فى كل الأحوال حتى لو أعمل عقله، ومن دخل الهوى قلبه فسيميل نحو أغراضه فى كل شىء حتى لو ادعى أنه لا يعمل إلا بالنقل، قائلا كلمته الشهيرة فى هذا الأمر «إن الذين يفكون العقول من أغلالها إنما يمهدون لها السبيل إلى الحق والدين من أسمى حقائق الوجود».

ومن خلال هذا المنهج الربانى النورانى الإصلاحى حارب الإمام الكثير من العادات الاجتماعية الخاطئة التى تأخذ صبغة دينية والدين منها برىء، ومن تلك العادات عادة تقبيل أيادى العلماء كمظهر لاحترامهم، قائلا إن الذين يمدون أيديهم الطويلة إلى الأفواه لينشروا جراثيم المرض يبذرون معها بذور الذلة فى الأنفس الطيبة، موضحا أن الدين ينمى علاقة الإنسان بخالقه وبنفسه وإخوانه من أفراد الإنسانية لذلك فهو وثيق الصلة بالحياة يواكب تطورها ولا ينغلق على نفسه ليظل دائما محافظا على المجتمع وواصلا للعباد بإلاههم الواحد، قائلا «فالدين ملازم للحياة من يضع دستورها ويجد فيه الإنسان الزاد فى حياته والنور الذى يهديه إلى الطرية المستقيم»، بل إنه يجزم بالقول إنه من غير الممكن أن يعرف الواحد أمزجة الشعوب الشرقية الإسلامية إلا من خلال الدين.

وأكثر ما يخاف الإمام على الأمة منه هو ضعف الشعور الدينى وضعف الشعور الوطنى، موضحا أن الدين الصحيح لا يعارض التقدم فى المظاهر الاجتماعية الحديثة من حضارة وعمران، ويذم آراء المتشدين الذى يصورن أن الدين هو الابتعاد عن الحضارة والمدنية، منزها الدين عن أن يكون عائقا أمام تقدم المسلمين، غير غافل أنه يتوجب على المسلمين ألا ينسوا مبادئهم وهويتهم الدينية أمام التقدم العلمى والمدنى والحضارى، داعيا إلى التمسك بأصالة القديم واحترامه وفى ذات الوقت أن ننهل من الجديد وتقدمه.

ويمضى الإمام فى كل كتاباته وتأملاته الإسلامية والفكرية متسامحا ومتصالحا لا يبتغى شيئا سوى نهضة المسلمين ورفعتهم، ولم أره مهاجما أحدا من المختلفين عنه إلا فى حالة واحدة هاجم فيها الشيخ أصحاب النزعة الوهابية المتشددة، بل إنه غالى فى الهجوم عليهم وفق منظوره المتسامح وأطلق على مذهبهم اسم «دين أهل نجد» فى إشارته منه إلى أن الدين الإسلامى لا يتضمن كل هذا التشدد، ومعلنا ضيقه بدعاوى التكفير التى أخذت فى الانتشار بعدما جاء «هذا الدين» فيقول الإمام: «ولقد نبرأ بدين هيئة كبار العلماء الذى يدفع بالكفر كل نزوع إلى العلم والفهم والذوق، فلما جاءنا دين أهل نجد يهدم على من فيها قبابا قد تكون آثارا فنية وتاريخية، يعرف خطرها «أى أهميتها» أهل الفن والتاريخ» قائلا فى النهاية إن الدين برىء من مثل هذه الدعاوة وإنما يشوه الدين أولئك الذين يريدون كيدا وتضليلا وقيدا للعقول والقلوب ثقيلا، ثم شن الإمام حملة على أولئك الذى يضيقون النظر فى الدين ويملأون الدنيا بفهمهم الخاطئ للإسلام وهم فى الحقيقة لا يراعون شيئا قدر مراعاتهم لشهواتهم ورغباتهم فتراهم تحت شعار الدين يكثرون من الزواج والطلاق ويبالغون فى الاحتفاء بالمأكل والمشرب.

على الجانب الآخر حارب الإمام البدع والتخاريف التى انتشرت فى مصر وقتها، فعارض الغلو فى الاعتقاد بكرامات الأولياء، قائلا إن الإسلام لا يقر واسطة بين العبد وربه، كما حارب من يستهينون بالشعائر المقدسة فى رمضان ويظنون أنهم بإطعامهم بضعة مساكين فقد حازوا الشرف كله، ولا ينسى الإمام أن يلوم علماء الأمة الإسلامية الذين تمسكوا بالمظهر وتركوا الجوهر فيستنكر أن يفتى الشيوخ بجواز لبس القبعة من عدمه بينما هم يختلفون فى تحديد كيفية رؤية هلال رمضان!

وضربا للتقاليد البالية والانغلاق المميت يقر الإمام حق الأمم فى أن يكون لها أعياد قومية تنمى الشعور الوطنى لأن حب الوطن من الإيمان، خلافا لمن يدعون أنه لابد من الاقتصار على الأعياد الدينية فقط، كما يقر الإمام أيضا مطالب المرأة بالحرية والعمل قائلا إنه يتوجب علينا أن نأخذ بالتدرج فى هذا الشأن، لأن المرأة حديثة عهد بالتعليم والخروج إلى الحياة العامة كما يرجو أن تعمل المرأة فى الأمور الخيرية التى يتغافل عنها الرجل لتتكامل وظيفة المرأة مع الرجل وتتحقق الفائدة للمجتمع، كما ينتصر الإمام للبسطاء والفلاحين والضعفاء، مؤكدا أن الفلاح المصرى أكثر الناس عناء فى السعى إلى تحصيل العيش وأقلهم متاعا وأضيقهم، كما دعا الإمام إلى الالتزام بدولة القانون، وأن يمارس الحاكم سلطاته بناء على صلاحيات محددة سلفا وليس بناء على صلاحيات مطلقة.

ولعل أكثر مواقف الإمام تحضرا هو موقفه من الفن الجاد المثمر الممتع فقد كان شغوفا بالفن والموسيقى والشعر والمسرح، وكان يقول عنه إنه يفيد الإنسان فى البحث عن قيم الحياة، لأنه إحساس نابض فى الوجود من قيم جمالية يعمل الفنان على إبرازها، ويؤكد أن الذين يتوهمون أن الدين يعارض الفن يدلون على أنهم يسيئون فهم طبيعة الدين وطبيعة الفن، وهو ما تدل عليه فنون الدول الإسلامية صاحبة الحضارات الكبرى كالدولة العباسية والأموية والفاطمية ودولة الإسلام فى الأندلس، فيقول إن المسلمون الأوائل أدركوا علة تحريم بعض الفنون كالأمر مثلا بعد الرسم أو النحت خشية أن يرتد الناس إلى عبادة الأصنام، فلما زالت العلة وزال الخوف من عبادة الأصنام زال التحريم، وبناء على هذا التوجه المستنير ترى الإمام يجاهر بإعجابه بأغانى أم كلثوم والقصائد الشعرية التى تغنيها فتنمى الذوق وتكسر الغربة بين العامة واللغة العربية الهادفة بل تجده يعتبر صوتها «نعمة من نعم الدنيا»، كما تجده يجتهد فى تحقيق ديوان الشاعر المصرى البهاء زهير لما وجد فيه من خلق قويم ولغة شفافة صادقة، وحب الخير وشرف للنفس وعزة وإباء، بل تجده يكتب عن مسرحية أهل الكهف لتوفيق الحكيم وهو مازال مغمورا فيكون أول من كتب عن هذه المسرحية التى تلهب الخيال وتستلهم القصص القرآنى ليكون الدين وقصص وتعاليمه شريكا للناس فى حياتهم يندرجون تحت لوائه بحب وارتياح وإيمان وخشوع.

وائل السمرى يكتب: رشيد رضا.. الإمام التوافقى.. تلميذ محمد عبده والأفغانى وصديق سعد زغلول وإمام حسن البنا وأستاذ السلفية المصرية ونصير الشيوعية والرائد الذى استفاد منه الألبانى ودعا له
الأربعاء، 8 أغسطس 2012 - 09:32

رشيد رضا
بقلم وائل السمرى



لا يبالغ الواحد إن قال إن نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين قد شهدت حراكا فكريا متكاملا شبيها لما وقع فى القرن الثانى وبداية القرن الثالث حيث عصر الأئمة الكبار الذين جددوا شباب الإسلام الأول وحافظوا على السنة النبوية وتكاملوا فيها بينهم مختلفين فى الفروع ومتفقين فى الأصول، ومتفرقين فى الطريق متوحدين فى الغاية، فما إن هل القرن الثانى الهجرى حتى بزغت أنوار المجددين الكبار، كالإمام جعفر الصادق خليل الإمام أبوحنيفة الذى كان تابعا للإمام زيد بن على زين العابدين والإمام الليث بن سعد الذى كان صديقا وأخا وندا للإمام مالك الذى تعلم على يديه الإمام الشافعى الذى سلم الشعلة للإمام أحمد بن حنبل فكان بحق عصر الأئمة العظام، ها هو العصر الحديث أيضا يبدأ نفس البداية على يد الإمام حسن العطار الذى علم المعلم رفاعة الطهطاوى الذى عاصر الإمام جمال الدين الأفغانى الذى رافق الإمام محمد عبده الذى علم الإمام رشيد رضا ومصطفى عبدالرازق وغيرهم كثير، لتكتمل دعوة الإسلام ويقف أبناؤه أمام المحتلين وقفة عزيز كبير، مطورين من أدواتهم ومحافظين على هويتهم ومجددين لدماء دينهم الذى روث من تخلف العصور السابقة ما أسهم فى تشويه صورته وتبديل مفاهيمه فكانت الصحوة النهضوية الكبيرة التى طورها أبناؤها لتصبح مصر دولة الإسلام الحضارى بمعناه الأكمل والأجمل الذى لا يقف فى وجه التقدم والتحديث، ولا يذوب فى هويات أخرى غير هويته السامقة.

فى الحلقات السابقة تعرضنا إلى ما قام به المصلحون الأوائل مثل الأفغانى والعطار والطهطاوى وعبده واليوم نواصل التعرض إلى المنجز الفقهى الحضارى الذى تكامل فيه أبناء تلك الحقبة ليشكلوا فيما بينهم نسيجا واحدا قادرا على مواجهة المستجدات الطارئة وأبرزها ما تعرض إليه الوطن من نكسة كبيرة متجسدة فى الاحتلال الإنجليزى الذى أثر على مسار حركة التجديد الإسلامية بشكل كبير فقد رأينا كيف كان الإمام محمد عبده يحلق فى أفق المعرفة ويعلى من شأن العقل والاجتهاد متعمقا فى دراسة الآيات والأحاديث ومتأملا فى أسباب نزولها وعلل أحكامها غير متورع فى اللجوء إلى تأويل النص بشكل عقلى مجرد مؤكدا على أن النص والعقل متكاملان ومتلازمان كما لو كان يقول إن النص عقل ثابت والعقل نص متحرك، لكن ما إن مات الإمام حتى حمل شعلة التنوير تلميذه رشيد رضا الذى وجد أن الأوضاع قد تغيرت وأن الأحوال قد تبدلت، ففى زمنه توغل الاحتلال الإنجليزى بالحياة المصرية، كما شهد انهيار الخلافة الإسلامية وشهد الحرب العالمية وتبدلت موازين القوى، كما شهد العديد من المتغيرات الطارئة التى أحدثها الانحلال، فانعكس هذا كل على وجه نظره وفتاواه التى تشدد فيها إذا ما قارناه بأستاذه محمد عبده، حتى عده البعض الأب الشرعى للحركة السلفية فى مصر وذلك لاعتماده كثيرا على آراء الإمام ابن تيمية الذى أنشأ فقهه فى ظرف يكاد يماثل ظرف «رضا» حينما كان المغول يحتلون جزءا من العالم الإسلامى ويستعدون لالتهام البقية، وما تشدد الإمامان فى فقههما إلا للحفاظ على الدين الذى كان مهددا بالضياع تحت أقدام المحتلين.

على هذا فإنه قلما تجد مصلحا مظلوما مثلما تجد رشيد رضا «1865/ 1935» العراقى الأصل اللبنانى المنشأ المصرى الهوية فقد ظلمته كل التيارات المحافظة والمجددة، كما احتفت به كل التيارات المحافظة أيضا والمجددة، فقد كان فى فقهه وفتاواه ومواقفه صورة أو أخرى من كل فصيل، فمن ناحية هو تلميذ المصلحين المستنيرين أمثال جمال الدين الأفغانى ومحمد عبده فعن الأفغانى يقول إنه: الكبير بمواهبه الفطرية، الكبير بسعة علمه وحسن نظام فكره، الكبير بمطامحه، الكبير بنفسه العالية القوية المشتعلة حياة وعزما، الكبير بتاريخه» ودائما ما كان يذكر الإمام محمد عبده واصفا إياه بالأستاذ ويشهد له بالورع والمعرفة والإمامة وعنه يقول: «هو أكمل من عرفت من البشر» وفى ذات الوقت أستاذ الشيخ محمد حامد الفقى، مؤسس جمعية أنصار السنة المحمدية، وأستاذ حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، كما أنه صديق الزعيم الوطنى الكبير سعد زغلول وكان كثيرا ما يشيد به ويعتبره المثال الذى كان يحلم به الإمام محمد عبده وعنه كان يقول: إن روح الأفغانى ومحمد عبده قد تجلت فى أعمال سعد زغلول، وإنه قد أصبح عميد الحزب المدنى للأستاذ الإمام وأقوى أركان هذا الحزب» وكان بمجلته الرائدة «المنار» من أئمة الإصلاح والتجديد والمحافظة فى آن واحد حيث يقول عنه الإمام ناصر الدين الألبانى المحدث الأشهر: «السيد محمد رشيد رضا -رحمه الله– له فضل كبير على العالم الإسلامى بصورة عامة، وعلى السلفيين منهم بصورة خاصة، ويعود ذلك إلى كونه من الدعاة النادرين الذين نشروا المنهج السلفى فى سائر أنحاء العالم بواسطة مجلته «المنار» وقد جاهد فى سبيل ذلك جهادا يشكر عليه، ويرجى أن يكون أجره مدخرا له عند الله» وقال الإمام محمد الغزالى إن جمال الدين، ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا هم قادة الفكر الواعى الذكى فى القرن الأخير وقال: «إن صاحب «المنار» استوعب مذاهب المفسرين، من تفسير بالأثر إلى تفسير فقهى، إلى تفسير بلاغى» كما أنه وهو المصلح الإسلامى الكبير الذى عاش حياته يجاهد من أجل إحياء الخلافة الإسلامية تراه يدافع عن الشيوعية والثورة البلشفية، ويرد عنها الشبهات التى ألصقها البعض بها حيث يذكر مستنكرا فى جريدة المنار ما قيل عن أن البلشفية ودعاوى تحريمها وتشبيهها بالديانات الوثنية قائلا «إنها عين الاشتراكية، المقصود منها إزالة سلطان أرباب الأموال، الطامعين وأعوانهم من الحكام الناصرين لهم، الذين وضعوا قوانينهم المادية قواعد هضم حقوق العمال فى بلادهم، واستعمار بلاد المستضعفين من غيرهم، وإن معناها الحرفى الأكثرية، فالمراد منها أن يكون الحكم الحقيقى فى كل شعب للأكثرية» وعلى هذا فهو الإمام المصلح تلميذ محمد عبده والأفغانى وصديق الزعيم الوطنى سعد زغلول وإمام الإخوان المسلمين وأستاذ السلفيين ومناصر الشيوعية والرائد الذى استفاد منه الألبانى!

فوق كل هذا فالإمام رشيد رضا شاعر مجيد، خطفه عالم الفقه فخسر الوسط الأدبى شاعرا واكتسب الوسط الفقهى فقيها، ولعل هذا ما يفسر لنا الكثير من مفاتيح شخصية الإمام، ويفسر لنا حماسته وجرأته ودأبه وروحه الوثابة الحالمة بعالم عادل ومسالم يرى فى كل شىء أجمله ويناضل بشرف من أجل الحفاظ على هويته العربية الإسلامية دون أن ينسى أن الإسلام دين إصلاح وسماحة ومحبة وتطور، فقد كان كثيرا ما يطالب أصحابه وتلامذته التيسير على المسلمين وقال تعليقا على حديث رسول الله «ما خير الرسول بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما» «لو سلك المسلمون اليوم هذا المسلك، لأمكنهم جعل التشريع الإسلامى فوق كل تشريع، وكان عليه مدار الأحكام فى جميع البلاد الإسلامية وكان لهم مندوحة عن التأويل والأخذ بالأقوال الشاذة» وكان يضرب المثل بالصحابة وموقفهم من كلام النبى فقد كان بعضهم يأخذ تعاليمه نصا دون استبصار بينما الآخرون يستبصرون فيه، ومثال هذا حديث بنى قريظة، فقد قال رسول الله لأصحابه فى غزوة الأحزاب «لا يصلِّينَّ أحدكم العصر إلا فى بنى قريظة» ومقصده الذى يتمثل فى الحث على الإسراع وترك. التثاقل والتباطؤ فى السير، بينما فهم بعض الصحابة أن المراد عدم التأخر عن الوصول إلى بنى قريظة فى ذلك الوقت، فصلوا فى الطريق ولم يتأخروا وبعضهم فهم أن الرسول ينهى عن صلاة العصر إلا هناك فأجلوا الصلاة حتى وصلوا!

ويشرح لنا المثال السابق منهج الإمام رشيد رضا فى الفقه، فهو كان كثيرا ما يأخذ بالمقاصد العامة من الحديث والسنة، معتمدا على فقه المقاصد الذى نظر له الإمام الشاطبى بعد تعديله ليناسب العصر وإضافة ما يضمن له التطور والبقاء مستدركا على الإمام الشاطبى عدم أخذه بالعقل، فقد عمل «رضا» بنصيحة الإمام محمد عبده بأهمية كتاب «الموافقات» وضرورة نشره والاستفادة منه فقال رشيد رضا: «لولا أن هذا الكتاب ألّف فى عصر ضعف العلم والدين فى المسلمين، لكان مبدأ نهضة جديدة لإحياء السنة، وإصلاح شؤون الأخلاق والاجتماع، ولكان «الشاطبى» بكتابيه «الاعتصام والموافقات» من أعظم المجددين فى الإسلام، فمثله كمثل الحكيم الاجتماعى عبدالرحمن بن خلدون.

ويبن رشيد رضا المقاصد العامة بقوله: «هى تحرى العدل المطلق العام، والمساواة فى الحقوق والشهادات والأحكام وتقرير المصالح ودرء المفاسد، ومراعاة العرف بشرطه، ودرء الحدود بالشبهات، وكون الضرورات تبيح المحظورات»، وفى ذلك كان يقول: «من نظر بعين البصيرة إلى مقاصد الشريعة، علم أن الدين إنما ينتشر بالدعوة والتبليغ، لا بالإكراه والإلزام» وقال: «من مقاصد الشرع إخراج الأمة من الأمية وتعليمها الكتاب والحكمة، كما هو منصوص فى كتاب الله تعالى» كما قال «للدين ثلاثة مقاصد»: تصحيح العقائد التى بها كمال العقل، وتهذيب الأخلاق التى بها كمال النفس، وحسن الأعمال التى تناط بها المصالح والمنافع، وللتدليل على أهمية نظرية مقاصد الشريعة فى الحياة المعاصر يقول إنه «لا يوجد فى الشريعة شىء متفق عليه بين أئمتها، يعارض حضارة العصر فيما هو من المنافع والمقاصد الجوهرية إلا الربا الصريح» بما يعنى أنه ما دون الربا مرفوع عنا الحرج فيه، منبها على ضرورة تجميع مقاصد الشريعة من القرآن وعمل سفر كبير يجمع مقاصد القرآن كلها، مع بيان حاجة البشر إليها فى أمور معاشهم ومعادهم» مؤكدا أن من أسلوب القرآن مزج مقاصده بعضها ببعض، من عقائد وحكم ومواعظ وأحكام تعبدية ومدنية وغيرها.
لكن «رضا» الذى يؤخذ عليه التشدد أكثر من أساتذته قال إن هناك العديد من الشروط التى يجب توافرها فى من يتخذون من علم المقاصد منهجا للاجتهاد أهمها فهم الكتاب والسنة، ومعرفة مقاصد الشرع، والوقوف على أحوال الناس وعاداتهم، لأن أحكام الشريعة لاسيما المعاملات منها دائرة على مصالح الناس فى معاشهم ومعادهم أى على قاعدة درء المفاسد وجلب المنافع «وعلى العاقل الرشيد أن يطلب فقه القول دون الظواهر الحرفية، فمن اعتاد الأخذ بما يطفو من هذه الظواهر دون ما رسب فى أعماق الكلام، وما تغلغل فى أنحائه وأحنائه، يبقى جاهلا غبيا طول عمره».

واعتبر رضا أن من مقاصد الدين إزالة الخلاف من بين الناس ولا سيما الخلافات المذهبية، وفى كثير من الأحيان يدعو رشيد رضا إلى الفهم الدقيق للوصول إلى استنباط الأحكام. قال: «إن الأئمة -رضى الله عنهم- لم يستنبطوا الأحكام ليصرفوا الناس إليهم عن كتاب ربهم وسنة نبيهم، وإنما استنبطوها ليعلموهم كيف يفهمون وكيف يستنبطون، فمن مقاصد الحديث الرفق والتخفيف والتيسير فى الأمور كلها»، قال رشيد رضا: «إن الغلظة فى الأمر، والنهى تزيد المقلد جمودا على التقليد، فلا يصغى سمعه إلى قول فاضل،. ولا قول مفتى».

إن الاجتهاد من ضروريات الحياة، وهو المنوط به تجديد الدين ليلائم كل زمان ومكان، وعلى هذا يقول إن الإمام الغزالى استدرك بعض الأمور على إمامه الشافعى، وبناء على هذا خالف الإمام رشيد رضا موقف الإمام ابن تمية من حديث رسول الله «من آذى ذميا فقد آذانى» فقد كان «ابن تيمية» يقول إن هذا الحديث كذب على رسول الله فلم يروه أحد من أهل العلم، فيقول إنه استغرب هذا كثيرا لأن الحديث مروى بلفظ قريب من هذا اللفظ، وهو ما أخرجه الخطيب البغدادى من حديث ابن مسعود مرفوعا إلى النبى من آذى ذميا فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمُته يوم القيامة، وقد أورده السيوطى فى الجامع الصغير وأشار إلى حسنه، ولولا ميل شيخ الإسلام إلى التشديد على المخالفين فى أصل الدين أو فى المذاهب المخالفة لِما كان عليه السلف الصالح لما اقتصر على إنكار الحديث باللفظ الذى ذكر وسكت عن اللفظ الآخر المروى بمعناه، على أنه يجوز أن يكون قد نسيه عندما كتب هذه المسألة وهو أقرب من عدم اطلاعه عليه.

وقد حبب الإمام رشيد رضا فى فكرة إعمال العقل مع الأحاديث والآيات المختلفة وعمل على تأويل الأحكام ليصل إلى مقاصد الشارع كما بينا، وفى مخالفته للإمام ابن تيمية وهو بمثابة أستاذ له تبيانا لمنهجه الذى لا يقدس الأشخاص بقدر ما يقدس العلم والعقل، فقد كان رحمه الله يمقت التقليد ويدعو إلى احترام العقل مثلما احترمه خالقه الذى ذكر العقل باسمه وأفعاله فى القرآن الحكيم فيبلغ زهاء خمسين مرة. وذكر كلمة الألباب أى العقول بضع عشرة مرة، وأما كلمة أولى النهى أى العقول فقد جاءت مرة واحدة من آخر سورة طه، مؤكدا أن التقاليد الدينية حجرت على حرية التفكير واستقلال العقل على البشر حتى جاء الإسلام فأبطل بكتابه هذا الحجر، وأعتقهم من الرق وكان رشيد رضا دائما يؤكد أن الإسلام دين العلم والحكمة، ويثبت ذلك بالبراهين من الكتاب والسنة، وقد دعا إلى الاجتهاد ودافع عنه قائلا: «ما معنى باب الاجتهاد مسدود؟ وبأى نص سد باب الاجتهاد؟ وأى إمام قال: لا ينبغى لأحد من المسلمين بعدى أن يجتهد ليتفقه فى الدين؟ أو أن يهتدى بهدى القرآن؟ مؤكدا أن علوم الشريعة والقرآن ومستجدات العصر فى زمنه أوجبت الاحتياج إلى الاجتهاد قائلا إن الأئمة العظام وإن كانوا قد اجتهدوا بما يسر الله له فإن ما حواه القرآن من العلوم والحديث الصحيح من السنن والتوضيح إلا كقطرة من بحر أو ثانية من دهر».

وعى رشيد رضا كلمات الإمام محمد عبده التى يقول فيها «إن الشريعة الإسلامية عادلة، وإن من أصولها الثابتة دفع المفاسد وحفظ المصالح العامة فى كل زمن» فعمل بكل جهده من أجل استبيان هذا العدل الكامن فى الشريعة، مؤكدا أنه تعلم من التاريخ «أن الأمم التى تكون محرومة من الحرية لا يكون لها اجتماع حقيقى ولا سعادة صحيحة» وأن الإسلام يتميز بأنه يقوم على مخاطبة العقل، بخلاف الأديان الأخرى، حيث يرى أن «اليهودية شريعة مبنية على الشدة، والمسيحية يهودية من جهة، وروحانية من جهة، أما الشريعة الإسلامية فهى قائمة على أساس العقل والاستقلال المحققة لمعنى الإنسانية بالجمع بين مصالح الروح والجسد وإن الإسلام هاد ومرشد إلى توسيع دائرة الفكر واستعمال العقل، ومن هنا كان إلحاح الشيخ على العودة إلى القرآن واستبصار آياته بلا جمود لتأسيس النهضة المشتهاة.

وانطلاقا من عمله بمبدأ إعمال العقل رأى الشيخ أن المدنية الغربية من الإسلام لأن الإسلام دين العقل والمدنية تقوم على العقل، وإن كان الغرب قد سبقونا فى التطبيق إليها فهذا لا يعنى أنها خارجة عنا، لذلك فهو يستعيض مثلا عن فكرة «أهل الحل والعقد» بمجالس النواب أو البرلمانات، ويرى أن برلمان تركيا الذى أنشأه كمال أتاتورك قبل إلغاء الخلافة يقترب من فكرة أهل الحل والعقد فى الإسلام، قائلا: قد صار أهل الجمعية الوطنية فى أنقرة أصحاب الحل والعقد بالفعل، مستبعدا فقهاء الإسلام فى مصر من الانضمام إلى هذه الجماعة بسبب «انكماشهم فى زوايا المساجد وابتعادهم عن مجابهة مشاكل العصر».

وائل السمرى يكتب: جمال الدين الأفغانى.. أعلم العلماء وأفقه المتقين.. آمن بالعقل وقدرته وبأن الحرية أساس إسلامى وحارب التعصب المذهبى والطائفى والدينى وأطلق على مروجى التعصب لقب «تجار الدين»
الإثنين، 6 أغسطس 2012 - 10:03

جمال الدين الأفغانى
بقلم وائل السمرى



هو مثل الشعلة التى أينما حلت أنارت ما حولها، يحلم بالعدالة المطلقة والسلام الحقيقى والعلم الخالص النافع، يرق قلبه للجائعين الضعفاء المساكين المرضى، لا يرى فى العالم شرا بقدر ما يراه فى ظلم الإنسان لبنى جنسه، مفكر من جبابرة الفكر الإنسانى، وفقيه وعالم وباحث صادق، عاش حياته ليتعلم ويعرف فأضاءت معرفته تاريخ الإنسانية، يقدس رابطة الدين بين المسلمين فى أقاصى البلاد وأدانيها، يحترم الأعراف والتقاليد والقوميات الخاصة، يؤمن بحرية الإنسان وقدرته على التحليق إلى آفاق الخيال، ولا يرى فرقا بين الخيال والواقع إلا بمقدار الإرادة الإنسانية وقدرتها على الصمود والتطور، إن ضعفت الإرادة بعد الفرق بين المتخيل والواقع، وإن قويت الإرادة اقترب الخيال من الواقع، هو أيضا المناضل الصامد الذى لا يلين أمام مدافع العدو سواء الحربية أو الفكرية، جندى شجاع لا يخاف من نار ولا يتهيب من الحوار، هو الرحالة الذى عرف الشعوب ووعى ثقافاتهم فصار جامعة دول متسامحة لا ترى فضلاً لعربى على أعجمى إلا بالتقوى، هو ذلك الأفغانى الذى أتى من بلاد سحر الشرق، فطاب له فى مصر المقام فأحبها وقدسها وعمل من أجل تطويرها وتنميتها فكرياً وروحياً وأدبياً ونهضوياً فصار أحد أكبر أعلامها وأهم رموزها وصائغ نهضتها وصانع خطتها التى شكلت هوية مصر الحديثة، فكتب له الله من التلاميذ المخلصين من خلد ذكره ونفع الخلق بفكره.

عنه يقول العلامة المحقق أحمد حسن الباقورى: «لا ريب أن الله تعالى مسخر لجمال الدين الأفغانى ولكل ذى مذهب صالح صادق من يكون لسان صدق فى الدفاع والإقناع فإذا جمال الدين ملء الأسماع ومشتهى الأبصار ثم إنه بعد أن ضمه القبر أعلى قدرا وأرفع ذكرا وأجل جلالا وأعظم هيبة مما كان بين تلاميذه ومريديه والإمام جمال الدين من أؤلئك الزعماء الفادرين بالفضل بين الناس تزيدهم الأيام فى موتهم وفى تقادمهم جدة وحاجة المجتمع إليه لا يشتد هتافها به ولا تمنيها له من حيث هو أعلم العلماء ولا أفقه المتقين وإن كان هو أعلم العلماء وأفقه المتقين ولكن لأنه كان رجلا منطلق الفكر بين طبيعة الحياة وحقيقة الدين وهو مع ذلك يحب أن يجمع بقدر ما يكره أن يفرق ويحب أن يتسامح بقدر ما يكره أن يتعصب وكلما حاولت أن أتخيل وجه رسول الله وجدت أول الطريق إلى هذا الخيال الجميل فى وجه السيد جمال الدين فى إشارة منه إلى نسبة الشريف.

عاصر جمال الدين الأفغانى (1839 – 1897م). وهو المولود بعاصمة افغانستان «كابول» تطور مصر وتقدمها الفكرى على يد الإمام حسن العطار وتلميذه رفاعه الطهطاوى، فرأى فيها ملكات وخصائص لم تكن متوفرة فى غيرها، وبعد أن كان ينوى أن يمر سريعا على القاهرة طاب له المقام فيها وتجسد حلمه بها فهدأت روحه التى كانت لا تطيق الركود ولا تصبر على القعود حالما بأن يجمع العالم الإسلامى على كلمة واحدة يكون فيها المسلم أخا المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، يشاركه حلمه وأمله وطعامه ورحمته، فيعم السلام الروحى على الجميع وتنعم بلاد الإسلام بثرواتها المتدفقة بدلاً من أن ينعم بها محتل غاصب أو حاكم غاشم أو جاهل مستبد مبدد.

يرتقى نسب الإمام جمال الدين الأفغانى إلى بيت النبوة الشريف، فهو حفيد الإمام على زين العابدين بن الحسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنه، ويبدو أنه قد ورث من آل بيت رسولنا الكريم شجاعة الرأى ونبل المقصد وقوة الحجة ومحبة العلم فجمع حوله كل نفس كريمة وكل عقل متوقد وكل قلب لاهث يهفو للاطمئنان ويبحث عن الحقيقة والأمن الروحى والوطنى والعالمى، حالمين بجمع روافد العالم الإسلامى فى مصب واحد لتتضاعف قوته، فى مواجهة الخطر الأوروبى ويصلح من نفسه سياسياً واجتماعياً ويستيقظ من سباته العميق.
رأى الأفغانى بعينه فى بلاد «أفغانستان» ما يفعله التشتت والتفرق بين الإخوة من اضمحلال وفساد وخراب على البلاد، ورأى فى الهند أن الاستعمار يعمل على تفتيت الأمم وإضعاف إيمانها متربصا بكل بلاد العالم، ورأى كيف أن العنصرية أكلت الغرب حتى ظن أنه أفضل من شعوب العالم فأطلق صرخته الإصلاحية المستنيرة ليستنهض المسلمين من غفوتهم، لتترك الأمة الضعف وتجنح إلى الاتحاد وتنبذ الجهل وتتمسك بقيمها الخلقية والروحية التى تدعو إليها الأديان، مؤكداً أن ضعف الدول الإسلامية ليس ناتجا عن عيب فى الدين نفسه وإنما لابتعاد المسلمين عن إتقان العلوم وتنقية الروح من الخمول ونزع الرتابة والتقليد عن أفكارنا الدينية التى تدعى أن الخير كل الخير فى النقل والشر كل الشر فى العقل، داعياً إلى تفجير الإمكانيات العقلية لدى الإنسان المسلم ليعود إلى سيرته الأولى وقت أن كان سيداً للعالم وصانعاً لحضارته وتقدمه.

ولئن كانت دعوة الأفغانى هذه قد لاقت رواجاً كبيراً بمصر ووجدت لها أتباعا ومريدين وتلامذة فهذا لأن من سبقوه من المصريين كانوا قد مهدوا المجتمع لمثل هذه الدعوات، وعلى رأسهم الإمام حسن العطار ورفاعه رافع الطهطاوى، ولذلك أصبحت مصر تربة خصبة لمثل هذه الأفكار التحريرية، ولم يكن الأفغانى يرى أى مانع دون وصول الأمة الإسلامية إلى ما تشتهى من تقدم وسمو إلا مكوث الحكام الظلمة على جسد هذه الأمة، فقد كان يرى أن حكام المسلمين وقتها غير جديرين بمناصبهم، ولا يهتمون إلا بإشباع شهواتهم الحسية، ولذلك أصبحوا فريسة سهلة لكل آكل.

ولعل روح الأفغانى الذى كان جنديا فى ميادين القتال ظلت على عهدها من شجاعة وتوثب وهو فى ميادين الفكر، وأهلته تلك الروح لخوض غمار المناطق الفكرية الوعرة والتصدى لما لا قبل لأحد به، وكذلك فإن معرفته الواسعة بالعلوم والرياضيات وشغفه بالمعرفة حصنه أمام الغزوات الفكرية المتتالية ومرس عقله ليصبح حجة من حجج الإسلام فى الدفاع عن الهوية الإسلامية المتحضرة الحديثة، ولعل شهرة الأفغانى وصيته الذائع هى التى جعلت مصر تستقبله أحسن استقبال حينما أتى إليها زائراً عام 1871 فأقام بها ثمانى سنوات قام فيها بإلقاء المحاضرات، وكون خلالها مجموعة تلاميذ، لعبوا دورا هاما فى مستقبل مصر السياسى. منهم الإمام محمد عبده وسعد زغلول، الذى أصبح فيما بعد بطل مصر الوطنى وزعيم ثورة 1919، ورئيس الوزراء. ومن تلاميذه أيضاً، محمود سامى البارودى، وعبدالسلام المويلحى، وإبراهيم المويلحى، وإبراهيم اللقانى، وعلى مظهر وسليم النقاش وأديب إسحق وأحمد لطفى السيد، فقد جمع الأفغانى كل المخلصين على اختلاف مشاربهم واختلافاتهم، فصاروا نواة لصحوة وطنية كبيرة بعد أن تسلحوا بمقومات هويتهم العربية الإسلامية المصرية، فقد كان الأفغانى يدرس لتلاميذه فى منزله مفهومه للإسلام الصحيح، وإلى جانب دراسة الإسلام كدين وفقه، كان يشرح لتلاميذه أصول الشريعة والتصوف والفلسفة الإسلامية، وهى العلوم التى كانت شبه مجهولة فى مصر آنذاك، وللحق فإن هؤلاء التلاميذ النجباء ما أن شعروا بعلمهم يفيض حتى أنشأوا الجرائد مثل جريدة «مصر» وجريدة التجارة «التجارة» اللتين كان الأفغانى يكتب لهما تشجيعاً لتلامذته فحققت رواجاً كبيراً وقتها، وأخذ أيضاً يدعم روح الثورة على الأوضاع الاستبدادية القائمة ومقاومة روح الخنوع أمام قوات الاحتلال والتى كان يرعاها الخديو توفيق فتم القبض على الأفغانى فى العام 1871م ونفيه إلى الهند بإيعاز من الإنجليز.

وفى الهند منع من الاختلاط بالناس وكان تحت الرقابة المباشرة من الإنجليز، عندما قامت الثورة العرابية، نقلته حكومة الهند إلى كلكتا حتى انتهت الثورة العرابية باحتلال انجلترا لمصر عام 1882م، كما لو كان الإنجليز يعلمون أنه سيكدر عليهم احتلالهم لمصر وسيدعم الثورة ضدهم، ولما استقام له الأمر فى مصر سمح له بالتنقل فى بلاد العالم عدا بلاد الشرق، فسافر إلى لندن عام 1883م. ومنها إلى باريس، ليلتحق به تلميذه محمد عبده من منفاه فى بيروت عام 1884م.

فى باريس أخذ المعلم الكبير جمال الدين يدعم روح اليقظة والتفاؤل عند تلميذه وصفيه محمد عبده الذى كان يعانى من موجات تشاؤمية متزايدة بفعل ما رآه من خذلان فى الثورة العرابية، لكن أستاذه وأباه الروحى خفف عليه مصيبته فى وطنه، واستنهض روحه مرة أخرى ليحررا جريدة «العروة الوثقى» التى تستلهم قول الله تعالى: ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور.

فى هذه الجريدة أخذ الثنائى «الأفغانى وعبده» يكشفان عن المخططات الاستعمارية المقيتة، ويبثان الأمل فى النفوس، متبنين منهج التمسك بالأصول والقيم النبيلة، والدفاع عن أهل الشرق وإعلامهم بما يدور من حوادث سياسية فى الغرب وكان يرسل جريدته سراً إلى البلاد العربية والإسلامية حتى يستنهضهم ويحثهم على الجهاد والدفاع عن أوطانهم وعقيدتهم، وهو الخطر الذى استشعره المحتلون وأعوانهم سريعاً فضيقوا عليها حتى اختفت.

ومن أوربا إلى إيران سافر الأفغانى ليعمل مستشاراً للشاه ناصر الدين، لكن الأفغانى الذى لم يتعود على مجالسة الملوك والسلاطين اختلف مع الشاه مما جعله ينقلب عليه سريعاً بعد عام واحد، فطرده شر طردة من إيران، وحملوه على الثلج إلى دار الحكومة ثم حملوه وهو مريض على دابة مسلسلاً. وساقوه إلى خانقين» ومنها سافر إلى البصرة يعانى ألم المرض الذى اشتد عليه من هذا الحادث، وكاد يودى به، وهو ما جعل الأفغانى ينقلب على الشاه هو الآخر فأخذ يكتب إلى علماء الدين ليهيجهم على الشاه، واصفاً إياه بأقبح الصفات ويبين ضرره على الأمة ويثير عاطفتهم الدينية ليثوروا عليه ومستغلا ما يظهر من أفعال سيئة من الشاه ليقبح وجهه عند العلماء والعامة، فساهم فى إخراج مجلة شهرية بعنوان «ضياء الخافقين» فضح فيها حكومة الشاه، وسوء إدارته للبلاد وتفشى الرشوة وتعذيب المواطنين.

واستجابة لدعوة السلطان عبدالحميد سافر الأفغانى إلى تركيا بشرط أن يصلح السلطان من سياسته فيها، ولما عرض السلطان عليه منصب شيخ الإسلام، رفض، إلا إذا عدّل النظام من أساسه أولا، إذ كان يرى أن عبدالحميد «ذكى واسع الاطلاع واسع الحيلة، لكنه جبان يفسد عليه جبنه ذكاءه ومعرفته» ولما وعى السلطان بخطورة الإمام الأفغانى عليه وعدم رضاه عنه إلا إذا أصلح البلاد وقام بسلطاته الروحية كخليفة للمسلمين على أكمل وجه فرض عليه الإقامة الجبرية فى القصر، ويقال إنه خاف منه حينما قتل الشاه ناصر الدين على يد أحد تلامذة الأفغانى فأوعز إلى طبيب الأسنان الملكى أن يدس له السم فى حشو أسنانه فمات العالم الجليل سنة 1897.

ومن يتأمل منهج الأفغانى فى بث الوحدة بين البلاد الإسلامية يجد أننا فى أمس الحاجة الآن إلى مثل هذا الرجل فقد قال عنه العلامة الكبير شيخ الأزهر الجليل مصطفى عبدالرازق أنه حوى الشرق كله ومازال تأثيره قائما حتى الآن فى مصر وإيران وتركيا» فالأفغانى الذى كان أول من نادى بالوحدة بين المسلمين وإنشاء جامعة للدول الإسلامية كان شديد الكراهية لروح التعصب والتفريق بين أبناء البلد الواحد، وكان كما قيل عنه أكثر حكماء المسلمين وأئمتهم توسعاً فى معنى المساواة وأكثرهم ميلا للعمل به، وقد كان الدين عنده محفزاً على إكساب البشر رسالة أنه أشرف المخلوقات وأنه ملك هذه الأرض، وكان يجزم بأن «لا يوجد فى الأديان الثلاثة «الإسلام والمسيحية واليهوية» ما يخالف المجموع البشرى بل على العكس تحضه على أن يعمل الخير المطلق مع أخيه وقريبه وتحظر عليه عمل الشر مع أى من كان، بل يفسر الأفغانى ما نراه من احتقان وصراع دينى بأنه من عمل تجار الدين فيقول: «وأما اختلاف أهل الأديان فليس هو من تعاليمها ولا أثر له فى كتبها وإنما من صنع بعض رؤساء أولئك الأديان الذين يتاجرون بالدين ويشترون بآياته ثمنا قليلا» بل يتوقع أن يحاربه أولئك الذين يتخذون دين الله «حانوتا» أو إن شئت قل «مشروعاً» كما يسمونه الآن قائلاً: «علمت أن أى رجل يجسر على مقاومة التفرقة ونبذ الاختلاف وإنارة أفكار الخلق بلزوم الائتلاف رجوعاً إلى أصول الدين الحقة فذلك الرجل يكون عندهم قاطع أرزاق المتاجرين فى الدين وهو فى عرفهم الكافر الجاحد المارق المخردق المهرتق المفرق إلخ إلخ.
وبرغم أن الأفغانى كان يرى أن «الرابطة الملية» هى أقوى الروابط بين المسلمين وأن الوحدة المنشودة لابد أن تكون وحدة إسلامية، لكنه مع ذلك قد آمن بالروابط القومية بشكل كبير، وارتفع برابطة اللغة والنسب والجنس بشكل كبير، فقد هاجم المستشرق أرنست رينان الأستاذ بجامعة السوربون الذى قال إننا نخطئ حينما نقول الحضارة العربية لأن صناعها ليسوا عرباً وأن العرب أبعد الناس عن الحرية الفكرية والفلسفة والإسلام لا يشجع عليها فقال له إن العرب وإن كانوا يعيشون فى الجاهلية قبل الإسلام فهم الذين بعثوا الحياة فى البلاد صاحبة الحضارة التى فتحوها بعد أن كانت حضارتهم فى طريقها إلى الذبول فتقدمت علومهم ونمت مواردهم، وإنه لولا الحرية التى أتاحها الإسلام للمسلمين لما رأينا حركة الترجمة تزدهر وتنمو ولما صارت حضارة العرب من أقوى وأجمل الحضارات، وهو الرد الذى أعيا المستشرق المغالط وأجبره على احترامه.

ومثلما تقلب الأفغانى بين الوحدة الإسلامية إلى الوحدة العربية تقلب أيضاً من الإيمان بالرأسمالية إلى الإيمان بالاشتراكية، مؤكداً فى نهاية حياته أن الاشتراكية هى الأقرب لتعاليم الإسلام لأنها تنتصر للفقراء وتحرص على المساواة، وبعد أن كان يقول إن الاشتراكية: «أفكار المصابين بالماليخوليا» وأنها «تمحو جميع المحاسن وضروب الزينة وفنون الجمال العملى» نجده فى آخر حياته يقول: «إن غاية السلطة هى العدل المطلق» بل نجده يقول إن الأغنياء سلاسل وأغلال فى أعناق المسلمين، وأن «الاشتراكية هى التى ستؤدى حقا مهضوما لأكثرية الشعب العامل» وهو التحول الذى يؤكد أن ذمه للاشتراكية لم يكن إلا اندفاعاً حماسياً نتيجة اختلافه مع الاشتراكية الأوروبية، وما عودته إليها إلى عودة الراجع إلى الحق العالم بأن الفقراء هم صلب الحياة ومرآة الشعوب، كذلك ليقينه أن الاشتراكية هى التى تتوافق مع تعاليم الإسلام الحنيف الذى يأمر بمراعاة الفقير والضعيف.
أما لو أردت أن تعرف السبيل الذى ارتضاه الأفغانى لنفسه والمرشد الذى سار عليه نهجه فإنى سأجيبك بلا تردد «هو العقل» ولتقرأ معى قوله التالى: «إن الإنسان من أكبر أسرار هذا الكون ولسوف يصل بالعلم وبإطلاق سراح العقل إلى تصديق تصوراته فيرى ما كان يراه مستحيلاً وقد سار ممكناً» أى أنه يجعل من العقل سبيلاً لتحقيق المعجزات متحدياً أولئك الذين أغلقوا باب الاجتهاد ورأوا أن من «حفظ المتون فقد حاز الفنون» وأن كل شىء خير فى النقل وكل شىء شر فى العقل».

وقف جمال الدين الأفغانى بحسب تعبير المفكر الإسلامى محمد عمارة «كالإعصار الكاسح والبحر الهادر يمجد العقل فى أفكاره ومناظراته ومناقشاته وفى تفسيراته وتطبيقاته فجعل الحكم للعقل والعلم، وينسب له أنه كان أول من دعا إلى التفريق بين آيات القرآن والحقائق العلمية قائلاً إن «القرآن يجب أن يجل عن مخالفته للعلم الحقيقى خصوصاً فى الكليات فإذا لم نر فى القرآن ما يوافق صريح العلم والكليات اكتفينا بما جاء فيه من الإشارة ورجعنا إلى التأويل، وبفضل إيمانه بالعقل واستماتته فى الدفاع عن الإسلام قارع المشككين فيه الحجة بالحجة والبرهان بالرهان، ولما ظهرت نظرية دارون للوجود وتشكك العالم الإسلامى بسببها فى معتقداته لم يجد المسلمون غير الأفغانى ليرد على دعاة هذه النظرية الذين نقلوا مفاهيمها بشكل خاطئ، وقال إن هذه النظرية متناقضة فى متنها فالكون كله «منظم» بإحكام وهى تدعى أن سبب خلق الكون «مصادفة» فكيف تنتج الفوضى نظاماً؟ وهو الرأى الذى أسهم فى طمأنة الناس وتهدئتهم، كما أسهم فى نقل مبادئ الدارونية الصحيحة التى لا تنكر خالق النسمة الطيبة أو الروح، فأدى ذلك إلى تسامح الأفغانى مع النظرية التى لا تصطدم بالدين، وآمن بفكرة الانتخاب الطبيعى التى هى أساس الحياة.

وكان طبيعياً أن يجد عالم جسور ومناضل كبير بهذا الشكل اعتراضات كبيرة وكثيرة على أفكاره وآرائه التى زلزلت المجتمع وأرقت مضاجع الطغاة، فصاروا يكفرونه ويحاربونه ويشككون فيه، فكفرته مشيخة الإسلام فى تركيا وكفره شيوخ الخديو توفيق مثل الشيخ عليش وقال إنه رئيس جمعية سرية من الشبان ذوى الطيش مجتمعة على فساد الدين والدنيا. لكن الأفغانى الذى كان يعرف أنه مجدد شباب الأمة الإسلامية لم يكن يكترث بهذا اللغو، ويبدو أنه كان يعرف أيضاً أنه سيكون مثار جدل كبير حتى بعد موته، فقد أملى على تلميذه محمد المخزومى كتابه الأخير «الخاطرات» محذراً تلميذه من بطش السلطان وموصياً إياه بإخفائه عن الأعين وقال له فى نهايته: «إذا سلمت من خطر الطاغية وطواغيته فستصادف من أهل الجمود عنتا وتخرصاً وقلبا للحقائق فلا تبال بهم فما خلا الكون منهم ليخلو زمنك منهم وما نجا منهم مخلص لتنجو أنت.

وائل السمرى يكتب: رفاعة الطهطاوى.. أبوالمصريين..نقل إلى مصر الدستور الفرنسى مقتديا بعمر بن الخطاب حينما نقل نظام الدواوين الفارسى إلى الإسلام وتبنى مشروعا لإحياء التراث الإسلامى
الأحد، 5 أغسطس 2012 - 09:05

رفاعة الطهطاوى
بقلم وائل السمرى



قال الوالى العثمانى للشيخ الشبرواى شيخ الأزهر: المسموع عندنا أن مصر منبع الفضائل والعلوم، وكنت فى غاية الشوق إلى المجىء إليها، فلما جئتها وجدت أن السماع عنها خير من رؤيتها، فيحاول الشيخ أن يغير وجهة نظره قائلا: هى ما سمعتها تماما وهى معدن العلوم والمعارف، لكن هذه الإجابة لم تقنع الوالى فقال له مستنكرا: لكن أين هى؟ وأنتم أعظم علمائها وقد سألتكم عن العلوم والمعارف فلم أجد عندكم غير بعض الفقه وبعض الوسائل ونبذتم المقاصد؟ فقال له الشيخ: نحن فى الأزهر لا نهتم بهذه العلوم ولا الرياضيات إلا بقدر ما يمكننا من الحكم فى المواريث؟ فأحرجه الوالى قائلاً: لكن العلوم والرياضيات لازمة للعلم الشرعى، وإلا فكيف ستحدد مطالع الشهور ومواقيت الصلاة واستقبال القبلة؟ ولما شعر الشيخ بالإحراج أراد أن يتهرب من السؤال فقال: نعم نعم.. إن معرفة ذلك من فروض الكفاية التى إذا قام بها البعض سقطت عن الآخرين، وهذه العلوم تحتاج إلى أدوات وصناعات وأهل الأزهر معظمهم فقراء فيندر فيهم القابلية لذلك، ولدينا من يكفينا فى هذا الشأن وهو الشيخ حسن الجبرتى، وهو عالم بهذه الأشياء ويكفينا عن الاحتياج، فطلب الوالى أن يرى هذا الشيخ «الوحيد» الذى يعرف العلوم والرياضيات، ولما قابله أعجب به وصاحبه، وبعد ذلك كان الشيخ الشبراوى كلما رأى «حسن الجبرتى» والد المؤرخ الشهير عبدالرحمن الجبرتى قال له: سترك الله كما سترتنا عند هذا الباشا فلولا وجودك لكنا جميعاً عنده حميراً.

هذا الحوار هو ما ينقله الكاتب الإسلامى الكبير محمد عمارة فى كتابه عن رفاعه الطهطاوى الذى جاء بعنوان «رفاعة الطهطاوى رائد التنوير فى العصر الحديث» ليدلل على ما وصل إليه حال البلاد قبل ميلاد العالم الأجمل فى تاريخ الشرق رفاعة رافع الطهطاوى، إذ يقر شيخ الأزهر وهو أعلم أهل مصر وقتها والجالس على رأس نخبة مثقفيها أنه لولا وجود شخص واحد لكان الجميع حميراً، بل لا يتورع عن القول إن الجبرتى الأب «سترنا» من الفضيحة وكأننا كنا بجهلنا عرايا، ولم نجد ما يسترنا إلا رجل واحد من أصول إرتيرية، ليكفينا مرار الفضيحة.

وفى الحقيقة فإنه قلما يجد الواحد مفكراً إسلامياً كبيراً ينصف باعث النهضة المصرى «رفاعة الطهطاوى» بقلبه وبحثه مثلما فعل الدكتور محمد عمارة وهو المفكر الإسلامى الكبير الذى لم يضع عصابة التخلف على عينيه ولم يردد ما يردده من يحجرون على الإسلام ويعتبرون تعلم اللغات الأجنبية مفسدة، فحقق المفكر الكبير أعمال الأب الروحى للثقافة المصرية وعكف سنين على دراسة ترجماته ومؤلفاته وإنجازاته، مؤكداً أن أمير الشعراء الشاعر الكبير أحمد شوقى حينما نعت الطهطاوى بأنه «لأبناء البلاد أبا» لم يكن يرسم صورة خيالية، وإنما كان يقرر أمراً واقعا، فرفاعة ابن صعيد مصر والمتحصن بحبها والمتصدر لنهضتها كان نعم الأب لحضارة أيقظت الشرق كله من ثباته العميق وضخت فيه روح الوطنية والعروبة والإسلام فسارت مصر فى مصاف الدول الأولى فى العالم متحدية كل المعوقات التى تقف أمامها فى وقت كان فيه جيراننا يعبدون الأشجار والأحجار.

كانت المهمة تنتظر من يقوم بها، وكان الحلم الذى حلمه الشيخ «حسن العطار» متهيئا للتحقيق، ولم يكن ينقص مصر سوى أن يعلن أحد أبنائها عن استعداده للقيام بهذه المهمة، وكان لها رفاعة الذى بحث واستقصى وعلم وخبر، وحفظ القرآن ودرس الأحاديث واللغة والفقه فى أزهرنا الشريف لتتحصن هويته من العاصفات، وليسافر إلى فرنسا التى كانت تبتعد عنا بتقدمها آلاف الأميال، فنهل رفاعة من علومها ووقف على أسباب تقدمها ومتعجلا أخذ ينقل منجزاتها الحضارية والأدبية تماما كما فعل جيش المترجمين فى الدولة العباسية التى نقلت علوم الحضارات الأخرى بدءا، فأصبحت فى سنوات معدودات أكبر إمبراطورية فى العالم، والمستنيرون من الإسلاميين الذين درسوا الدين وتعلموا العلم ووقفوا على أسباب تقدم الدولة الإسلامية الأولى يعرفون ذلك جيداً، فها هو الدكتور محمد عمارة يقول فى مقدمة كتابه عن رفاعة الطهطاوى إن «اليونان أخذوا عن المصريين القدماء، والعرب أخذوا عن اليونان والفرس والهنود وأوروبا بكل أجناسها وأقوامها أخذت عن العرب، إذن من المفيد بل من الضرورى أن ندخل نحن الميدان من جديد بعد أن تخدرنا بالخرافة قرونا ولابد أن نأخذ عن أوروبا ونصل هذا الزاد الحضارى بالمشرق من صفحات حضارتنا القديمة».

يشاء القدر أن يكون الفقير هو باعث النهضة فى ربوع مصر والعالم العربى والإسلامى، وهو الذى وصفه «عمارة» بأنه ناضل نضال أصحاب الرسالات من أجل أن تصل الثقافة والحداثة إلى مصر فتعمر مطابعها بفضل ما كتبه وترجمه هو وتلامذته وتتقدم جيوشها بفضل عمله بها ونقلها للعلوم العسكرية أثناء زيارته لباريس، وبرغم أن منجز «الطهطاوى» فى الجانب الفقهى والدينى يسير، لكن هذا لا يمنعه من أن يكون من أكبر فقهاء التنوير فى العالم الغربى، بل إن شئت قل أكبرهم، ذلك لأنه طلب العلم وهى الفريضة الإسلامية الكبرى ونقله فصار من أفاضلنا، وهو الذى جاهد بعلمه فحافظ على هويتنا وبلدنا، وهو الذى كون بضخه الدماء الجديدة فى أوصالنا شخصيتنا الحديثة التى وقفت أمام المحتلين بالمرصاد، وإن كان من الثابت أن الإيمان هو ما وقر فى القلب وصدقه العمل فقد آمن رفاعة بوطنه ودينه وهويته، وعمل بكل ما أوتى من قوة على تدعيمهم، فكان مؤمناً خالصاً يحفظ كتاب الله ويجتهد فيما لا يجد فيه نصا، ويبنى حضارة جديدة متبعا سنة الأولين الذى كانوا يعملون بحديث رسول الله «الحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها فهو أولى بها».

فى مدينة طهطا سنة 1801 بأقاصى صعيد مصر ولد هذا الرجل يعانى من الفقر بعد أن جرد محمد على آباءه مما كانوا يتحصلون عليه من حصيلة الأراضى الزراعية باعتباره أحد الأشراف من آل بيت النبوة، فقد كان نسب والده يتصل إلى رسول الله مارا بالإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر بن على زين العابدين بن الحسين بن على بن أبى طالب كرم الله وجهه، وكان لنشأة رفاعة فى هذه الأجواء وعمل أخواله بالقضاء الشرعى أكبر الأثر فى تكوينه الشخصى والأدبى والإسلامى، فقد حفظ صغيراً ما يدرسه طلاب الأزهر كما حفظ القرآن الكريم كاملاً وصار عالماً بالنحو والفقه، وهو ما أهله للالتحاق بالأزهر الشريف وهو ابن ستة عشر عاما، وهنا درس أحاديث البخارى ودرس جامع الجوامع فى الأصول ومشارق الأنوار.

كما درس الحديث والحكم لابن عطاء الله السكندرى، ودرس تفسير الجلالين، ودرس مغنى اللبيب، وشرح ابن عقيل وغيرها من معارف الفقه والحديث والعلوم الشرعية على يد أكبر علماء الأزهر وشيوخه، وكان للشيخ «حسن العطار» أعظم الأثر فى حياة رفاعة، حيث كانت تلمذته على يديه مستمرة منذ يومه الأول فى الأزهر، وحتى سفره مبعوثا لباريس، وكان يشركه معه فى قراءة معارفه التى كان يداوم الحديث عنها ويطالعها فى ما لا يتوفر عند غيره من علماء الأزهر، وهنا يجدر القول بأن بذور حلم النهضة التى حلم بها العطار قد ألقاها فى حقلين فأثمرا وطناً حديثاً متحضراً، أما الحقل الأول فهو محمد على باشا الذى أنشأ ما كان يحلم به العطار من مدارس للطب والهندسة والرياضيات، والحقل الثانى هو رفاعة رافع الطهطاوى الذى عنى بالحياة الأدبية، ونقل علوم الغرب إلى مصر، فكانت البداية الحقيقية لنهضتها من كابوس التخلف.

يتخرج الفقر من الأزهر، وهو بعد مازال فقيرا لا يجد ما يعينه على حلمه، فيعمل مدرسا بالأجرة فى بيوت المماليك يعلمهم اللغة والدين، وهو يعمل بالأساس مدرسا بالجامع الأزهر، ثم واعظا بالجيش مستمراً فى عمله هذا حتى العام 1826، حتى يرشحه شيخه الذى آمن بعبقريته وتفرده للسفر واعظا مع بعثة مصر إلى باريس لتعلم العلوم الغربية ونقلها إلى مصر، ومن الواضح أن رفاعة لم يكن منسجماً فى الحياة الفرنسية، وكان منكبا فقط على دراسة اللغة كتابة وقراءة دون إتقان للنطق، وهو ما ذكره تلميذه صالح مجدى عنه، بما يعنى أنه كان يعرف مهمته جيداً، فليس من مهامه أن ينغمس فى الحياة الباريسية، وليس من مهامه أن يتقن النطق بهذه اللغة، فمهمته الأولى أن ينقل علومهم، ويرد بضاعتنا إلينا.

ومنذ اليوم الأول بدأ رفاعة فى تعلم اللغة، برغم أنه لم يكن مبعوثا للتعليم، وإنما لإمامة المبعوثين، لكن روحه الوثابة انتهزت هذه الفرصة بكل ما أوتى من قوة، حتى أنه كان يوفر من مصروفه القليل ما يتعلم به الفرنسية بدروس إضافية ينفق عليها من ماله الخاص، حتى تم إيفاده مبعوثا رسميا بعد ذلك، ليبدأ فى الترجمة فور ما تمكن من اللغة، وما أن يفرغ من كتاب حتى يرسله إلى مصر متعجلا نهضتها، وغير صابر على انتهاء البعثة، حتى يبدأ فى تحقيق المنجز، فقد عرف هذا الشاب اليافع أنه منذور للنهضة، وأن على عاتقه مهمة ثقيلة، وهو جدير بها، فعكف على دراسة القوانين، وترجم كتاب «روح الشرائع» لمونتيسيكو، و«العقد الاجتماعى» لجان جاك روسو، ليعود رفاعة بعد خمس سنوات من العمل والكد وقد سبقته إنجازاته وذاع صيت ترجماته.

كانت أولى الوظائف التى تولاها رفاعة بعد عودته من باريس هى وظيفة مترجم بمدرسة الطب، وقد كان يشغل هذه الوظيفة قبله مترجمون من بلاد مختلفة، ثم عمل مترجما للعلوم الهندسية والعسكرية، وفى هذه الأثناء كان رفاعة يخطط لتحقيق حلمه بإقامة مدرسة الألسن، حتى افتتحها سنة 1839 وقال فى خطبة افتتاحها ما يخبرنا بما لا يترك للشك مساحة بغرضه النبيل وحسه الوطنى العالى، فقال: ولا يخفى أن أصل تصدينا لإنشاء هذه المدرسة هو تقليل التعرب عن الوطن، وحب إيصال النفع إلى الوطن الذى هو من الإيمان، واستمرت هذه المدرسة فى القيام بدورها التنويرى على أكمل وجه حتى عصر عباس الأول، بعد أن قام برسم سياساتها ووضع مناهجها التى كفلت لطلابها أن يكونوا على مستوى عال من الإتقان، ولم ينس وهو الأزهرى المسلم أن ينشئ بهذه المدرسة قسما للفقه لكى يتعلم من يترجمون دينهم وألا ينسوا هويتهم، كما أنشأ قسا للغة العربية لتكون معرفتها معينا على الترجمة الصحيحة، وتدعيما للهوية العربية الإسلامية، وأثناء إدارته لهذه المدرسة أنشأ أول صحيفة عربية مصرية باسم «أخبار الديار المصرية»، كما أشرف على جريدة «الوقائع المصرية» الناطقة بلسان حال الحكومة المصرية.

لم يستمر حلم النهضة بشكله الوردى لرفاعة على طول الخط، فما أن مات إبراهيم بن محمد على حتى تولى عباس الأمر، فأعاد رفاعة نشر كتابه «تخليص الأبريز» الذى يصف فيه الثورة الفرنسية، ويترجم أفكارها الداعية إلى التمرد على الطغاة، والثورة فى وجه الظلاميين، والذى ترجم فيه دستور فرنسا متعاطفا مع ثورة الفرنسيين، وهو على ما يبدو ما أثار استياء الخديو عباس، فأمر بنفيه إلى السودان، وانتقم من رفاعة فى شخص مدرسة الألسن التى جعلها جامعة، فألغى قسم الفقه، وفصل عددا كبيرا من طلابها، ثم نقل مقرها، ثم ألغاها كلية، ووزع طلابها المتبقين على المدرسة التجهيزية، ثم ألغى المدرسة التجهيزية أيضا، وهو ما يؤكد أنه كان ينتقم من رفاعة واستنارته عن طريق محو آثاره وتشتيت طلابه، لكن رفاعة لم يستسلم لأحزان المنفى، واستمر فى ترجمته للكتب والروايات، فترجم رواية مغامرة تلماك، وقدم للأدب العربى أول عمل فنى يستوحى الأساطير اليونانية، وعانى رفاعة كثيراً فى منفاه، لكنه صبر واحتسب حتى تولى سعيد باشا الحكم خلفا لعباس، ففك قيود المنفيين إلى السودان، وأرجع رفاعة إلى سابق عهده، ثم ولاه وكالة المدرسة الحربية، مع رئيسها سليمان باشا الفرنساوى، لكن رفاعة لم يهدأ وهو الحالم بالتعليم والترجمة، حتى نجح فى إنشاء مدرسة جديدة بالقلعة.

فى أى لحظة من اللحظات لم ينس هذا الأزهرى المعمم هويته الإسلامية، فبعد أن سد حاجة مصر من ترجمة العلوم والآداب التى هجرها سابقوه تبنى مشروعا لإحياء الفكر العربى الإسلامى على نفقه الخديو سعيد، فأمر بطبع جملة كتب قيمة من أعمدة كتب الفقه والتفاسير والأدب، واستمر هذا المكافح المجاهد فى عمله إلى ما يقرب من أربعين عاماً حتى أصدر من الكتب والتراجم ما يقرب من ألفى كتاب، فى حين أن تركيا وهى التى كانت عاصمة الخلافة لم تصدر فى قرن كامل سوى أربعين كتابا، ليبدد بهذا العلم الوافر وهذا الحراك الثقافى اللافت خرافات عاشت فى المجتمع المصرى وتوغلت، حتى أنه كان يستاء كثيراً من أن بعض العامة يعتقدون أن أسلافنا الذين بنوا الآثار الشاهقة كانوا أطول منا وأضخم، معللاً ذلك بالقول إنهم كانو يعانون من «قصور الأذهان عن مقدار ما يحتاج إليه ذلك من علم الهندسة»، وهو ما لم يعد له مكان بعد ثورة الطهطاوى التنويرية العلمية التى وصلت ما انقطع من حضارة الإسلام والمسلمين.

ولم تكن ثورة رفاعة مقصورة على العلم والتعليم فقط، وإنما تعدت ذلك لتتحول إلى ثورة اجتماعية كبيرة، فيعتبر رفاعة أول داعية لتعليم المرأة فى مصر، بل فى الشرق كله، وبذل رفاعة جهودا مضنية من أجل تعليم البنات، لتصبح البنت المصرية كسابقتها من فضليات المسلمات اللاتى كن يعلّمن الرجال والأئمة، ولا أدل على ذلك من أن الإمام الشافعى كان يتلقى العلم على يد السيدة نفسية، ويحضر جلساتها العامرة بالفقه والحديث، وفى الحقيقة لم يكن حرمان البنات من التعليم بوازع دينى، وإنما كان بدافع اجتماعى يحتقر المرأة التى كرمها الإسلام، واتهم من يدعون تحريم تعليم البنات بأن عقليته جاهلية، وذلك لأن بعض الصحابيات كن متعلمات كما هو ثابت فى الأثر، وفى الحقيقة فإن احترام رفاعة للمرأة تعدى فكرة تعليمها، فقد نبذ تعدد الزوجات ودعا إلى تقييده، وقيد نفسه بتعهد مكتوب إلى زوجته يقر لها فيه بعدم أحقيته الزواج من أخرى، أو اقتناء ملكة يمين، وإلا كانت «طالقا بالثلاثة».

وهكذا سار رفاعة مجدداً رافعاً قيم الإسلام السمحة، متبعاً ما يمكن أن نطلق عليه مصطلح «الفقه التطبيقى»، فنعم لم يترك رفاعة كتباً كثيرة فى الفقه، ولكن أخلاقه وأعماله كانت دستوراً فقهيا نابعا من إزهرى، وعى قيم دينه، وعمل على إعلائها، ولا نبالغ إذا قلنا إن الدور التنويرى الذى قام به رفاعة يكاد يوازى الدور التنويرى الذى وقع أثناء الخلافة العباسية التى احتفت بالترجمة، وخصصت لها أفرادا وجماعات ودعمتها، فكان لها أكبر الأثر فى أن تكون تلك الدولة من أعظم الدول الإسلامية تأثيراً ونفعاً وتحضراً، وفى ترجمة رفاعة للدساتير الفرنسية والعثمانية وضبط هذه القوانين والدساتير بالمصطلحات الإسلامية لتتوافق مع هويتنا وتتناسب مع أخلاقنا تشابه كبير مع ما قام به الصحابى الجليل عمر بن الخطاب، حينما نظم الدولة الإسلامية وفق ما عرفه من تنظيم الدواوين الفارسية، فقد كانت دماء العروبة والإسلام تجددت قديما بالفتوحات، وما إن انحصرت الفتوحات حتى نقصت هذه البلاد وانكمش الحلم بالتجديد والتطوير، فها هى الأندلس تنسلخ من الحواضر العربية الإسلامية، وها هى تركيا تتغرب عن لغة الإسلام، وها هى بلاد شرق آسيا تعود تدريجيا إلى لغاتها، وها هى الفتوحات العربية تختفى من الخرائط ويبدأ زمان الاحتلال، فما السبيل إذن لتجدد الحضارات، وضخ دماء جديدة فى أوصال الشعوب والبلدان؟.. وحده رفاعة أيقن أنه لابد لهذه الأمة من أن تجدد شبابها باستقدام معارف الأمم الأخرى بالترجمة والأسفار بعد أن حرمها التخلف والجمود والانكماش من أن تنتفع بما يتسرب إليها من حضارات الأمم الأخرى عن طريق تطعيم ديار الإسلام بعلوم الحضارات الأخرى، وقد رأينا كيف ازدهرت علوم الفقه والحديث واللغة على أيدى مسلمين أعاجم وأندلسيين ومغاربة ومصريين. وبهذا الدور الذى لعبه رفاعة ضمنت الحضارة الإسلامية أن تتجدد كل يوم بمعارف جديدة، ولمعرفة كم هو مؤثر ذلك الدور الذى لعبه رفاعة علينا أن نقارن بين وضع مصر والعرب قبل رفاعة وبعده، ثم ما علينا بعد ذلك إلا أن نتخيل ما هو الحال إذا ما هل علينا الاحتلال الإنجليزى بجموده وجبروته ونحن خاوون منسحقون لا هوية تجمعنا ولا فقه ولا علم، ألم يكن من الممكن أن تذوب هويتنا العربية الإسلامية فى هوية هذا المحتل، وأن تتغير لغتنا مثلما تغيرت لغة الشعوب الأخرى، وأن ننسحق أمامه ونصبح تابعين له كما انسحقت شعوب أفريقيا وبعض شعوب المغرب العربى أمام محتليها؟

15















تعليقات (9)
1
زمن السرد الجميل والاستفاده
بواسطة: sayed
بتاريخ: الأحد، 5 أغسطس 2012 - 09:31
تتحفنا بما تقدمه من معلومات قيمه نستفيد منها
لعل الجميع يقرأ ويعرف أكثر حتى يستنير
لك الشكر على ما تقدمه
2
لا تتضحكوا على عقولنا رفاعة الطهطاوى البذرة الاولى لشجرة التغريب
بواسطة: محمد المصرى
بتاريخ: الأحد، 5 أغسطس 2012 - 09:51
رفاعة الطهطاوي، إمام البعثة المصرية إلى فرنسا وواعظها، الذي أصبح بين عشية وضحاها بوقًا من أبواق هجمات التغريب والانبهار بالحضارة الغربية، فكيف تحول الأزهري الشرعي إلى داعية للتغريب؟

رفاعة الطهطاوي .. المولد والنشأة
وُلد رفاعة رافع الطهطاوي "رفاعة الطهطاوي" في 15 أكتوبر 1801م، بمدينة طهطا إحدى مدن محافظة سوهاج بصعيد مصر، ونشأ في أسرة كريمة الأصل شريفة النسب، فأبوه ينتهي نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب[1]، وأمه فاطمة بنت الشيخ أحمد الفرغلي، ينتهي نسبها إلى قبيلة الخزرج الأنصارية.

لقي رفاعة الطهطاوي عناية من أبيه؛ فحفظ القرآن الكريم، وبعد وفاة والده رجع إلى موطنه طهطا، ووجد من أخواله اهتمامًا كبيرًا حيث كانت زاخرة بالشيوخ والعلماء، فحفظ على أيديهم المتون التي كانت متداولة في هذا العصر، وقرأ عليهم شيئًا من الفقه والنحو.

سافر رفاعة الطهطاوي إلى القاهرة، وهناك التحق وهو في السادسة عشرة من عمره بالأزهر في عام 1817م[2]، وشملت دراسته في الأزهر الحديث والفقه والتفسير والنحو والصرف... وغير ذلك.

نقطة التحول في حياة الطهطاوي
وبعد تلك السنوات التي قضاها رفاعة الطهطاوي في طلب العلم، ودراسة الشريعة، أرسلته الحكومة المصرية إلى فرنسا مع البعثات التغريبية التي نقلت الحضارة الغربية الغثّ منها قبل السمين، فخرج في الأصل إمامًا للصلاة والوعظ مع البعثة، ولكنها كانت نقطة التحول وبداية مرحلة من جهوده المناهضة للشريعة.

ولما عاد رفاعة الطهطاوي إلى مصر وَلِي رئاسة الترجمة في المدرسة الطبية، وأنشأ جريدة "الوقائع المصرية"، وألف وترجم عن الفرنسية كتبًا كثيرة، وأسس مدرسة الألسن وعمل ناظرها، وهي المدرسة التي (أوحى له الفرنسيون بإنشائها، والتي كانت مركزًا لبث الحضارة الغربية بين طلبتنا باسم العلم والثقافة، عندما استقدمت مصر أساتذة من فرنسا؛ لتدريس المواد في تلك المدرسة التي شوهت حضارة الإسلام، وبذلك حقق الفصل بين الأزهر من جهة، وعلوم العصر من جهة ثانية، وأحدث انقسامًا بين النخبة التي يرى أطرافها نقائض لبعضهما)[3].

ولقاء انضوائه تحت لواء الحضارة الغربية، فقد رضي محمد علي ومعظم أبنائه الولاة عن الشيخ رفاعة الطهطاوي، فقد بلغت ثروته يوم وفاته ألف وستمائة فدان غير العقارات، وهذه ثروته كما ذكرها علي مبارك باشا في خططه، فقد أهدى له إبراهيم باشا حديقة نادرة المثال في "الخانقاه"، وهي مدينة تبلغ 36 فدانًا، كما أهداه محمد علي 250 فدانًا بمدينة طهطا، وأهداه الخديو سعيد 200 فدانًا، وأهداه الخديو إسماعيل 250 فدانًا، بينما اشترى الطهطاوي نفسه 900 فدانًا، فبلغ جميع ما في ملكه إلى حين وفاته 1600 فدان، غير ما شراه من العقارات العديدة في بلده طهطا وفي القاهرة، فماذا قدم الطهطاوي حتى يخلع عليه هؤلاء الولاة هذه الأموال والأراضي؟

جهود رفاعة الطهطاوي في مناهضة الشريعة
رائد الإصلاح والتنوير كما يطلق عليه مؤيدوه، كان الثغرة الأولى التي نفذ منها الغربيون إلى عالمنا الإسلامي، فكما يقول المستشرق "جب": (كانت المصادر الأولى التي أخذ الفكر الأوربي يشع منها هي المدار المهنية التي أنشأها محمد علي، والبعثات العلمية التي أرسلها إلى أوربا، ويذكر أن منها مدرسة الألسن التي كان يشرف عليها العالم "الفذُّ" رفاعة الطهطاوي، وهو تلميذ جومار ألبار)[4].

أما ما يتعلق بإعجابه الهائل بزيف الحضارة الغربية، فيقول في كتابه "تخليص الإبريز في تلخيص باريز": (والغالب أن الجلوس للنساء، ولا يجلس أحد من الرجال إلا إذا اكتفى النساء، وإذا دخلت امرأة على أهل المجلس ولم يكن ثَمَّ كرسي خالٍ قام لها رجل وأجلسها، ولا تقوم لها امرأة لتجلسها، فالأنثى دائمًا في هذه المجالس معظمة أكثر من الرجل، ثم إن الإنسان إذا دخل بيت صاحبه؛ فإنه يجب عليه أن يحيي صاحبة البيت قبل صاحبه ولو كبر مقامه ما أمكن، فدرجته بعد زوجته أو نساء بيته)[5].

ويقول في وصفه لحال المراقص في باريس، ولا أدري ما حاجة الواعظ والإمام فضلاً عن غيره من المسلمين في دخول مثل تلك الأماكن: (فالرقص في باريس دائمًا غير خارج عن قوانين الحياء، بخلاف الرقص في أرض مصر فإنه من خصوصيات النساء؛ لأنه لتهييج الشهوات، أما في باريس فإنه لا يُشم منه رائحة العهر أبدًا! وكل إنسان يعزم امرأة يرقص معها، فإذا فرغ الرقص عزمها آخر للرقصة الثانية، وهكذا، وسواء أكان يعرفها أو لا، وتفرح النساء بكثرة الراغبين في الرقص معهن)[6].

ثم يسهب في وصف نوع الرقصات وشكلها؛ فيقول: (وقد يقع في الرقص رقصة مخصوصة؛ بأن يرقص الإنسان ويده في خاصرة من ترقص معه، وأغلب الأوقات يمسكها بيده)[7].

وهنا يعلق الدكتور العفاني قائلاً: (وهذا الكلام يوحي لقارئه بدلالات؛ نذكر منها اثنتين:

1- أن الأخلاق ليست مرتبطة بالدين، وهي فكرة انقدحت في ذهن الشيخ، لكنه لم يستطع أن يعبر عنها بجلاء، فها هو المجتمع يمارس ألوان الدياثة التي لا يرضاها الدين طبعًا، ولكنها مع ذلك ليست خارجة عن قوانين الحياء، ولا يُشم منها رائحة العهر، حتى قيل صراحة: إن الحجاب وسيلة لستر الفواحش، وأن التبرج دليل على الشرف والبراءة، ومن ثَمَّ فلا علاقة بين الدين والأخلاق.

2- أن هذا المجتمع الديوث يكرم المرأة ويحترمها، وفي المقابل نرى المجتمع الإسلامي عنده يحافظ على العرض ولكنه يحتقر المرأة، ويصل إلى المفهوم الذي وجد في أوربا نفسه؛ وهو أن حقوق المرأة مرتبطة بتحررها من الدين، فما لم يُنبذ الدين فلن تحصل على هذه الحقوق)[8].

دفاع رفاعة الطهطاوي عن قواعد الحضارة الغربية الباطلة
فهو يقول في أحد مؤلفاته، محاولاً تلبيس تلك القواعد العقلية الاعتزالية الغربية لباس الشرع: (ومن زاول علم أصول الفقه، وفقه ما اشتمل عليه من الضوابط والقواعد؛ جزم بأن جميع الاستنباطات العقلية التي وصلت عقول أهالي باقي الأمم المتمدنة إليها وجعلوها أساسًا لوضع قوانين تمدنهم وأحكامهم؛ قلَّ أن تخرج عن تلك الأصول التي بُنيت عليها الفروع الفقهية التي عليها مدار المعاملات، فما يُسمى عندنا بعلم أصول الفقه، يشبه ما يُسمى عندهم بالحقوق الطبيعية أو النواميس الفطرية، وهي عبارة عن قواعد عقلية تحسينًا وتقبيحًا يؤسسون عليها أحكام المدنية.

وما نسميه العدل والإحسان يعبرون عنه بالحرية والتسوية، وما يتمسك به أهل الإسلام من محبة الدين والتولع بحمايته مما يفضلون به عن سائر الأمم القوة والمنعة يسمونه محبة الوطن)[9].

وكان لتلك الدعوى آثار وتلاميذ يحملونها؛ ومنهم محمد عثمان جلال لترى موجة عاتية من موجات التغريب، فقد كانت أبرز آثاره الأدبية ترجمات لبعض المؤلفات الفرنسية ذات الشهرة، مثل: "بول وفرجيني"، و"خرافات لافونتين" وبعض "ملاهي موليير"، (والأمر الذي يجب التنويه به في عمله هذا ليس هو فكر الترجمة في ذاتها، بل الروح التجديدية التي تكمن وراءها، فقد ترجم "لافونتين" إلى شعر سهل لا تصنع فيه ولا رهق.

إلا أنه حين ترجم "ملاهي موليير" كتبها بلهجة العامة في مصر، ولم يكن الوقت قد حان بعد للإقدام على مثل هذا العمل الجريء، غير أن ما تجلى في تلك الخطوة من انفكاك تام من أسر الماضي كان دليلاً على روح العصر، فقد قال الخديو إسماعيل: "مصر أصبحت قطعة من أوربا"؛ ولذا كان لا بد للأدب المصري من أن يعبر عن استقلاله عن التقاليد الآسيوية والإفريقية)[10].

رفاعة الطهطاوي والمرأة المسلمة
وكعادة دعاة التغريب والانحلال تحت مسمى التنوير والحداثة، ينفثون سمومهم من أجل تحرير المرأة ليس من الظلم الذي يدعونه، ولكن من كل حياء إسلامي رفيع؛ ولذا فقد نالت المرأة من كتاباته الكثير، فقد عاد الطهطاوي من فرنسا ليقول بملء فيه: (إن السفور والاختلاط ليس داعيًا إلى الفساد)[11]، ويُبرر لدعوته ذلك بالاقتداء بالفرنسيين حتى في إنشاء المسارح والمراقص، وضمَّن ذلك كتابين: "تلخيص الإبريز في تلخيص باريز"، وكتاب "المرشد الأمين".

العوامل المؤثرة في تكوين رفاعة الطهطاوي الفكري
وعن هذا يخبرنا الأستاذ سالم مبارك في كتابه "اللغة العربية.. التحديات والمواجهة"، فيقول عن رفاعة الطهطاوي: (ذكيًّا نعم، نابهًا بين أقرانه نعم، محبًّا للعلم نعم، ولكنه مع ذلك في الخامسة والعشرين من العمر... غريرًا، طري العود، جاء من أقصى الصعيد حيث البؤس والضنك إلى قلب باريس بحدائقها وميادينها ومباهجها.

وتم تسليمه إلى أخطر مستشرق وأدهاهم، إنه البارون الفرنسي "سلفستر دي ساسي"، فتنوه وجعلوه يشاهد أروع المحافل التي تتألق أنوارها، فتتألق معها مفاتن النساء، انتزعوه من بؤس الصعيد وأزقتها المخربة وقضى في باريس 6 سنوات، تعلم فيها الفرنسية، ودرس التاريخ، والجغرافيا، والفلسفة والآداب الفرنسية، وقرأ مؤلفات "فولتير"، و"جان جاك روسو"، و"مونتسكيو"، وتعلم فن العسكرية, والرياضيات.

كيف يمكن لست سنوات أن تلم هذه العلوم التي شابت لها نواصي الرجال إلا أن تكون خطفًا، وأن يكون ما ألفه سطوًا على كتب، حتى مدرسة الألسن التي أنشأها لم تكن من بنات عبقريته بل بإيعاز ممن درَّبوه هناك، وهذه المدرسة أحدثت صدعًا في ثقافة الأمة وقسمتها إلى شطرين: الأزهر في ناحية, ومدرسة الألسن في ناحية, والوظائف طبعًا تكون للأخيرة حيث يدرس فيها المستشرقون)[12].

وفاة رفاعة الطهطاوي
انزوى رفاعة الطهطاوي في آخر حياته عن الساحة، وترك مكان الصدارة الذي ظل يشغله طيلة خمسين سنة يترجم علوم وأفكار أوربا والقوانين الوضعية ويرأس تحرير
3
لابد من النهضة
بواسطة: سعد صابر الشيهي
بتاريخ: الأحد، 5 أغسطس 2012 - 10:11
أحسنتم وأحسن الله إليكم على هذا الثراء بالرغم وجود بعض التحفظات في المقال ولكن الغالب أفضل وجميل ويعتبر سبيل من سبل للنهوض بالأمة ونتمنى من حضراتكم المزيد . وجزاكم الله خيرا .
4
هل هذا ما تنادون به يا وائل يا سمرى ؟؟؟
بواسطة: م / أحمد
بتاريخ: الأحد، 5 أغسطس 2012 - 10:17
لقد ارسلت تعليقا لم يتم نشره من قبل فى حلقة الامام الشاطبى شبهت فيها محاولاتك للعرض التاريخى لدعاة التنوير ، بالعرض الصوفى لاعلام الصوفية فى احد كتبهم و التى بدات من التابعين وقمم الاسلام وصولا الى العارف بالله فلان و علان !!!

و كنت على يقين من محاولاتك الثعلبية على نفس المنوال ابتداءا من عمر بن الخطاب وصولا بمغربى الامة و منحيى الشريعة !!! و الذى تراهم منورين لمجرد محاولاتهم الانسلاخية من امتهم

اين مقارعة الحجة بالحجة يا رجل ؟ ،اين التنوير و التفكير فى حجبك للنقد و ماذا تفعل لو فعل ذلك رافضى تنويرك ؟

لا ينكر شخص ان الاخذ من الامم الاخرى من حاضرها أو ماضيها شىء مهم و ضرورى فى احيان اخرى و لكن السؤال ماذا نأخذ و ماذا نترك ؟

5
مع تحيات اليوم الفاسد وخالد فساد الدين
بواسطة: abdelhamed
بتاريخ: الأحد، 5 أغسطس 2012 - 13:10
هو فيه ايه يا شويه بشر الحضارات الغربيه الان تعلم اولادها بطرق الازهر القديمه
ورجعوا يدرسون الاقتصاد الاسلامى لانه بشهادتهم هو الانجح
وامام الفلاسفه على بن ابى طالب ودور يا اعمى البصيره يا من ترضى اسيادك
اانتو جبتو لنا التخلف امشو ابعدو
والا سيكون الجهاد فيكم حلال
وهتمشى احزمه ناسفه ومش هتفرق وهتكون البدايه للابواق
والله اكبر الله اكبر ونعم للاسلام
6
جهد محمود
بواسطة: جمال عبد الناصر
بتاريخ: الأحد، 5 أغسطس 2012 - 19:22
هذا بيان للناس وهدي وموعظه للمتقين...
إستمر ياسيد /وائل ولا تبالي بأعداء العلم والتقدم والحضاره...
إستمر لتنهض مصر بالإسلام ولايقعدها الأدعياء وتجار الدين بدعوي الإسلام..
إستمر ولاتبالي بتعليقات السفهاء...
أنت أنت لها.
7
الاسلام المنفتح و العقول المغلقه
بواسطة: احمد السيد
بتاريخ: الأحد، 5 أغسطس 2012 - 21:29
انتشار الاسلام كدين و عقيده ايمانيه فى العالم ارتبط بعدة اسباب منها دخول الاسلام فى بعض الدول عن طريق الفتوحات المسماه اسلاميه (تمثل تقريبا 35 % من تعداد المسلمين ) بينما 65 % تقريبا بغير طريق الفتوحات عن طريق الاتصال بطرق اخرى كالتجاره و هذا يعكس قدرة الاسلام بمبادءه و قيمه الساميه فى الانتشار و توفير الغذاء الروحى و العقلى للبشريه
كذلك نرى العديد من المفكرين و الادباء و الكتاب ممن خدموا القضايا الاسلاميه ممن لم تكن لهم الصبغه الدينيه و لم يحصلوا على خاتم السلفيه او الاخوانيه او الازهريه مثل الكاتب محمد حسين هيكل و هو واحد من اهم ممن دافعوا عن الاسلام و واجه المستشرقين و خدموا قضايا الاسلام. و دعونا نقارن بين المستنير رفاعه الطهطاوى و اراءه القديره و بين موقف علماء الازهر عندما عرض عليهم نابليون بونابرت تجربة الاوانى المستطرقه و كان ردهم ان هذا شئ لا طاقة لنا به..... المستنيرين يخدموا قضايا الاسلام افضل من اصحاب العقول المغلقه الجامده...... دعونا لاعمال العقل لا النقل و لا نستغل الدين و امور العقيده فى مصالح انيه ضيقه.دعونا نستلهم افكار و رؤى رفاعه الطهطاوى لاعلاء شأن العقل و الفكر... وشان الاسلام و المسلمين ... يرحمكم الله
8
ماذا اقول
بواسطة: محمد
بتاريخ: الإثنين، 6 أغسطس 2012 - 09:53
معرفتي أن الدكتور محمد عمارة من اصحاب الاتجاه الاسلامي لكن ما قرأته في هذا المقال اصابني بدوار فهاهو يكلمنا عن اصل رفاعة الطهطاوي و نسبه الرفيع و أن محمد علي صادر املاكه و بعدها يبتعث الى اوربا و بالتحديد باريس و ينبهر بما يراه هناك حتى نسي نفسه يا سيدي و أخذ يصف لنا احترام المرأة هناك و هي تنتقل من يد راقص الى آخر و جلوسها على المقاهي و قيام الرجال لها و تقديمها على زوجها في البيت و يرى هذا تقدماً و رفعة ً لمكانة المرأة و غيره الكثير و ثم بعد ذلك يموت إقطاعياً ....أقول هل بالنسب وحده يعلوا الانسان ألم يكن أبولهب عم رسول الله ...........لابد من النظر الى الامر بطريقة شرعية فقط هل قدم للإسلام و المسلمين ما ينفعهم في أمر دينهم أم دلس عليهم رفاعة و من ترجم رفاعة...جزى الله خيراً المعلق رقم(2) لطالما تغنينا صغاراً برفاعه و قاسم أمين و غيرهم ارجوكم .

_________________

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  * الدال على الخير كفاعله *
سبحان الله .. الحمد لله ..  الله أكبر ..  لا إله إلا الله
لا حول ولا قوة إلا بالله ... سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد
كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم

من هذا المبدأ الدال على الخير كفاعله

كيف تستفيد من الانترنت وتربح الكثير من المال باقل مجهود
ارشح لكم هذا العمل للكسب السريع بدون اي تكلفة مادية منك
من هنا .هنا هنا هناااااااااااااااااااا..
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://said63.goodforum.net
said63
منتديات شباب العارب
منتديات شباب العارب
avatar

عدد الرسائل : 3822
العمر : 54
تاريخ التسجيل : 14/02/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقهاء التنوير من عمر بن الخطاب يكتبه وائل السمري لكم    الأربعاء أغسطس 15, 2012 3:06 am

وائل السمرى يكتب:مصطفى السباعى.. المؤمن الحق.. أسس جماعة الإخوان فى سوريا وألف كتاباً يمتدح الاشتراكية وأكد أن عظمة التشريع الإسلامى أنه "علمانى".. حارب من أجل إرساء قواعد المواطنة
الثلاثاء، 14 أغسطس 2012 - 09:46

العالم الكبير والمصلح الرائد مصطفى السباعى
وائل السمرى




◄أسس جماعة الإخوان فى سوريا وألف كتاباً يمتدح الاشتراكية وأكد أن عظمة التشريع الإسلامى أنه «علمانى»

◄حارب من أجل إرساء قواعد المواطنة وأسقط حكم الجزية عن المسيحيين وقال إن النبى استضاف أهل الكتاب فى الجامع

◄قال: الإصلاح الحقيقى أن يبدأ بالضرب على المتاجرين بالدين فهم الأعداء الحقيقيون للمصلحين المخلصين

هو سليل تلك المدرسة الكبيرة التى نشأت فى مصر وتفرعت فأثمرت فروعها علما وحكمة ونضالاً وإيماناً، مدرسة جمال الدين الأفغانى التى كانت حلما فى ذهن المصلح الكبير فجعلها الإمام محمد عبده واقعا، فأخرج للعالم الإسلامى عشرات الأئمة المصلحين الذين دافعوا عن دين الله وأجهضوا مسلسل سحق الهوية العربية الإسلامية، وأكسبوا الدين تجدداً وشموخاً ورفعة وبهاء، هو من يصدق فيه قول رسول الله «الإيمان ما وقر فى القلب وصدقه العمل» فآمن بالله وعمل على طاعته والتضحية من أجل إعلاء كلمته، وآمن بشعبه العربى وجاهد فى سبيله، وآمن بسماحة الإسلام وتمدنه فعمل على ترسيخ تلك السماحة محاربا كل أشكال التمييز والعنصرية، وآمن بمبادئ الإسلام الاقتصادية التكافلية الاشتراكية فتبنى تلك القضية وحارب من أجلها، وآمن بقدرة المسلم المستنير على النهوض بأمته فعمل أقصى ما يستطيع حتى يتحقق ما يريد، رافعاً سلاح العلم فى وجه الجهل، متمسكا بمبادئ الشريعة السمحة دون التقيد بأفرعها وتفرعاتها المذهبية فوصل إلى مرحلة الصفاء الإسلامى النبيل.

هو العالم الكبير والمصلح الرائد مصطفى السباعى ابن حلب السورية المسلم الديانة العربى النزعة، الإنسانى الهم والحلم، المولود سنة 1915م لأسرة عريقة فى العلم والمعرفة، وهو ما ساعده على بلوغه مرتبة النبوغ سريعا، وبالتزامن مع إنماء وعيه الدينى عمل السباعى على تنشيط دوره السياسى، فانضم للجمعيات السرية التى كانت تكافح ضد الاستعمار، فسجن مرة بعد مرة، وقد اختار أن يناضل بعلمه الوافر وروحه الوثابة وجسده الهزيل، ولذلك سافر إلى مصر ليدرس فى الجامع الأزهر على يد أئمته العظام.

فى مصر التحق السباعى بكلية الشريعة ليدرس الفقه وأصوله، وليشترك أيضاً فى نضاله العربى ضد المحتل الإنجليزى فسجن بعد اشتراكه فى مظاهرة ضخمة ضد الاحتلال البريطانى وبقى فى السجن حتى توسط له الشيخ المراغى فأخرجته السلطات البريطانية من مصر إلى غزة حيث اعتقل هناك أربعة أشهر، ثم رحلته إنجلترا إلى الشام ليمكث هناك فى السجن عامين متلقيا كل صنوف العذاب.

فى مصر أيضاً تعرف على الإمام حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين واقترب منه وحينما سافر إلى سوريا عمل على توحيد التجمعات الإسلامية فى كيان واحد فأسس فرع الجماعة فى سوريا وأصبح مراقبها العام، ولعمق تأثير الأجواء المصرية فى وجدانه أسس جريدة باسم «المنار» 1947م مقتبساً الاسم من الشيخ رشيد رضا ولأن الإيمان هو ما وقر فى القلب وصدقه العمل فقد انضم السباعى إلى كتائب الدفاع عن المسجد الأقصى فى حرب 1948 بكل ما أوتى من قوة، ولما لحقتهم الهزيمة عاد ليكمل نضاله فى بلده، ضد الجهل والتخلف والطائفية والرجعية، حيث نجح فى الانتخابات التشريعية السورية فى العام 1949م واختير ضمن لجنة لوضع الدستور السورى الجديد. وحينما تم إصدار قرار بحل جماعة الإخوان المسلمين فى سوريا سنة 1952 سافر إلى بيروت ولم يعد إلى دمشق إلا بعدها بسنتين، ليعود إلى ميدان الصحافة مرة أخرى، ويصدر جريدة الشهاب، وسرعان ما عاد إلى مصر مرة أخرى ليشترك فى صد العدوان الثلاثى على مصر، وقد بدت عليه آثار المرض، ليعود إلى سوريا مرة أخرى ويقعد طريح الفراش ثمانى سنوات مصابا بشلل نصفى لتختبره تلك الفترة بأقسى المحن فيخرج منها صافى القلب والذهن ويكتب خلالها كتاب «هكذا علمتنى الحياة» الذى يعتبر قطعة أدبية فريدة مشبعة بالحكمة والرؤية الثاقبة.

إلى فئة المثقفين المناضلين ينتمى العالم «مصطفى السباعى» وهو الذى قضى عمره كله يحمل من الدعوة الإسلامية أجمل ما فيها من فداء وصفاء ومحبة وإيثار، لا تعميه انتماءاته عن مصلحة بلاده، ولا يتورع فى أن يسخر معرفته بالشريعة الإسلامية من أجل الدفاع عن القيم السامية والمبادئ الرفيعة التى ترسخها تلك الشريعة، فكان كلما يذكر كلمة «شريعة» يذكر بجوارها كلمة «مبادئ» حتى لا يلتبس الأمر على أحد فيظن أنه يستبد بالشريعة أو يتاجر بها، وأثناء وجوده بمجلس الأمة السورى كان نعم الفقيه المستنير الذى يدافع عن الشبهات التى حاول الاستعمار أن يلصقها بالدين الإسلامى، من أنه دين التمييز والاضطهاد والطائفية، فوقف فى البرلمان يدافع عن حقوق المواطنة، مخرجاً حكماً شرعياً ليبطل ادعاء من يقولون إن المسلمين سيجبرون المسيحيين على دفع الجزية عقب وضع مادة بالدستور السورى تنص على أن الإسلام دين رئيس الدولة، فقال إن الجزية كانت قبل الإسلام تفرض على من لم يكن من الفاتحين عرقاً أو بلداً أو ديناً، سواء حارب أم لم يحارب، أما فى الإسلام فلا تفرض إلا على المحاربين من أعداء الأمة، أما المواطنون من غير المسلمين من لم يحاربوا الدولة فلا تفرض عليهم الجزية وهو الأمر الذى فعله عمر بن الخطاب مع نصارى تغلب وقال: لو رجعنا إلى آية الجزية فى القرآن لوجدناها تقول: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.. فهى كما ترون تجعل الجزية غاية لقتال أهل الكتاب حين نتغلب عليهم.

وليس كل أهل الكتاب يجب علينا أن نقاتلهم، إنما نقاتل من يقاتلنا ويشهر علينا السلاح، ويعرّض كيان الدولة للخطر، وهذا هو صريح الآية الكريمة: «وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا إن الله لايحب المعتدين» ملخصاً القول بأن: «الذين يعيشون فى الدولة مع المسلمين من أهل الكتاب، ويشاركونهم فى الإخلاص والولاء لها، ليسوا ممن يجوز قتالهم، فلا تفرض عليهم الجزية التى هى ثمرة القتال بعد النصر، وهذا ما يفهم من آيات الجزية من غير تأول ولا تعسف».

ولم يكن إرساؤه لمبدأ المواطنة هذا غريبا عليه فورد فى كتاب «مصطفى السباعى الداعية المجاهد والفقيه المجدد» أنه كان فى الثالثة والعشرين من عمره، وأصدرت حكومة الكتلة الوطنية أثناء الاستعمار الفرنسى قانون الطوائف، فكتب فى افتتاحية مجلة الفتح وهو فى مصر كلمة هاجم فيها قانون الطوائف قال فيها: ماذا نقول فى بلد دخله أوصياؤه وهو شعب واحد وأمة واحدة فما لبثوا أن جعلوه موزعاً بين عرب مسلمين ومسيحيين ويهود ونصيرية ودروز وإسماعيليين وشيعة وأكراد وتركمان وشركس وداغستان وغجر ثم زادوا عليها الأرمن والآشوريين، وفى انتصاره للجمهورية المدنية قال: إن هذه البلاد أحبت النظام الجمهورى، واعتنقته واعتقدت بصلاحه، وإننا نعلن بكل إيمان وصراحة ووضوح بأننا لا نريد عن النظام الجمهورى بديلاً: إننا نريد لوطننا نظاماً شعبياً ديمقراطياً، يقوم على إرادة الشعب، وتتمثل فيه إرادة الشعب، كما أنه أسهم فى وضع دستور سوريا الذى يقول إن الإسلام دين الدولة والأديان السماوية محترمة ومقدسة، والأحوال الشخصية للطوائف الدينية مصونة ومرعية، المواطنون متساوون فى الحقوق لا يحال بين المواطن وبين الوصول إلى أعلى مناصب الدولة بسبب الدين أو الجنس أو اللغة.

ليس هذا فقط بل إن أحد الباحثين وهو محمد باروت ذكر فى بحثه «العلمانية المؤمنة» أن السباعى كان رائد هذا الاتجاه، حيث إنه قال فى مجلس الأمة السورية إن «التشريع الإسلامى» علمانى وذلك لأنه يقصد تحقيق مصالح الناس شارحاً وجه نظره قائلاً «إن الإسلام فى تشريعه مدنى علمانى يضع القوانين للناس على أساس من مصلحتهم وكرامتهم وسعادتهم، لا فرق بين أديانهم ولغاتهم وعناصرهم» وهى تقريباً الجملة التى تتوافق مع ما قاله الإمام المراغى فى لجنة وضع القوانين حيث قال لأعضاء اللجنة «ضعوا ما ترونه صالحاً للناس وستجدون فى الشريعة ما يؤيد اتجاهكم» وفى ذلك تطبيق عصرى وحديث لمبدأ مقاصد الشريعة التى يهدف الإسلام إلى تحقيقها، ويقول باروت إن السباعى بهذا التوجه أسس ما أسماه «الإسلام الحضارى» وهو المصطلح الذى يستخدمه البعض الآن، وهو الذى يشمل جميع أفراد الأمة مهما كان دينهم.

فى تجديدات «السباعى» واستنارته يعترف بالفضل الأول للمصلح الكبير جمال الدى الأفغانى ومحمد عبده حيث يقول فى مقدمة كتابه «الاشتراكية الإسلامية»: ولقد أسهم كثيرون من أفاضل العلماء والمصلحين منذ عصر المصلح الكبير السيد جمال الدين الأفغانى وتلميذه الإمام محمد عبده رحمها الله حتى وقتنا هذا فى جلاء الحقيقة التى جهلها دعاة المذاهب المستوردة إلى أن استوى التحرر العلمى على قدميه واستطاع أن يرد الباطل ويكشف الزيف ويجلو جمال الحق للأبصار» فهو يتعامل معهما باعتبارهما الأستاذين اللذين مهدا الطريق للعلم، ورسخا دعائم التجديد، ولذلك يختار السباعى وهو واثق من جرأته التجديدية أن يتناول الاشتراكية من منظور إسلامى، فيقول إنه اختار أن يكون عنوان الكتاب «اشتراكية الإسلام» لعلمه بأن «الاشتراكية» ليست «موضه» بل هى نزعة إنسانية تتجلى فى تعاليم الأنبياء ومحاولات المصلحين منذ أقدم العصور.. تسعى الشعوب إلى تحقيقها لتتخلص من فواجع الظلم الاجتماعى والتفاوت الطبقى الفاحش المزرى بكرامة الإنسان، ويؤكد السباعى أن هدف الدين الإسلامى هو ذاته هدف الاشتراكية غير أن الإسلام سبق النظرية الغربية بمئات السنين فيقول: «هدف الاشتراكية على اختلاف مذاهبها هو منع الفرد من استغلال رأس المال للإثراء على حساب الجماهير وبؤسهم وشقائهم وإشراف الدولة على فعالية الفرد الاقتصادية ومراقبتها له وتحقيق التكافل الاجتماعى بين المواطنين بحيث تمحى مظاهر الفاقة والحرمان وتفاوت الثروات تفاوتا فاحشا يقترن فيه الجوع والفقر والمرض والمهانة بجانب الترف والرفاهية والقسوة والانحلال الخلقى.

ويتهكم السباعى على أحد الذين لاموه على هذا الاتجاه قائلا: «قال له أحدهم إنى لأعجب من تبنيكم للاشتراكية وهى تبيح التأميم، والتأميم ضد الإسلام، فقلت له أنت لا تعرف ما هى الاشتراكية، ولا ما هو الإسلام»، ثم يمضى السباعى ليشرح محاسن الاشتراكية قائلاً: النظام الاشتراكى يحقق لنا كل ما نحتاج إليه من إصلاح لأوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ولا يضيق ذرعاً بكل تجديد للحياة الحرة الكريمة، مستعرضا فى كتابه موقف الأديان من الفقر، ولما تطرق إلى الدين الإسلامى أكد أنه يكفل كل الحقوق الطبيعية للإنسان، ومنها حق الحياة التى أكد على حفظها، وحق الإنسان فى العلاج وحق الإنسان فى الدفاع عن نفسه، كما قال إن الإسلام يسقط الواجبات الشرعية عند الخطر، وأجاز فعل المحرمات عند الضرورة، وحمى حياة الأطفال والأرقاء والعبيد، كما كفل الحرية الإنسانية والدينية والعلمية والسياسية والمدنية والاجتماعية والأدبية، وأشاد بالعلماء وفضلهم على المنقطعين للعبادة، وعمل على صيانة كرامة الإخاء الإنسانى بين المسلم وغير المسلم، وساوى بينهم فى الحقوق ورسخ العدالة القضائية فى دولته، وكفل للناس حق التملك ولم يتطرق إلى التأميم إلى فى حالات الضرورة القصوى، وكره تضخيم الثروات، ومنح من يحيى أرضا مواتا حق استغلالها وتملكها، كما أكد أن الإسلام حمى الحقوق العمالية، وأنه من الممكن أن نعتبر سلوكيات الرسول صلى الله عليه وسلم سلوكيات اشتراكية، خاصة إذا ما نظرنا إلى حياته وزهده وتصدقه.

ولم يكن هذا الاتجاه الإنسانى المتضامن مع حقوق الإنسان الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بغريب على فكر «السباعى»، ففى كتابه «من روائع حضارتنا» أثبت أن به ما يحلم به كل صناع الدساتير بالعالم العربى من مبادئ.

النزعة الإنسانية موجودة فى الإسلام، فيقول إن أكبر دليل على نزعة الإسلام الإنسانية هو قول الله تعالى: «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة»، وهو ما يعنى وحدة الجنس البشرى كله أمام الله، فكلهم كأسنان المشط، إذ لا فرق لعربى على أعجمى إلا بالتقوى، وأكرم الناس عند الله هو أتقى الناس، كما أن القانون الإسلامى لا يفرق بين الناس، وذلك لقول رب العزة: «فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره من يعمل مثقال ذرة شرا يره»، قائلا إن الله كثيرا ما كان يخاطب المجتمع الإنسانى قائلا: «يا أيها الناس» أو «يا بنى آدم»، وحينما كان يريد أن يخاطب المؤمنين كان يقول: «يا أيها الذين آمنوا»، مؤكدا أن «الوحدة الاجتماعية فى المجتمع كشجرة تهز أغصانها جميعا إذا لمستها الرياح لا فرق بين أعلاها وأدناها».

ويقول السباعى فى ذات الكتاب إن التشريع الإسلامى يسمو فوق كل الفروق الدينية لأن الله يقول: «ولقد كرمنا بنى آدم»، ولم يقل لقد كرمنا المسلمين فقط، كما أن رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه يقول: «كلكم لآدم وآدم من تراب ولا فضل لعربى على أعجمى إلا بالتقوى»، ويؤكد أن الإسلام لم يضق ذرعاً بالأيان السابقة ولم يتعصب لمذهب، مؤكداً أن الأديان السماوية تستقى من معين واحد، وهذا ما يدلنا عليه قوله تعالى: «شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه»، ولذلك فالأنبياء إخوة «لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون»، وإنه لا إكراه فى الدين، وإن العبادة بالديانات الإلهية محترمة «ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا»، كما أمر الله بالالتزام بآداب الحوار إذا ما حدث نقاش بين المسلم وغيره، كما أمرنا بعدم سب المخالفين دينيا، كما تتجلى عظمة الإسلام فى الحرب التى لا يجوز فيه الانتقام ولا إجبار أحد على أن يغير دينه «وحسبهم أن يلتزموا بدين الدولة ليكونوا كالمسلمين فى الحقوق، ويؤكد أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حينما أتاه وفد نصارى الحبشة جلس معهم فى المسجد النبوى وجعلهم يبيتون فيه، وصار يخدمهم بنفسه قائلاً: إنهم كانوا لأصحابى مكرمين»، ويكمل السباعى قائلاً إنه فى عصر الخلفاء الراشدين كانت الرحمة والتعاون مع المختلفين دينا كبيرة، فحينما وجد عمر يهودياً عجوزاً يتسول من أجل دفع الجزية لأمه وأوصله إلى بيته وخصص له راتباً شهرياً، وفى عهد الخلفاء العباسيين كان المجتمع ممتلئ بالديانات والمذاهب المختلفة، فى تجسيد حقيقى لسماحة الإسلام وعدالته.

أما فى كتابه «هكذا علمتنى الحياة» فقد وصل السباعى إلى ينابيع الحكمة وفاض بما تعلمه من مأثورات على مدار حياته الكبيرة عملاً والقصيرة أجلاً، والكتاب عبارة عن جمل متناثرة تشبه الحكم أو الأقوال المأثورة وضع فيها السباعى فلسفته فى الحياة، فيقول محذراً من إساءة فهم الدين: «الذين يسيئون فهم الدين أخطر عليه من الذين ينحرفون عن تعاليمه، أولئك يعصون الله وينفِّرون الناس من الدين وهم يظنون أنهم يتقرَّبون إلى الله، وهؤلاء يتبعون شهواتهم وهم يعلمون أنهم يعصون الله ثم ما يلبثون أن يتوبوا إليه ويستغفروه» ويقول فى تعريف المؤمن: «ليس المؤمن من لا يعصى الله وإنما من إذا عصاه رجع»، وفى إرساء الدول يقول: «العواطف تنشئ الدولة والعقول ترسى دعائمها والأهواء تجعلها ركاماً»، وفى الفرق بين القرآن والإنجيل يقول: حكمة الإنجيل: «من أمسك بطرف ثوبك فاترك له ثوبك كله» أسلم للفرد، وحكمة القرآن: «فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى» أسلم للجماعة، فالإنجيل «يحتم» تسامح الإنسان فى حقه، وهذا أقرب إلى المثل الأعلى، والقرآن «يرغب» فى ذلك، وهذا أقرب لطبيعة الإنسان.

ويبين إساءة فهم البعض للدين قائلاً: بعض دعاة الدين يذكرون قوله تعالى: «واغلظ عليهم» وهم لا يفهمون معناها، وينسون قوله تعالى: «ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك» وهى واضحة المعنى، ولتبيين ما قد يفعله الجمود فى التعامل مع الشريعة يقول: الذين يطمسون وجه الشريعة المشرق بجمودهم أسوأ أثراً من الذين يطمسونه بجحودهم، وفى بث الأمل يقول: ربَّ صرخة تذهب اليوم هباءً، تكون فى المستقبل القريب عاصفة وبناءً، وفى التحفيز على عدم الاهتمام بالسخرية من المصلحين يقول: لولا جرأة المصلحين واستهزاؤهم بهزء الساخرين لما تخلَّص المجتمع من قيوده وأوزاره، وفى العلاقة بين الحياة والأفكار يقول: الحياة تخلق أفكارنا، وأفكارنا تصنع شكل الحياة التى نريدها، وفى تبشيع إساءة استغلال الدعوة إلى الله يقول: بعض الناس يستغلون الدعوة إلى الله لأمراض فى قلوبهم، ويتظاهرون بالحماس لها والله أعلم بما فى نفوسهم، ليت شعرى! أيعلمون أنهم بذلك يشككون الناس فى إخلاص كل داعية إلى الله؟.. أم أن الشيطان الذى اشترى ضمائرهم جعلهم لا يبالون بنتائج ما يفعلون، وفى رصد المفارقة بين القول والفعل يقول: أكثر الناس خطرا على الأخلاق هم علماء الأخلاق وأكثر الناس خطرا على الدين هم رجال الدين.

ولمن يتفاخرون بأغلبية زائلة يقول: لا يقاس الحق والباطل بقلَّة الأنصار أو كثرتهم، ففى كل عصور التاريخ بلا استثناء كان الباطل أكثر أتباعاً: وإن تطع أكثر من فى الأرض يُضلوك عن سبيل الله، لو كان تألب الناس على الحق دليلاً على بطلانه لكان حقنا فى فلسطين باطلاً، فإسرائيل لا تزال تخدع الرأى العام العالمى بوجهة نظرها، ومع ذلك فنحن لن نتراجع عن حقِّنا بكثرة أنصارها، وقلة أنصارنا، فالجماهير لا عقل لها فيما يوافق شهواتها، فليس إسراعها إلى كل ما يخالف الشرائع، وقوانين الأخلاق دليلاً على صحة اتجاهها، ولا يروعنَّك تهافت الجماهير على الباطل، كتهافت الفراش على النار، فالطبيب الإنسانى هو الذى يؤدى واجبه، مهما كثر المرضى، فإذا استطعت أن تهدى واحداً فحسب فقد أنقصت من عدد الهالكين.

مؤكداً أن «الدين الحق هو الذى يعطيك فلسفة متكاملة للحياة، ونظاماً وافياً بحاجات المجتمع، كالمهندس الماهر يبنى لك بيتاً متين الدعائم، مستوفى المنافع» وأنه «من لم ينبع تفكيره من مبادئ الشريعة ضل، ومن لم يستمد سلوكه من أخلاقها انحرف، ومن لم يقيد عمله بأحكامها ظلم وموصيا الحكام بإسعاد الشعوب قائلاً: «إن على ملوكنا ورؤسائنا ألا يحولوا بيننا وبين الحرية والحياة السعيدة؛ لنشعر بكرامتنا فى أنفسنا قبل أن نطلب كرامتنا فى نفوس أعدائنا، إن خيراً لهم وأكرم لقيادتهم وأعظم لمكانتهم أن يقودوا أمة من الأسود، من أن يجروا وراءهم قطعاناً من الغنم، ولم ينس أن يدلنا على أول الطريق قائلاً: الإصلاح الحقيقى أن يبدأ بالضرب على المتاجرين بالدين وروحانيته وأخلاقه، فهم حجر عثرة فى سبيل كل إصلاح نافع، وهم الأعداء الحقيقيون للمصلحين المخلصين.


وائل السمرى يكتب: عبدالرحمن الكواكبى.. قاهر الاستبداد وفاضح الاستعباد.. قال إن المستبد محتاجٌ لـ«عصابة» تعينه وتحميه وإنه «يتوج صدره بالنياشين والأوسمة» وأتباعه «سماسرة يغررون بالأمة باسم خدمة الدين»
الإثنين، 13 أغسطس 2012 - 09:06

عبدالرحمن الكواكبى
وائل السمرى



هو صاحب الصرخة العربية الإسلامية الأصيلة ضد كل مستبد، وهو هادم أفراح الطغاة، ومنغص ملذاتهم فى كل حين، وهو صاحب المقولة الخالدة: المستبدُّون يتولاهم مستبدّ، والأحرار يتولاهم الأحرار، وهذا صريح معنى: «كما تكونوا يُولَّى عليكم»، وهو صاحب النداء الشهير: إلى متى هذا الشقاء المديد والنّاس فى نعيمٍ مقيم، وعزٍّ كريم، أفلا تنظرون؟ وما هذا التأخُّر، وقد سبقتكم الأقوام ألوف مراحل! يا قوم أنتم بعيدون عن مفاخر الإبداع وشرف القدوة، مُبتلون بداء التقليد والتبعية فى كلِّ فكرٍ وعمل، وبداء الحرص على كلِّ عتيق كأنَّكم خُلِقتم للماضى لا للحاضر، تشكون حاضركم وتسخطون عليه، وعليكم أن تدركوا أنَّ حاضركم نتيجة ماضيكم، ومع ذلك أراكم تقلِّدون أجدادكم فى الوساوس والخرافات والأمور السافلات فقط، ولا تقلِّدونهم فى محامدهم.

هو عبد الرحمن الكواكبى الفقيه المسلم العربى الشامى المصرى صاحب كتاب «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» الذى كتبه مطلع القرن الماضى فخلد اسمه فى تاريخ العرب والإنسانية كأحد أهم المنتفضين ضد الاستبداد ورجاله، وأحد أخصب المسلمين فكرا ورؤية وبلاغة، وأحد أهم المناضلين ضد التخلف والتبعية والتقليد والجهل والزيف والنفاق والجشع والبلاهة والجبن والتواكل والخنوع والاستكانة والركود والجمود والفساد بكل أشكاله وألوانه وطرائقه.

هو فخر الأمة الإسلامية وفقيها السياسى الرائد الذى لو كان فى أمة غيرها لأصبح أحد أشهر علاماتها الحضارية ولتقرر كتابه على طلبة المدارس والجامعات كما فعل الغرب مع منتيسيكو صاحب كتاب «روح الشرائع» وهارولد لاسكى صاحب كتاب «نظرية الدولة»، هو المولود فى حلب والقلق الذى لم تهدأ روحه ولم يستقر إلا فى مصر حينما كانت مصر «مصر» فقد ولد الكواكبى فى سنة 1855م لأسرة عربية، ثم مكث فى أنطاكية ثلاث سنوات بعد وفاة أمه ليعود بعدها إلى حلب، ليتعلم فيها القراءة والكتابة، وليتم قراءة القرآن وحفظه، ثم ينهل من علوم الفقه والدين ويتعلم الفارسية والتركية ويدرس الشريعة والأدب وعلوم الطبيعة والرياضة فى المدرسة الكواكبية، التى كانت تتبع مناهج الأزهر فى الدراسة، وكان يشرف عليها ويدرّس فيها والده.

حياة الكواكبى المليئة بالتجارب أثقلته بتجارب لم يكن ليتحصل عليها لولا شقاؤه فى النضال من أجل الحرية التى قدسها القرآن وعظمتها السنة وشوهها المستبدون، فلم يجف قلمه يوما مدعما للحرية ومعاديا للاستبداد فى كل صوره، يتقلب فى الكتابة من جريدة إلى جريدة، ويضطهده الطغاة فى كل مكان، حتى إنه وهو المدافع الشرس عن الدين الإسلامى وشريعته السمحة يقف ضد الدولة العثمانية وينتقدها حينما أرادت أن تطمس هوية المسيحيين بتغيير أسمائهم بأسماء إسلامية كشرط لقبولهم فى الجيش، ولأنه لم يكن يوما ليستحب العيش فى كنف الفساد تقلب فى الوظائف وهاجر إلى بلدان كثيرة ليحتفظ بمبادئه على حالها حتى حط رحاله فى مصر سنة 1900 وقد كانت قبضة الخليفة العثمانى عليها ضعيفة منذ قيام دولة محمد على، وكانت فى هذا الوقت تنعم بأجواء ثقافية مزدهرة بفضل مجهودات رفاعة الطهطاوى وجمال الدين الأفغانى ومحمد عبده وتلاميذهم، لكن للأسف تصل إليه يد الاستبداد فى مصر ويقتل فيها بعد أن يتم دس السم له فى القهوة، حيث قال لصديقه قبل وفاته بلحظات: «لقد سمونى يا عبدالقادر»، ولم يكن الموت المادى هو التنكيل الوحيد الذى تعرض إليه «الكواكبى» فقد تعرض لقتل آخر أشد قسوة وهو القتل المعنوى فأوعز السلطان عبدالحميد إلى أحد أصدقائه بأن يسرق مسودات كتبه وهو ما حدث بالفعل، فلم يصلنا إلا كتاباه المطبوعان «أم القرى» و«طبائع الاستبداد» هذا الكتاب الذى وضع اسم الكواكبى عاليا بين أئمة المجددين وعظماء الفكر الإسلامى الإنسانى.

لم ير الكواكبى أحط وأقذر من الاستبداد، فحاربه بكل ما أوتى من قوة، معتبرا إياه أساس كل بلاء وتخلف وظلم وفساد، فأخذ يبحث فى كتابات المسلمين وغيرهم عن أثر الاستبداد فى حياة الشعوب، ووعى ما كتبه الرّازى، والطّوسى، والغزالى، والعلائى، والمعرّى، والمتنبّى، وابن خلدون، وابن بطوطة، فخلص إلى تعريف علم السّياسة بأنّه «إدارة الشّؤون المشتركة بمقتضى الحكمة» أما تعريف الاستبداد فهو «التّصرُّف فى الشّؤون المشتركة بمقتضى الهوى» قائلا إنه: غرور المرء برأيه، والأنفة عن قبول النّصيحة، وأشد درجاته حينما تكون «حكومة الفرد المطلق، الوارث للعرش، القائد للجيش، الحائز على سلطة دينية» واصفا المستبد بأنه «عدوّ الحقّ، عدوّ الحّريّة وقاتلهما، والحق أبوالبشر، والحرّيّة أمّهم» وأنه «يودُّ أنْ تكون رعيته كالغنم درّاً وطاعةً، وكالكلاب تذلُّلاً وتملُّقاً».

لكن الكواكبى الذى عرف الشعوب واختلط بثقافاتهم يوقن من أنه لم يكن لمستبد أن يتسيد على الناس إلا إذا وجد البيئة المناسبة له، فيقول منزها ذات الله عن الرضا بالاستبداد «إنَّ الله عادلٌ مطلقٌ لا يظلم أحداً، فلا يُولَّى المستبدّ إلا على المستبدِّين. ولو نظر السّائل نظرة الحكيم المدقِّق لوجد كُلَّ فرد من أُسراء الاستبداد مُستبدّاً فى نفسه، لو قدر لجعل زوجته وعائلته وعشيرته وقومه والبشر كُلَّهم، حتَّى ربَّه الذى خلقَهُ تابعين لرأيه وأمره»، وبالطبع لا يستشرى هذا الداء فى الشعب إلا إذا علت ثقافة التعصب على ثقافة الحوار، وغلبت العنصرية على الإنسانية، وعلا التحزب والمتذهب على الانصهار فى المبادئ السامية والإيمان بقوة الفضائل الإنسانية المشتركة، لذلك يرى الكواكبى أن جعل الشعوب أقليات متحاربة هى عادة المستبدين، وأن معين المستبد السياسى الأول على زرع هذه الآفة هو المستبد الدينى، فيقول: «الاستبداد السّياسى مُتَوَلِّد من الاستبداد الدِّينى.. أبوهما التَّغلب وأمّهما الرّياسة، وبينهما رابطة الحاجة على التّعاون لتذليل الإنسان».

ويمضى الكواكبى منزها الدين عن الاستبداد ومؤكدا أن المستبد هو الذى يتجرأ على ذات الله ويوهم الناس بأنه قضاء الله وقدره أو أنه اختيار الله أو أنه ظل الله على الأرض أو أنه المؤيد بشرع الله فيقول «ما من مستبدٍّ سياسى إلى الآن إلا ويتَّخذ له صفة قدسيّة يشارك بها الله، أو تعطيه مقامَ ذى علاقة مع الله. متخذا من خَدَمَةِ الدِّين يعينونه على ظلم النَّاس باسم الله»، قائلا إن الإسلام «نزعَ كلَّ سلطة دينية أو تغلّبيّة تتحكَّم فى النّفوس أو فى الأجسام، ووضع شريعة حكمة إجمالية صالحة لكلِّ زمان وقوم ومكان، وأوجد مدنيّة فطريّة سامية، وأظهر للوجود حكومة كحكومة الخلفاء الرّاشدين»، ويؤكد الكواكبى أن هؤلاء الحكام الذين يتخذون الدين ستارا لتمرير سياساتهم ليسوا من الدين فى شىء، وأنهم لا يمثلون الدين بأى حال من الأحوال، فيقول «لا مجال لرمى الإسلامية بتأييد الاستبداد» وأن القرآن الكريم أمرنا باتخاذ الشورى أساسا للحكم «وشاورهم فى الأمر» وأن الشريعة الحقة هى التى تطبق العدل «إن الله يأمر بالعدل» و«وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل»، والعدل عند الكواكبى يعنى المساواة والاشتراكية، ثم يؤكد الكواكبى أن الإسلام لم يحرم الخروج على الحاكم الظالم، وأنه أقر «عدم وجوب طاعة الظالمين وإن قال بوجوبها بعض الفقهاء الممالئين دفعاً للفتنة التى تحصد أمثالهم حصداً»، ويستنكر الكواكبى عدم انتفاض المسلمين على الظلم والتمييز وهدر الحقوق الإنسانية ورضاهم بها وكأنهم لم يسمعوا حديث رسول الله «النّاس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربى على أعجمى إلا بالتّقوى» أو الآية التى تقول «إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم» أو الأخرى التى تقول «ولقد كرَّمنا بنىَ آدم»، منتقدا تفسير آيات القرآن بالهوى والميل إلى الحاكم الذى يستعبد المحكومين وإغراق المسلمين بتفاصيل وجزئيات تبتعد عن روح الشرع جاعلة المسلمين فى حرج دائم من غضب الله رغم أنه الله تعالى رفع الحرج عن المسلمين فى اتخاذ ما يرونه صالحا لشؤون دنياهم، وهو ذات المنهج الذى انتهجه أهل الديانات السابقة الذى كانوا يحرفون الكلم عن مواضعة ويشترون بآيات الله ثمنا قليلا، ولا يجد الكواكبى حيال ذلك إلا رفع أكف الضراعة إلى الله قائلا: اللهم إنّ المستبدِّين وشركاءهم قد جعلوا دينك غير الدِّين الذى أنزلت، فلا حول ولا قوّة إلا بك! مؤكدا أن الداء الأكبر هو «خروج ديننا عن كونه دين الفطرة والحكمة، دين النظام والنشاط، دين القرآن الصريح البيان، إلى صيغة أنَّا جعلناه دين الخيال والخبال، دين الخلل والتشويش، دين البِدَع والتشديد، دين الإجهاد».

ما من عدو للمستبد إلا العلم والعلماء أصحاب الرأى والحجة والبرهان الذين لا يخشون فى الحق لومة لائم ولا يتزلفون ولا يتصاغرون، هذا هو ما خلص إليه الكواكبى فى تناوله لمسألة علاقة الاستبداد بالعلم، فيقول «لا يخفى على المستبدّ، مهما كان غبياً، أنْ لا استعباد ولا اعتساف إلا مادامت الرّعية حمقاء تخبط فى ظلامة جهل وتيه وعماء، فلو كان المستبدُّ طيراً لكان خفّاشاً يصطاد هوام العوام فى ظلام الجهل، ولو كان وحشاً لكان ابن آوى يتلقّف دواجن الحواضر فى غشاء الليل، ولكنّه هو الإنسان يصيد عالِـمَه جاهلُهُ، وأن كلَّ رئيس ومرؤوس يرى كلَّ سلطة الرئاسة تقوى وتضعف بنسبة نقصان علم المرؤوس وزيادته، فيسعى العلماء فى تنوير العقول، ويجتهد المستبدُّ فى إطفاء نورها.

ويتطرق الكواكبى لظاهرة متكررة فى التاريخ وهى أن حاشية المستبد هى أول من يسارع بالإطاحة به بل ويورد أيضا أسباب ذلك قائلا: «أكثر ما يبطش بالمستبدين حواشيهم، لأنَّ هؤلاء أشقى خلق الله حياةً، يرتكبون كلَّ جريمةٍ وفظيعة لحساب المستبدِّ الذى يجعلهم يمسون ويصبحون مخبولين مصروعين، يُجهدون الفكر فى استطلاع ما يريد منهم فعله بدون أن يطلب أو يصرِّح» ويشرح الكواكبى كيف أن الإسلام حارب الاستبداد بالحث الدائم على العلم والتزود من المعرفة والابتعاد عن الخرافات والتضليلات.

ما حيلة المستبد فى تدعيم ملكه الذى يعلم أنه زائل فانٍ؟ هذا ما يجيب عنه الكواكبى فيقول: إن المستبد يحتال على الناس بأن يمجد نفسه وأن يمجد أعوانه وعماله بمنحهم الألقاب والصفات وأنه يتوج صدره بالنياشين والأوسمة ليوهم الناس بعظمته، وأنه «يعلِّق على صدره وساماً مشعراً بما وراءه من الوجدان المستبيح للعدوان» وفى حين أن المستبد وحاشيته دائما ما يتغنون بقيم الحرية والعدالة والمساواة والفضيلة لكنهم فى الحقيقة «أعداء للعدل أنصار للجور، لا دين ولا وجدان ولا شرف ولا رحمة» وأنه يتخد من أعوانه «سماسرة لتغرير الأمة باسم خدمة الدين، أو حبّ الوطن، أو توسيع المملكة، أو تحصيل منافع عامة، أو مسؤولية الدولة، أو الدفاع عن الاستقلال، والحقيقة أنَّ كلّ هذه الدواعى الفخيمة العنوان فى الأسماع والأذهان ما هى إلا تخييل وإيهام يقصد بها رجال الحكومة تهييج الأمة وتضليلها.

ولم يفت الكواكبى أن يشير إلى بعض أذكياء المستبدين الذين يحاولون أن يتزينوا بزينة العادلين فيجربون بعض العقلاء فى المناصب ويستقون بدعم هؤلاء العقلاء لهم، لكن مصير هؤلاء يكون معلوما محتوما فسرعان ما يبعدهم المستبد وينكل بهم إذا لم يفسدوا، ولذلك يستعين المستبد دائما بأبناء «العريقين فى خدمة الاستبداد الوارثين من آبائهم وأجدادهم الأخلاق المرضية للمستبدّين» ويصف الكواكبى لحظة اعتلاء المستبد للعرش فيقول: إنه يرى نفسه كان إنساناً فصار إلهاً. ثم يُرجع النظر فيرى نفسه فى نفس الأمر أعجز من كلِّ عاجز وأنَّه ما نال ما نال إلا بواسطة من حوله من الأعوان، ثمَّ يلتفت إلى جماهير الرّعية المتفرجين، منهم الطائشون المهللون المسبِّحون بحمده، ومنهم المسحورون المبهوتون كأنهم أموات» ولكن الشىء الوحيد الذى يفسد هذه اللحظة الفارقة هو أن المستبد يعرف أن بالبلد عقلاء حكماء علماء مثقفين يراقبونه ولا يتورعون عن معارضته : «وعندئذٍ يرجع المستبدُّ إلى نفسه قائلاً: الأعوان الأعوان، الحَمَلَة السَّدنة أسلمهم القياد وأردفهم بجيشٍ من الأوغاد أحارب بهم هؤلاء العبيد العقلاء، وبغير هذا الحزم لا يدوم لى مُلْكٌ كيفما أكون، بل أبقى أسيراً للعدل معرَّضاً للمناقشة منغَّصاً فى نعيم الملك، ومن العار أن يرضى بذلك من يمكنه أن يكون سلطاناً جباراً متفرِّداً قهّاراً، ولذلك يقول الكواكبي: المستبدَّ لا يخرج قطّ عن أنّه خائنٌ خائفٌ محتاجٌ لعصابة تعينه وتحميه، فهو ووزراؤه كزمرة لصوص.. فوزير المستبدّ هو وزير المستبدّ، لا وزير الأمّة وكذلك القائد يحمل سيف المستبدّ ليغمده فى الرقاب بأمر المستبدّ لا بأمر الأمة، بل هو يستعيذ أن تكون الأمة صاحبة أمر، لما يعلم من نفسه أنَّ الأمّة لا تقلِّد القيادة لمثله.

ويصف الكواكبى علاقة المال بالحاكم المستبد قائلا: ومن طبائع الاستبداد، أنَّ الأغنياء أعداؤه فكراً وأوتاده عملاً، فهم ربائط المستبدِّ، يذلُّهم فيئنّون، ويستدرّهم فيحنّون، ولهذا يرسخ الذلُّ فى الأمم التى يكثر أغنياؤها. أما الفقراء فيخافهم المستبدُّ خوف النعجة من الذئاب، ويتحبب إليهم ببعض الأعمال التى ظاهرها الرأفة، يقصد بذلك أن يغصب أيضاً قلوبهم التى لا يملكون غيرها. والفقراء كذلك يخافونه خوف دناءةٍ ونذالة، خوف البغاث من العقاب وقد يبلغ فساد الأخلاق فى الفقراء أن يسرّهم فعلاً رضاء المستبدِّ عنهم بأى وجهٍ كان رضاؤه، ويؤكد الكواكبى أن أنبياء الله قد عملوا على تخليص البشرية من هذه الصفات المذمومة بعدة طرق منها «تقوية حسن الإيمان والاجتهاد فى تنوير العقول بمبادئ الحكمة، وتعريف الإنسان كيف يملك إرادته وحريته فى أفكاره، واختياره فى أعماله، وإطلاق زمام العقول «وبذلك هدموا حصون الاستبداد وسدّوا منابع الفساد» ويبرز الكواكبى دور الطليعة المثقفة التى يحاربها المستبد دوما ويجتهد فى إقصائها ومصادرة آرائها والتنكيل بها وتسليط أعوانه عليهم قائلا: وقد أجمع الحكماء على أنَّ أهم ما يجب عمله على الآخذين بيد الأمَّة، الذين فيهم نسمة مروءة وشرار حمية، الذين يعرفون ما هى وظيفتهم بإزاء الإنسانية، الملتمسين لإخوانهم العافية، أن يسعوا فى رفع الضغط عن العقول لينطلق سبيلها فى النموِّ فتمزِّق غيوم الأوهام التى تمطر المخاوف، شأن الطبيب فى اعتنائه أولاً بقوة جسم المريض.
ويشرح الكواكبى أسباب ثورة العامة على الحاكم ويجملها فى عدة أسباب منها إذا رأوا مشهدا دمويا مؤلما يوقعه المستبدُّ على المظلوم، أو عقب حرب يخرج منها المستبدُّ مغلوباً، أو عقب تظاهر المستبدِّ بإهانة الدّين، أو عقب تضييق شديد عام مقاضاةً لمالٍ كثير أو فى حالة مجاعة أو مصيبة عامّة، أو عقب عمل للمستبدِّ يستفزُّ الغضب الفورى، كتعرُّضه لناموس العرض، أو حرمة الجنائز فى الشرق، وتحقيره القانون أو الشرف الموروث فى الغرب أو عقب ظهور موالاة شديدة من المستبدِّ لمن تعتبره الأمَّة عدوّاً لشرفها.

ولا ينسى الكواكبى أن يضع ما يشبه الدستور المنظم للحقوق والحريات، فى خمسة وعشرين مبحثا تهتم ببناء الدولة وصلاحيات الحكومة وأولويات الحكم وهو الدستور الذى يضاهى فى عدالته وإحكامه أجمل الدساتير وأكملها طالبا من المجتمع بأسره أن يتكاتف من أجل رفع الاستبداد قائلا «الأمَّة التى لا يشعر كلُّها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحقُّ الحريّة» ومقترحا أن تتم تلك المقاومة التنوير والإصلاح والتدرج والتثقيف، وناصحا من ينون تغيير المستبد ومقاومته بتهيئة ما يُستَبدَل به الاستبداد، ويختم الكواكبى كتابه الرائد الذى يشعر الواحد وهو يطالعه أنه يقرأه الآن بالقول: هذه قواعد رفع الاستبداد، وهى قواعد تُبعد آمال الأسراء، وتسرُّ المستبدّين؛ لأنَّ ظاهرها يؤمنِّهم على استبدادهم. ولهذا أذكِّر المستبدّين بما أنذرهم الفيارى المشهور؛ حيثُ قال: «لا يفرحنَّ المستبدُّ بعظيم قوَّته ومزيد احتياطه، فكم جبّارٍ عنيدٍ جُنِّد له مظلومٌ صغير»، وإنى أقول: كم من جبّار قهّار أخذه الله أخذ عزيزٍ منتقم.


وائل السمرى يكتب: الشيخ عبدالمتعال الصعيدى.. الإسلام إنسانياً.. أثبت بالدليل أن الإسلام كفل حرية الفكر والاعتقاد للمسلمين ولغيرهم.. وأثبت أن حد الردة دخيل على الدين.. وأن المرتد يستتاب ولا يقتل
الأحد، 12 أغسطس 2012 - 09:11

الشيخ عبدالمتعال الصعيدى
بقلم وائل السمرى



قال إن الحركة الوهابية تدعى أن الإسلام انتشر بالسيف لأنها كانت دعوة دموية.. ولذلك أرادوا أن يجعلوا الإسلام دين عنف

أخذ على ابن حنبل الثورى تحريم زواج المرأة العربية غير العرب.. قائلاً إن هذا الرأى "عنصرية" لا تتناسب مع الدين الخاتم

لعلك تتساءل: ما الذى جعل المسلمين دائما يقفون فى موقف الدفاع عن دينهم مرة بالعقل، ومرة بالنقل، ومرة بالنفى، ومرة بالإنكار، ومرة بالصمت، ومرة بالهجوم، ومرة بالتبرير؟ ولعلك تتساءل: لمصلحة من يظل المسلمون لا يشغلهم شىء فى الحياة سوى الحديث عن الدين وموارده الأصلية وآراء العلماء المختلفة فيه، مشتتين بين المذاهب، ومتفرقين بين الآراء، مهلهلين بين النزاعات، متخلفين عن أسلافهم ومعاصريهم، مدحورين لا متقدمين، متقهقرين لا واثبين؟ ولعلك تتساءل: لمصلحة من أن تم اختصار الإسلام فى عدة أمور شكلية تستهلك طاقاتنا وتبدد أحلامنا، وتيبس عقولنا، وتجعلنا أسرى الكسل والخمول والوقوف والتردد؟ ولعلك تتساءل لماذا اتبعنا ثقافة الاحتياط ولم نتبع ثقافة الأصلح، رغم أن الثانية أولى بالاتباع، وفقاً لما جاء بصريح النص القرآنى والسنة النبوى المشرفة؟ ولعلك تتساءل أيضاً لمصلحة من أن تبقى صورة الإسلام فى الأذهان، وكأنها من الصور الغابرة التى عبرتها الإنسانية، رغم أن الإسلام فى حد ذاته كان من أروع أمثلة عبور الإنسانية للظلام؟ ولعلك تتساءل أيضا لماذا يصر البعض على أن يصور الإسلام باعتباره دين عنف لم ينتشر إلا بالسيف، مدعين أن الآية الكريمة "لا إكراه فى الدين" تم نسخها ولا يصح العمل بها، وفى ذات الوقت يقرون بأن القرآن صالح للتطبيق فى كل زمان ومكان، متمسكين بحديث الرسول "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم" رغم أنه من أحايث الآحاد التى تفيد الظن، ولا تفيد القطع، ورغم أنه يعارض الآية الكريمة تمام المعارضة؟ ولعلك تتساءل إلى متى سنظل هكذا يشغلنا الكلام عن الإسلام دون تطبيق تعاليم الإسلام، وتشغلنا الفروع والجزئيات دون الاهتمام بالأصول والكليات، ويشغلنا الحديث عن الشريعة دون البدء فى السير نحو مقاصد الشريعة؟ ولعلك تتساءل: لمصلحة من كل هذا؟.

كل تلك الأسئلة وأكثر هى ما شغلت الشيخ المجدد الكبير عبدالمتعال الصعيدى الذى نكاد نضيعه مثلما ضيعنا الإمام الليث ابن سعد من قبله، والإمام العز بن عبدالسلام، والإمام حسن العطار، والإمام محمد عبده، والإمام مصطفى عبدالرازق، والإمام محمود شلتوت، وغيرهم كثير من أئمة الفكر الإسلامى الكبير، وأعلامه المجددين، لنعود إلى مرحلة الطفولة الفكرية بعد أن قطعنا أشواطاً شاسعة فى التقدم بالإسلام وفى الإسلام وللإسلام ومن الإسلام؟ فللأسف قد أنتج الإمام عشرات الكتب والأبحاث المهمة، والتى تنهض بالمسلمين من قاع الدنيا إلى قمتها، وتبرئ الدين الإسلامى الحنيف مما يلصقه به المغرضون، لكن ما يطبع الآن من عشرات الكتب التى تتجاوز الستين كتابا هذه لا يتعدى عشر إنتاجه، فقد أنتج الشيخ ما يقرب من خمسين كتابا مطبوعاً، وعشرين كتاباً مخطوطاً أهداها كلها للأزهر الشريف، ولا نكاد نسمع عن تلك الكتب شيئاً، ولتعرف كيف نبدأ فى تضييع هذا الإمام المجدد الكبير، انظر فقط إلى اللغط الواقع حول تاريخ وفاته، فبعض الباحثين يرجعونه إلى العام 1966، بينما يرجح البعض أنه توفى فى عام 19،71 أى أن الفرق بين التاريخين ليس سنة ولا اثنتين، وإنما خمس سنوات كاملة، ولو كان هذا اللغط واقع حول شيخ فى عصر من العصور القديمة لهان الأمر، لكن من المؤسف أن يحدث هذا التخبط حول تاريخ وفاة "الصعيدى" فى عصر العلم والتدوين والبحث الدءوب، ما يدل على أن هناك من بيت النية لطمس أفكار هذا الرجل، وقتل أبحاثه المهمة الجادة التى دافع فيها عن ديننا بكل قوة، أمام طرفى التطرف سواء كان هذا التطرف علمانيا غربيا أو وهابياً إسلامياً.

ومن عمق المأساة.. لا يكاد الواحد يعرف عن الشيخ إلا أقل من القليل، فتذكر بعض كتبه الحديثة، أن اسمه عبدالمتعال عبدالوهاب أحمد عبدالهادى الصعيدى، وأنه من علماء الأزهر الشريف، وكان عضوا بمجمع اللغة العربية، ولا تغيب تلك الجملة أبداً عن كلمات التعريف به فتقول، إنه: واحد من أصحاب الفكر التجديدى بالأزهر، ومن المنادين بالمنهج الإصلاحى فى التعليم والفكر والتجديد الدينى، ثم تذكر تاريخ ميلاده ومنشأه فتقول إنه ولد فى 7 مارس عام 1894م بكفر النجباء، مركز أجا بمحافظة الدقهلية، والتحق بالجامع الأحمدى بطنطا، وحصل على شهادة العالمية فى عام 1918م، ودرس علم المنطق، وكان الأول على طلاب معهد طنطا فتم تعيينه مدرسًا بالجامع الأحمدى بطنطا، وفى عام 1932م انتقل للتدريس بكلية اللغة العربية بالأزهر الشريف بالقاهرة، كما تذكر من صفاته، أنه كان محبا للقراءة، وصاحب اتجاه أسموه "ثوريا"، لكى يعفو أنفسهم من الاقتناع به، برغم أنه يملك كل مؤهلات الاقتناع، ثم تستفيض ترجمته بشرح دوره فى البحث عن سبل إصلاح الأزهر، كما لو أن الرجل لم يكتب إلا كتابه الشهير "تاريخ الأزهر فى الإصلاح"، ولا يذكرون شيئاً عن مقالاته المتفرقة، ولا يقولون شيئا عن دوره فى الدفاع عن الإسلام ضد موجات الإلحاد التى انتشرت فى عصره، بفعل اكتشاف المسلمين مدى تدهورهم وتحكم رجال الدين فى أمورهم، بالمخالفة لتعاليم الإسلام التى تكفل كل أسباب التقدم والرقى.

إذن فالشيخ المجدد المصلح المتبحر فى دين الإسلام وتاريخه، ينتمى إلى هذه الطائفة من العلماء الذين لم يخشوا فى الله لومة لائم، مصارحين بآرائهم التى ظلموا من أجلها فلم ييأسوا وظلوا على حالهم، يقولون ما يؤمنون به، ويكتبون ما يرونه صالحا، فوسط الاختلافات والتنازعات الدينية الكثيرة، كان من الواجب أن نبحث عن منهج جديد فى دراسة التشريعات الإسلامية ونشأتها، لنفرق كما كان الشيخ يقول بين الإسلام والتراث الإسلامى، فالإسلام هو دين الله الخاتم الذى ارتضى لنا أن يكتمل به إيماننا، وهو دين السماحة والحب والحرية والعقل والتوحيد والرقى، أما الموروث الإسلامى من أحكام فقهية، وتفاسير، ومذاهب، فهو الناتج البشرى عن عملية تأويل الإسلام، بما يناسب العصر الذى تم إنشاء هذا الموروث فيه، وهو ما يعنى أن يتحرر المسلم من التقيد بهذا الموروث طالما لم يخالف كتابا معصوما، ولا سنة صحيحة يقينية متواترة.

العديد من المفارقات المؤلمة يرصدها الصعيدى فى كتابه "المجددون فى الإسلام" متحسراً على ما آل إليه حال المسلمين فى مشارق الأرض ومغاربها، فيعلن استياءه من مغالاة البعض فى العبادات وتشددهم فيها، حتى يظن الواحد أن الإسلام دين عبادات فحسب، وهو الأمر الذى وصفه الشيخ بأن فاعليه "ابتدعوا رهبانية فى الإسلام" موضحاً أن الإسلام الحقيقى هو ما يصحبه الإنسان فى حياته كلها، فيرى باستنارته العالم، ويضرب الشيخ مثلاً باستنارة الصحابى الجليل عمر بن الخطاب فى أمور الدين معتبراً عمر بن الخطاب من المجددين، لأنه راعى التغيرات الاجتماعية فى أحكامه معطيا العقل مساحة أكبر فى التعامل مع نصوص القرآن والسنة، ولأن الشيخ كان دائم إعمال العقل، فقد أخذ على الإمام الشافعى قوله "كل قرشى غلب على الخلافة بالسيف، واجتمع عليه الناس، فهو خليفة" وقال: إن من يأخذ حقه بالسيف يكون غاصباً. وإجماع الناس عليه بعد ذلك لايصح أنْ يُسوّغ ما وقع، لأنه يكون ناشئًا عن عجزهم" كما أخذ الشيخ على بعض الأئمة والتابعين آراءهم فى النكاح، حيث قال الإمام سفيان الثورى "إذا نكح المولى العربية يُفسخ النكاح"، ما يعنى أنه يحرم زواج العربية بالمصرى أو التونسى أو الشامى، لأنه فى نظره "مولى" أى ابن بلد من البلاد المفتوحة، وهو ذات الرأى الذى أقره الإمام أحمد بن حنبل، وهو ما اعتبره الشيخ "عنصرية" لا تتناسب مع تعاليم الإسلام، ولا آيات الكتاب، ولا سيما ما جاء فى سورة الحجرات "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ".

فى ذات الكتاب يتحسر الصعيدى على ما وصل إليه المسلمون نتيجة اتباع القشور، وترك المتون، مقارنا بين حال المسلمين وأحوال غيرهم وقائلاً: "وبينما كان المسلمون يصلون فى الانحطاط إلى أسوأ حالاته، كانت أوروبا تطفر من عصر النهضة إلى العصر الحديث، لأنها ثارت على الثقافة القديمة لبناء ثقافة جديدة، وبينما كان الفقهاء المسلمون يتمسكون بالتقليد، كانت أوروبا تخطو نحو التجديد، ذاكراً حكاية دخول المطبعة إلى اسطنبول واعتراض الفقهاء على ذلك ،حتى حملهم السلطان بالإكراه على إصدار فتوى شرعية بجواز استخدام المطبعة، وهو ذات الأمر الذى وقع مع الملك عبدالعزيز آل سعود، حينما جاهد لإدخال التليفون، ولإنشاء محطة للتلغراف ، فقال له رجال الدين "يا طويل العمر لقد غشك من أشار عليك باستعمال التلغراف"، فقال لهم "لم يغشنا أحد. وليس هناك دليل أو سنة"، ولكن الإخوان المسلمين قطعوا الأسلاك الموصلة إلى قصره. لأنّ هذا من وجهة نظرهم منكر يجب إزالته شرعاً. وكذلك كانوا يرون الدراجات. وسموا الدراجة حين رأوها عربة الشيطان، أو حصان إبليس. وقالوا إنها تسير بقوة السحر وعمل الشيطان. وأنكروا الساعة الدقاقة، لأنها من عمل الشيطان. وكسروا أول ساعة وصلت إليهم. ومن رأيهم أنّ أهل الحضر ضالون.

وأنّ غزو المجاورين واجب ألقى عليهم من الله. وأنّ الملك عبدالعزيز يوالى الكفار، لأنه أرسل ولده سعود إلى مصر بلد الشرك. واستخدم السيارات والتلغراف، وأصدروا فتوى بهدم مسجد حمزة. ورضخ الملك لهم، فوافق على هدم المسجد وإلى تعطيل التلغراف. واعترضوا على تدريس الرسم واللغة الأجنبية والجغرافيا، لأنها تُقرر كروية الأرض ودورانها، ويذهب الشيخ فى كتابه إلى أن الحركة الوهابية تدعى أن الإسلام انتشر بالسيف، لأنها كانت دعوة دموية ولم تكن دعوة سلمية، ولذلك أرادوا أن يجعلوا الإسلام دين عنف ليكسبوا دعوتهم شرعية. قائلا إنّ الوهابيين كغيرهم من جمهورالمسلمين فى ذلك الوقت، كانوا يرون أنّ الإسلام لم يقم إلاّ بالسيف، فلتقم دعوتهم بالسيف أيضاً".

ولكن الشيخ مع حرصه على التجديد الدائم للفقه الإسلامى، ودعوته إلى إعمال العقل حتى مع النصوص، فقد هاجم عميد الأدب العربى طه حسين بسبب كتابه "الشعر الجاهلى"، كما هاجم الشيخ على عبدالرازق بسبب كتابه "الإسلام وأصول الحكم"، وألف كتابا فى الرد على كتاب اسماعيل أدهم "لماذا أنا ملحد؟" وأطلق عليه اسم "لماذا أنا مسلم؟" وهو كتاب صغير اتبع فيه نظام المحاورة بين شاب مسلم مستنير متسامح وقس يعمل مبشراً، وبنى قصة مفادها أن هذا الشاب قابل هذا القس فى القطار وتجاذبا أطراف الحديث، فأراد القس أن يبشره بالدين المسيحى فجادله الشاب بشكل علمى رصين، حتى اتفقوا على ميعاد ليتناظروا فيه، وتعدد المقابلات ليسأل القس ويجيب الشاب، عارضا من خلال هذا الأسلوب الدرامى البسيط، كل ما يمكن أم يقال طعنا فى الإسلام مع الرد العلمى المتسامح عليه، وجدير بالذكر هنا أن معظم المجددين الإصلاحيين، كانوا أول من تولى مسألة الرد على المستشرقين والمشككين ومقاومة موجة الإلحاد التى انتشرت مع دخول الاحتلال الفرنسى، ثم الإنجليزى إلى مصر، ولعل أكثر ما يميز هذه الردود هو انتهاجها للنهج العلمى فى الحوار، متبعين أصول الجدل المنطقى فكان لدورهم عظيم الأثر فى الحفاظ على الهوية الإسلامية ضد حملات التشويه والهدم.

ولعل أكثر ما أثار الجدل فى كتب الشيخ عبدالمتعال الصعيدى، هما كتابا "الحرية الدينية فى الإسلام" و"حرية الفكر فى الإسلام"، وهما الكتابان اللذان يدفعان عن الإسلام شبهات الجبرية والإجبار والقهر، وأشد ما يميز هذا الكتاب كما جاء فى تقرير مجمع البحوث الإسلامية، أنه اتبع نفس أسلوبه مع الملحدين، فكان يعرض الرأى والرأى الآخر، ثم يوازن بينهما ويخرج بنتيجة يقبلها العقل ويقتنع بها، وكان سبب تأليف هذا الكتاب هو نشر مقال يقول فيه كاتبه أن المرتد عن الإسلام يقتل، فألف "الصعيدى" كتابه لينتهى إلى أن المرتد لا يُقتل، فتصدى لنقده عالم كبير من علماء الأزهر هو الأستاذ عيسى منون، عضو جماعة كبار العلماء وشيخ كليتى الشريعة والأصول بجامعة الأزهر، فأصدر الصعيدى الطبعة الثانية، وفيها كل ما قاله الأستاذ عيسى منون نقدا للكتاب، ثم رد الأستاذ عبدالمتعال الصعيدى على النقد، ليثبت وجهة نظره، وهو الشىء الذى مدحه الدكتور محمد رجب بيومى قائلاً: "إن هذا مما يحمد للأستاذ عبدالمتعال الصعيدى، حيث لم يشأ أن يُغرر على القارئ برأى جديد، دون أن يرجع إلى ما قيل عنه من قبل، كما يعرض صفحات كثيرة كتبها ابن حزم فى كتابه (الإحكام فى أصول الأحكام) وكلها تخالف اجتهاده، ورد عليها، وهو بما نقل عن الأستاذ عيسى منون والإمام ابن حزم، قد كشف الوجهة المخالفة لرأيه كشفا ساطعا، بحيث لا يحتاج قارئ إلى الرجوع إلى مصادر أخرى".

ويقول الشيخ الصعيدى فى هذا الكتاب، إن حرية الاعتقاد أن يكون للإنسان الحق فى اختيار الدين، ولا يكون لغيره الحق فى إكراهه على ما يعتقده بأية وسيلة من وسائل الإكراه، وإنما يكون له حق دعوته إليه بالإقناع بدليل العقل، أو بالترغيب فى ثواب الآخرة، والتخويف من عقابها، ويستشهد الشيخ الصعيدى على الحرية الدينية فى الإسلام بالعديد من الآيات مثل: "من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد"، و"ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن"، و"ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن إلا الذين ظلموا منهم"، و"إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء وهو أعلم بالمهتدين"، و"ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين"، و"لا إكراه فى الدين"، و" فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، مؤكداً أن الحديث الذى يستند إليه بعض القائلين بوجود إقامة حد الردة، وهو "من بدل دينه فاقتلوه" يعد من أحاديث الآحاد التى تفيد الظن ولا تفيد اليقين، كما أنه يخالف النص التشريعى الأول فى الإسلام وهو القرآن الكريم، ويخالف ما تواتر عليه من عدم قتل المرتدة، وهو ما يعنى أن قتال المرتد لا يصح إلا إذا حارب المسلمين، وبرغم وجهة النظر هذه، فقد دافع الشيخ عن موقف الصحابى الجليل أبو بكر الصديق مما عرف بحرب الردة، وأيد هذه الحرب فى كتابه "القضايا الكبرى فى الإسلام"، لأن من حاربهم الصديق لم يخرجوا من الإسلام، وإنما أبطلوا أصلا مما بنى عليه الدين وهو "الزكاة" فكانت الحرب لمنع الزكاة والاعتداء على الدين ومخافة الفتنة، ولو سكت أبى بكر على هذه الحالة، فلم يكن من المستبعد أن يبطل قوم آخرون الصلاة، وآخرون الصوم، ومن ثم يأخذ كل واحد من الدين ما يرتاح له ويترك ما لا يرتاح له فيضيع الدين.

أما فى كتابه حرية الفكر فى الإسلام، فقد ذهب الشيخ إلى أن الإسلام يعد أول دين يتيح الحرية المطلقة للإنسان، وقد كفل للمسلمين أن يعارضوا الرسول دون أدنى خوف، وبالتالى فإن التضييق على الناس فى باب الحرية الفكرية لا يتفق وصحيح الإسلام، لأن التعسف فى الحرية هو صناعة بشرية خالصة لا علاقة لها بالدين، فالإسلام لم يغلق باب الاجتهاد على الناس، والمجتهد لا إثم عليه فيما اجتهد فيه ولو أخطأ طريق الصواب، ما دام أنه التزم بالمعايير والضوابط فى اجتهاده، قائلاً إن "الإسلام يعتمد فى دعوته على تفكر العقل، لأن فى الكون نظاماً عجيباً يدل على وجود خالق له، فيكون الإيمان به عن اقتناع بوجود هذا النظام العجيب فى الكون، وعن اقتناع بوجوب إسناده إلى خالق عالم مريد قادر على خلقه"، ومؤكداً على أن الإسلام لا يعارض فكرا ولا يضطهد علما قائلاً: "العلم كالتفكر، مطلوب أولا لذاته، فإنه إنما يصح الإيمان بطريقة لأنه هو الذى يوصل إليه عن حرية واختيار، وهما شرط فى صحة الإيمان ولا حرية ولا اختيار إلا إذا اتخذ العلم طريقا مطلقا، وسار الإنسان فيه بنفسه يهتدى بهديه وحده فإذا وصل فيه إلى الإيمان بالله فبتوفيقه له، ولا يصح إكراهه على شىء بلا تدبر أو تفكير، وإلا كنا متناقضين فى جعله مختاراً أولاً ومكرها أخيراً، وكان الذى يليق بدل هذا التناقض إكراهه من أول الأمر" "ولا يعقل أن يدعو الإسلام إلى التفكر والعلم ثم لا يعطى من يدعوه إلى هذه الحرية العلمية، حتى يكون هناك سلطان عليه لغير العقل والعلم، ولا يخشى فى هذا بأس حاكم أو رجل دين، وإنما يجتهد فى العلم فليطلق له السراح ليسير إلى الأمام ولا يرجع إلى الوراء بل وينهض بأمته فى دنياها ودينها". وفى النهاية يؤكد الصعيدى على أن للعقل سلطة على النقل، وأن الإسلام فتح للعلماء باب الاجتهاد فى الدين، فأعطى للعقل سلطانه على دليل النقل، يستنبط منه ما شاء من أحكام الدنيا والآخرة، ويدخل فيه ما يلزم من التأويل ويدخل فيه ما يلزم من التخصيص والتعميم، ويدخل فيه ما يلزم من التقييد والإطلاق ويدخل فيه كل ما يلزم غير ذلك من ضروب الاجتهاد حتى يهيئه للحكم الذى يؤدى إلى ما اتفقا فيه من الغاية، وهو سعادة الناس فى دنياهم وأخراهم، وحتى لا يكون على الناس حرج فى الدين، لأن الدين يسر لا عسر".



وائل السمرى يكتب: الإمام المراغى.. ضمير مصر ومؤسس الأزهر الحديث..دعا إلى عدم «التمذهب» وهاجم فى ثلاثينيات القرن الماضى مروجى ظاهرة الإعجاز العلمى فى القرآن
السبت، 11 أغسطس 2012 - 08:33

الإمام المراغى



دعا لفتح باب الاجتهاد ولم يمانع من أن يشتغل عالم الدين بالسياسة بشرط عدم الانتماء إلى حزب أو طائفة بشرط أن يكون عمله بها من أجل الإرشاد إلى الصواب ولرد المخطئ عن خطئه

صرخ فى وجه الملك فاروق حينما أراد منه أن يحرم على طليقته الزواج من غيره قائلا: إن المراغى لا يحرم ما أحله الله

إن كان معروفا أن مؤسس الجامع الأزهر هو القائد جوهر الصقلى فى القرن الرابع الهجرى، فإنه من الواجب أن يعرف العالم كله إن الإمام محمد حسن المراغى هو المؤسس الثانى لهذا الجامع الجامعة لما سنه من قوانين أحدثت طفرة فى حياة الأزهر، ولما بذل من مجهودات خارقة ليتبوأ الأزهر مكانته التى نفتخر بها الآن، وإن كان بعض الناس يلومون الإمام الكبير من باب المحبة على قلة كتبه، فحسبه أنه بسياسته الإصلاحية الواعية ومواقفه الإسلامية الوطنية الكبيرة، ومنهجه العقلى والروحى الملتزم بتعاليم كتاب الله وسنة رسوله الكريم قد أنتج عشرات، بل إن شئت قل مئات من الموسوعات والكتب والبحوث منتشرة فى عقول أبنائه فى مصر والعالم العربى والإسلامى، دون أن ينقص ذلك من أهمية كتبه وأبحاثه القليلة عددا والكبيرة قيمة وتأثيرا.

هو محمد مصطفى محمد عبدالمنعم المراغى، ابن محافظة سوهاج المولود فى ربيع العام 1881م، والذى صار بعد ذلك أحد أهم أعلام مصر والعالم الإسلامى وأحد أهم من شكلوا قوانينها ومسارها التشريعى والفقهى والوطنى، شاء له القدر أن يولد لأب يحب العلم والثقافة والتبحر فى شؤون الدين، فورث ابنه هذا الحلم وعمل على تحقيقه، وحينما ظهرت نجابته فأرسله أبوه إلى الأزهر ليكمل تعليمه فيه، وفى الأزهر كان لقاؤه بالإمام محمد عبده إمام المصلحين وصاحب المدرسة الفقيه الشهيرة التى تعرف باسم «المدرسة العبدية» فرأى فى الأستاذ تمسكا بالدين وحرصا على إحياء علومه وتجديد نهضته، وعرف منه أن الله لم يضع الإسلام حجرا فى طريق النهضة بل أساسا لها، وأيقن من أن الله فى كل شىء صالح وفى كل عمل طيب، فمضى يبحث عن الله فى كل شىء خلقه، وكأنه فى رحلة عشق إلهى متجدد.
قبل أن يموت الإمام محمد عبده بسنة واحدة تقدم الإمام المراغى وهو يبلغ من العمر آنذاك 23 سنة إلى اختبار نيل شهادة العالمية من الأزهر الشريف، وكان وقتها مصابا بالحمى فجاوب قدر ما استطاع وكان الإمام محمد عبده يرى أنه مريض، وبرغم ذلك استطاع أن يجتاز الاختيار بمهارة وتفوق، وكان ترتيبه الأول على أقرانه، وبعد حصوله على «العالمية» اشتغل بالتدريس فى الأزهر الشريف بضعة أشهر حظى فيها بشهرة كبيرة بين أقرانه وتوافد فيها عليه الكثير من الطلبة المعجبين بآرائه والمتبعين لمنهجه، وبعدها اختاره الإمام محمد عبده ليعمل بالقضاء الشرعى فى السودان، ثم عاد إلى مصر بعد أن اختلف مع المسؤولين السودانيين الذين تجاوزوه فى الترقية فقدم لهم استقالته، ليشغل فى مصر منصب مفتش الدروس الدينية بديوان عموم وزارة الأوقاف بجانب عمله بالتدريس فى الأزهر، وما هى إلا أشهر حتى عاد للسودان مرة أخرى ليشغل منصب قاضى القضاة فى السودان أجمع، لكن السودان كان كما مصر تحت الاحتلال الإنجليزى فقد رفض قبول الوظيفة تحت الاحتلال الإنجليزى، وقال لهم إنه لن يذهب إلى السودان إلا إذا وقع خطاب التعيين الباشا خديوى مصر لأنه الحاكم الشرعى للسودان، ولأنه حاكم مسلم وهو ما أثار استياء الإنجليز الذين كانوا ينون قطع كل صلات مصر بالسودان بدليل أن القاضى الذى أتى بعد المراغى جاء بتوقيع الحاكم الإنجليزى.

أسهمت تجربة تولى الإمام المراغى مهمة القضاء فى السودان فى تعميق وعيه بالفقه الإسلامى، وبلورة منهجه الفقهى المتجدد، فها هى قضايا الناس الواقعية بتفاصيلها وجزئياتها وتعقدها تقف وجها لوجه أمام النصوص الفقهية والأحكام المتوارثة، والتى قد اختلفت وتباينت ولم تعد صالحة للتطبيق بعد أن اختلف العصر، وكان لهذه التجربة أكبر الأثر فى منهجه الفقهى بعد ذلك ومحاولاته إكساب الفقه الإسلامى مرونة تمكنه فى الفصل فى نزاعات الناس المعقدة بعدالة الإسلام الراسخة، وهو ما ظهر واضحا فى كتابه «الاجتهاد» الذى دعا فيه إلى الأخذ بما جاء فى جميع المذاهب الإسلامية وجواز الحكم بأكثر من مذهب وعدم الاقتصار على مذهب واحد.

وكان للإمام مواقف كثيرة فى السودان أظهرت سماحته الإسلامية وغيرته على الدين وكرامة العالم ومكانة الأزهر، فلما أرادت حكومة السودان تعديل لائحة المحاكم الشرعية بالسودان، تمسك الشيخ الإمام بأن من سلطته أن يختار للقضاة الآراء الفقهية التى يحكمون بها، ولما رفض المسؤولون فى السودان هذا الأمر، أصر الإمام على رأيه، حتى انتصر على مناوئيه، ويتداول محبو الإمام واقعة حدثت أثناء إقامته بالسودان تفيد أنه كان دائم الاعتزاز بمكانته وشخصيته، ولكنه لم يكن اعتزازا شخصيا بقدر ما كان اعتزازا بالقيمة التى يمثلها، فقد حدث أن الحكومة البريطانية اعتزمت أثناء احتلالها للهند أن تحتفل بتنصيب الملك جورج الخامس إمبراطورا على الهند، فأصدرت الأوامر إلى الأعيان وكبار الموظفين فى السودان أن يسافروا إلى الميناء لاستقبال باخرة الملك، وهى فى طريقها إلى الهند حيث تتوقف لبعض الوقت وكان فى مقدمة المدعوين قاضى قضاة السودان الإمام المراغى، وكان البروتوكول يقضى بألا يصعد إلى الباخرة أحد غير الحاكم الإنجليزى، وأما من عداه فيمكثون بمحاذاة الباخرة ويكفى أن يشرفهم الملك بإطلال عليهم، وعلم الشيخ ذلك الترتيب فأخبر الحاكم الإنجليزى بأنه لن يحضر لاستقبال الملك إلا إذا صعد مثله إلى الباخرة لملاقاته، وإلا فلن يحضر، ولما وجد الحاكم أنه من غير الممكن أن يتخلف قاضى القضاء عن استقبال الملك وافق على رأيه، ولما صعد الإمام إلى الباخرة قابل الملك، وملؤه عزة وشموخ، وحياه بتحية الإسلام ولم ينحن له مثلما وجد الآخرين ينحنون، وهو ما أثار استياء الإنجليز الذين طالبوه بالانحناء للملك، فقال لهم مقولتهم الشهيرة: فى ديننا لا ننحنى لغير الله.

مضى الإمام فى رحلته للسودان محاولا أن يضخ الدماء فى شريان القضاء السودانى وهو عصب الحياة الأول الذى إن صلح صلح حال البلد، فأشرف على القسم الشرعى من كلية «غاردون» وزوده بأساتذة من العلماء المصريين الممتازين من الأزهر ودار العلوم، وهو ما يذكره السودانيون للإمام بكل تقدير، ولما اشتدت الثورة بمصر، التف المصريون بالسودان حول الشيخ الإمام المراغى فقاد جموعهم فى مظاهرة كبيرة، وأخذ يجمع التوقيعات لتأييد زعامة سعد زغلول وأصحابه والإقرار بأنهم وكلاء الأمة، وهنا ثار حُكَّام الإنجليز بالسودان، فاقترح بعضهم سجنه، واقترح بعضهم اعتقاله ونفيه، وهو ما تم تجنبه خوفا من إحداث ثورة أخرى، فأنهى عمل الإمام بالسودان ومنحته حكومة السودان إجازة مفتوحة لم يعد بعدها إلى الخرطوم، ولقد كتب حاكم السودان أيام كان الشيخ الإمام المراغى فيه إلى وزارة الخارجية الإنجليزية قائلاً: إن الشيخ المراغى يُعدُّ من دهاة العالم، وفى خلال ثورة سنة 1919م وكان الشيخ الإمام المراغى بالسودان كتبت صحيفة «التايمز» وهى صحيفة بريطانية مشهورة: أبعدوا هذا الرجل، فإنه أخطر على بلادنا وحياتنا من ويلات الحرب.

فى مصر كان الإمام يتقدم نحو مزيد من العلم والبحث والعمل الجاد الذى أثقل رؤيته وجعله من أئمة عصره المعدودين، فشغل منصب رئيس التفتيش الشرعى بوزارة الحقانية ثم منصب رئيس محكمة مصر الكلية الشرعية ثم فاز بعضوية المحكمة العليا ثم رئاسة المحكمة العليا الشرعية، وكان حصيلة هذه المناصب، هو قيامه بعدة إصلاحات مهمة، حيث أمر بتشكيل لجنة لتنظيم الأحوال الشخصية برئاسته، ووجَّه اللجنة إلى عدم التقيد بمذهب الإمام أبى حنيفة إذا وجد فى غيره ما يُنَاسب المصلحة العامة للمجتمع، وكان القضاة قبل ذلك مقيدين بمذهب الإمام الأعظم أبى حنيفة، فجعلهم يقتبسون من المذاهب الأخرى ومن آراء المجتهدين بما يناسب الزمان والمكان، وبهذا استطاع أن يقوم بإصلاحات عديدة فى محيط الأسرة الإسلامية، فأصدر فى يوليو سنة 1920م قانون الأحوال الشخصية.

وأثناء عمل الإمام بالقضاء واجه العديد من المحن والاختبارات القاسية فصمد أمامها بشجاعة لا تعرف الخضوع وصمود لا يعرف التهاون، ومنها ما حدث أثناء نظره لقضية، فقد تعرض إلى اعتداء غاشم أثناء نظره لإحدى القضايا فعرض عليه أحد أطراف القضية رشوة ضخمة فى مقابل أن يحكم له، فأعرض الإمام عنه ومضى فى سبيله، ولما كان المجرم يعرف أنه مدان لا محالة حاول أن يمنع الإمام من النظر فى القضية، فاستأجر من يعتدى عليه، فألقى المجرم ماء نار فى وجه الإمام فأصابت منه رقبته وبعض وجهه، وفى تحقيقات القضة أدلى الإمام بأوصاف المجرم ووصفه وصفا دقيقا وهو ما ساعد الشرطة على الإمساك به فاعترف بالواقعة.

بعد أقل من ستة عشر عاما من حصول الإمام على «العالمية» تم تعيينه شيخا للأزهر، وهو مازال فى أربعينيات عمره، وبالتحديد فى عامه السابع والأربعين، فانتوى أن تكون فترة إمامته للجامع الأزهر فترة تاريخية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، فأعد العدة لتنفيذ حلم الإمام حسن العطار والإمام محمد عبده فى تطوير الأزهر وإصلاحه، فدرس مناهج الأزهر وقوانينه وعمل على تنقيح هذه القوانين، واقترح إنشاء ثلاث كليات عليا تتخصص الأولى فى دراسة العلوم العربية، والثانية فى علوم الشريعة، والثالثة فى أصول الدين، لكنه اصطدم برغبة الملك فى الحفاظ على الأزهر تابعا خانعا ضعيفا، فعرض عليه قانون إصلاح الأزهر فرفضه لأن الواشين كانوا قد أوعزوا إليه بأن المراغى يريد أن يستقل بالأزهر عن القصر، وكان رد الإمام حاسما، فأرسل إلى الملك بقانون إصلاح الأزهر فى ظرف، واستقالته فى ظرف آخر، فرفض الملك القانون وقبل الاستقالة ليخرج الإمام من الأزهر شريفا كما دخل إليه، وما هى إلا أشهر معدودات حتى هاج الجامع الأزهر وعمت فيه الإضرابات والمظاهرات المطالبة بعودة الإمام، فعاد الإمام إلى إمامته مرة أخرى وأرجع معه من تم فصلهم عن الجامع لأنهم من مناصريه وتلامذته، ومنهم الإمام محمود شلتوت.

أجمعت أطياف الشعب المصرى آنذاك على محبة الإمام والثقة فيه، حوله تحلق المثقفون والأميون والعلماء والباحثون والسياسيون، وهذا ما مكنه من أن يشق طريق الإصلاح بكلتا ذراعيه، فأدخل إلى الأزهر كليات متخصصة، ووضع نظام التعليم الأزهرى، وشكل لجانا للفتوى، وأنشأ قسم الوعظ والإرشاد لنشر الثقافة الإسلامية فى الأقاليم الخارجية، كما أنشأ جماعة كبار العلماء، واشترط فى أعضائها أن يكونوا من العلماء الذين أسهموا فى الثقافة الدينية، وأن يُقدِّم رسالة علمية تتسم بالجدَّة والابتكار، وجعل أعضاءها ثلاثين عضوًا، وآثر بعضويتها أولى الكفاءات العلمية والأخلاق السامية حتى أصبحت أكبر هيئة دينية فى العالم الإسلامى، وقد حلَّ محلها الآن مجمع البحوث الإسلامية، ورأى قبيل وفاته أن يُنشئ مراقبة خاصة للبحوث والثقافة الإسلامية تختص بالنشر والترجمة والعلاقات الإسلامية، والبعوث العلمية، والدعاة، فصدر قرار بإنشائها فى يوليو سنة 1945م.

وبرغم كل هذه المهام الجسيمة التى تولاها الإمام لكنه لم يقصر فى حق تخصصه الأول وهو التشريع والفقه، وقد كان أحد أهم مجددى الفقه الإسلامى ووريث مدرسة الإمام محمد عبده فى الإصلاح الدينى، معتمدا على كتاب الله تعالى وسنة رسوله وأعمال خلفائه الراشدين مشجعا على الاجتهاد ومهاجما من يعارضه، قائلا إنه لا الله ولا رسوله ولا صحابته ولا التابعين ولا تابعى التابعين ولا أى من الأئمة الكبار أمر بغلق باب الاجتهاد، وهو ما يعنى أن غلق باب الاجتهاد غير متوافق مع الشريعة الإسلامية، كما دعا الإمام إلى عدم الاقتصار على الالتزام بآراء الأئمة الأربعة، وأنه يجوز أن يأخذ المسلم بأى رأى سليم من أى عالم دين أو إمام مخالف لإمام مذهبه طالما الأدلة سليمة، كما دعا الإمام إلى توحيد الفقه الإسلامى وعدم «التمذهب» الذى قد يضر بالحياة الدينية والدنيوية على حد سواء، كما تبنى الإمام منهج الأئمة الكبار أمثال الغزالى والشاطبى والعز بن عبدالسلام فى اتباع المصلحة، غير أنه قال إنه يجوز أن يأخذ المسلم بالقول الضعيف إذا كان فيه مصلحة من مصالح الأمة، كما دعا إلى ضرورة التثبت عند نقل ما يسمى بالإجماع، كما دعا إلى الأخذ بالعرف الخاص، وإن خالف المنصوص عليه فى كتب الفقه، كما كان الإمام يرى أنه لا مانع من أن يشتغل رجل الدين بالسياسة بشرط ألا ينتمى إلى حزب أو طائفة وأن يكون عمله بها من أجل الإرشاد إلى الصواب ولرد المخطئ عن خطئه، فالسياسة من وجهة نظره «كياسة فى الموقف وصراحة فى القول، أما كياسة الموقف فإنها تعنى المواءمة بين المصالح والمفاسد فى الموقف واختيار أرجحها فإذا رجحت المصلحة على المفسدة أو قلت المفسدة بين أمرين وافق عليه وما عارضه».

وتبنى الإمام قضية التقريب بين المسلمين وغير المسلمين، مؤكدا أنه يجب على «رؤوس الأديان» أن يتحدوا فيما توافقوا عليه، مرجعا سبب ابتعاد المثقفين عن الدين بأن رجال الدين لم يكونوا راشدين فى هجومهم عليهم وهو ما تسبب فى جرأة المثقفين على رجال الدين وإضعاف الشعور الدينى العام، داعيا الفقهاء إلى تفهم أسباب اعتراض المثقفين على رجال الدين ومحاولة كسبهم فى صفهم لما يتمتع به المثقف المسلم من قوة فى الحجة ومقدرة على الإقناع بدين الله وأخلاقياته لغير المسلمين، موضحا أن المثقفين المسلمين يتميزون بقوة إحساسهم ودقة إدراكهم واستطاعتهم فهم ما بالأديان من معان روحية سامية يصعب فهمها على العامة، قائلا: إن قبس النور مازال باقيا مادام الله رحيما بعباده.

ولك أن تتعجب من وجهة نظر الإمام المراغى التى ساقها اعتراضا على ما يسمى بالإعجاز العلمى فى القرآن الكريم، فقد قال رحمه الله: «إنه كلما حدثت فى العالم فكرة طريفة اجتهد البعض أن يلتمسها فى القرآن،‏ وفرحوا إن استطاعوا الاهتداء إلى إشارة بعيدة إليها،‏ يفعلون هذا فى جميع النظريات المرتبطة بالكون وأسراره‏،‏ وقواعد الاجتماع والسياسة،‏ ولكن من حقهم أو يفهموا أن المعارف البشرية غير مستقرة‏، وأنها تتغير ويتجدد بدلا منها معارف أخرى تختلف عنها أو تناقضها‏،‏ وأنه ليس من الحكمة أن نربط هذه المعارف غير القارة أى غير المستقرة بكتاب الله الثابت الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه‏، ‏ومن الخير أن ندع كتاب الله يقرر لنا أحكام التشريع ويهدم الوثنية من أصولها‏،‏ ويرفع العقل البشرى إلى المستوى اللائق به‏، ويأخذ بيد الإنسان إلى المقام الأسمى اللائق بخلافته فى الأرض‏،‏ ويبين لنا العبرة والعظة بأحوال الماضى،‏ ويغرس فى نفوسنا تلك الأخلاق الفاضلة من الصبر والشجاعة والقناعة والرضا‏، ويفتح أمامنا أبواب العلم والهداية بما أشار إليه من وجوب النظر فيما صنعه الله، خير لنا أن نفعل ذلك وندع العلماء يقررون معارفهم ويستدلون عليها‏، ويحملون نتيجة خطئهم إذا تغيرت معارفهم، وأثبت العلم نقيضها‏،‏ فليس القرآن الكريم كتاب حساب‏ وفلك وطبيعة، وإنما هو كتاب هداية وتنظيم لعلاقة الإنسان بربه،‏ وعلاقة أفراد الناس بعضهم ببعض‏».‏

وللإمام الكبير مواقف كبيرة مثله، تدل على صرامته فى الدفاع عن الدين والشرف والكرامة والعزة، فيقول العالم السورى محمد كرد على فى محاضرة له ألقاها فى دمشق عن الإمام المراغى‏:‏ طلبوا من الإمام المراغى يوما أن يترك رئاسة الأزهر ويحصل على ما شاء من الأفدنة والأموال فأبى،‏ وطلبت منه جماعة سياسية معينة أن ينضم إليها ويكون له ولأولاده وذوى قرباه ما شاء من الكرامة فأبى، وقال فى ذلك‏:‏ إن أولادى وإخوتى فى نظرى أقل من أبيع لهم كرامتى‏،‏ وعن المراغى يقول العالم الجليل الشيخ عبدالجليل عيسى‏، وهو تلميذ الإمام المراغى‏،‏ كان المراغى رجلا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان، لا يعرف الدجل، ولا الغش‏، ولا الكذب،‏ ولا مجاملة الأقوياء‏، وكان المراغى مصلحا جريئا فى الإصلاح،‏ وكان قاضيا فذا فى القضاء،‏ وكان مشرعا حكيما فى التشريع،‏ خبيرا بروح الشرع ومراميه‏،‏ وكان أديبا ضليعا فى الأدب‏.‏

موقف آخر ظهرت فيه قوة الإمام وصرامته فى مواجهة من يعتدون على الدين، فقد حدث أن أرسل أحدهم إلى الشيخ عبدالمجيد سالم مفتى الجمهورية سؤالا عن حكم الدين فيمن يشرب الخمر ويذهب إلى الحفلات الماجنة، وعرف الشيخ أن المقصود بالسؤال هو الملك فاروق الذى نشرت الصحف خبرا عن حضوره مثل هذه الحفلات فأجابه سليم بحكم الدين فى هذا الأمر ولم يتخوف من شىء، ونشرت الصحف فتوى سليم وقالت إن المقصود بها هو الملك، فغضب الملك كثيرا من هذه الفتوى واتصل بالإمام المراغى يحثه على تكذيب المفتى فقال للملك وكان على خلاف مع المفتى: لن أخذل رأى المفتى، بل لا تطلب منى أن أعين المخطئ على خطئه ولا أن أخطئ المصيب فى إصابته، ولهذا قال عنه الشيخ عبدالمجيد سليم فى تأبينه: «رحم الله الشيخ المراغى وأحسن إليه لقد كان عظيما حقا، وكانت له صفات كريمة وخلال شريفة هيأته لهذه العظمة وجعلته يحتل فى التاريخ هذه المكانة الجليلة، ولقد كان رحمه الله ذا فطرة سليمة صافية يمدها ذكاء شديد واستعداد طيب لاستقلال فى التفكير والميل إلى الحرية والقصد فى الاعتقاد بما يراه أهل التقليد».

واستمر الإمام فى قول الحق والإصلاح ما بقى له من حياته، ومن فتاواه الجليلة أمره بالحياد حيال حرب إنجلترا وألمانيا، وكانت إنجلترا وقتها تحتل مصر وتريد من الإمام أن يجند لها المصريين لتحقق الانتصار، فقال قولته الشهيرة: «إن مصر لا ناقة لها ولا جمل من هذه الحرب وإن المعسكرين المتحاربين لا يمتان لمصر بأية صلة»، وهو ما أغضب رئيس الوزراء الذى اتصل به يهدده فرد عليه الإمام: «أمثلك يهدد شيخ الأزهر؟ وشيخ الأزهر أقوى بمركزه ونفوذه بين المسلمين من رئيس الحكومة، ولو شئت لارتقيت منبر مسجد الحسين وأثرت عليك الرأى العام، ولو فعلت ذلك لوجدت نفسك على الفور بين عامة الشعب».

ولعل أبرز هذه المواقف التى تبرز شجاعة الإمام وصرامته ما حدث مع الملك فاروق حينما طَلَّق زوجته الأولى الملكة فريدة، وأراد أن يُحرِّم عليها الزواج بعده، فأرسل إلى الشيخ يطلب منه فتوى تؤيد رغبته فرفض أكثر من مرة، ولما ضاق الملك ذرعًا بإصراره على الرفض ذهب إليه فى المستشفى مُحتدًّا، فقال له الشيخ عبارته الخالدة: أما الطلاق فلا أرضاه، وأما التَّحريم فلا أملكه، ثم صرخ بأعلى صوته: إنَّ المراغى لا يستطيع أن يُحرِّم ما أحل الله.



وائل السمرى يكتب: الإمام محمود شلتوت.. لسان الحق ومحامى الإسلام.. أقنع علماء العالم بقدرة الشريعة على التطور فأدرجوها ضمن مصادر التشريع العالمى وكان يعتبر غير المسلمين «إخوة فى الإنسانية»
الجمعة، 10 أغسطس 2012 - 11:47

الإمام محمود شلتوت




◄ لم يعترف بحد الردة ولا قتل الأسرى ولا أوصاف الدابة ولا رفع المسيح بجسده إلى السماء ودعا إلى تطهير كتب السيرة من الإسرائيليات
◄ أحل أخذ القروض من البنوك والصلاة على مذهب الشيعة الإمامية الجعفرية وساوى بين الرجل والمرأة فى الحقوق والواجبات والعقوبات

أقنع علماء العالم بقدرة الشريعة على التطور فأدرجوها ضمن مصادر التشريع العالمى وكان يعتبر غير المسلمين «إخوة فى الإنسانية».. لم يعترف بحد الردة ولا قتل الأسرى ولا أوصاف الدابة ولا رفع المسيح بجسده إلى السماء ودعا إلى تطهير كتب السيرة من الإسرائيليات ..أحل أخذ القروض من البنوك والصلاة على مذهب الشيعة الإمامية الجعفرية وساوى بين الرجل والمرأة فى الحقوق والواجبات والعقوبات

هل سمعت يوما أحد زعماء تيار الإسلام السياسى الذين يقولون إنهم يريدون تطبيق الشريعة الإسلامية وهو يرد على خصومه من السياسيين ويقول إن الشريعة الإسلامية معتمدة عالميا كمصدر من مصادر التشريع العالمى منذ العام 1937 وأن العالم أجمع اعترف بصلاحيتها للتطور كما قرر أن تكون اللغة العربية التى هى لغة الشريعة الإسلامية إحدى لغات المؤتمرات التشريعية؟.

إليك قصة هذا الفتح المبين للدين الإسلامى والتشريع الإسلامى، وإليك قصة بطله الذى رفع اسم الإسلام عاليا فصار حقا مصدرا من مصادر التشريع العالمى، لكن قبل أن تقرأ حاول أن تتأمل جيدا كيف أقنع هذا «البطل» العالم بسماحته وتفهمه، وحاول أيضا أن تعرف الفارق الكبير بين «الأصل» الذى حارب واجتهد وفكر فدافع عن الإسلام فى الداخل والخارج فنال احترام العالم فضلا عن استحسانه، وبين «الفرع» الذى يختلف عن الأصل تمام الاختلاف ويكاد يكفره لكنه مع ذلك لا يتورع عن القفز على منجزات «الأصل».

كان هناك مؤتمر عالمى فى مدينة لاهاى بهولندا دعى إليه المشرعون والقانونيون من كل أنحاء العالم، ولما كان الأزهر يتمتع وقتها بمكانة آخذة فى العلو دعى الأزهر كممثل عن العالم الإسلامى إلى هذا المؤتمر، فوفق الله القائمين على الأزهر فى إرسال الباحث العالم محمود شلتوت إلى هذا المؤتمر، وقد كانت مهمته وقتها شاقة مجهدة، فمعظم الحاضرين لا يكادون يعرفون شيئا عن الإسلام، ومن يعرف شيئا عنه يتخذ موقفا سلبيا منه تحت تأثير الدعاوى التى تقول إن الإسلام دين التقليد والانغلاق، فوقف الإمام محمود شلتوت وسط هذه الجموع الكثيفة المتجهمة المتربصة وقدم بحثه التشريعى الذى كان يحمل عنوان «المسؤولية المدنية والجنائية فى الشريعة الإسلامية» قال فيه نصوص الفقهاء فى ما يسمى «الضمان والتعويض» واستشهد بآيات القرآن ونصوص السنة التى تدعم هذا المبدأ وتحدد مسؤوليته، وامتد بها ليشمل مسؤولية الطبيب عن مريضه ومسؤولية من يقصر فى إغاثة الملهوف فى الإسلام، ومسؤولية الحيوان حين يتلف زرعا مملوكا لأحد غير صاحبه ومسؤولية المسلم أمام إتلاف محترزات غيره، وأخذ يشرح المراد بقول الفقهاء حقوق الله وحقوق العباد، كما استفاض فى شرح معنى العقد القهرى الذى تم توقيعه بعد غصب، وامتد البحث إلى المسؤولية الجنائية عن الحدود فى الإسلام موضحا بنصوص الكتاب والسنة وتراجم خبرة الفقهاء أن الشريعة الإسلامية لم يقيد الفقهاء بعد أصولها الكلية بخطة معينة فى البحث بل فوضت لهم الرأى والاعتماد على ما يقدرون من مصالح وحقوق وواجبات فى العصور المختلفة والبلدان المتباينة» ولما بهر الإمام محمود شلتوت أكبر علماء القانون فى العالم بمدى قابلية الشريعة الإسلامية للتطوير وكيف تعامل معها الفقهاء الأوائل بمرونة ويسر محافظين على الكليات وغير غارقين فى التفاصيل أقروا الاعتراف بالشريعة الإسلامية كأحد مصادر التشريع العالمى، واعتبروها إرثا قانونيا عالميا لا تخص المسلمين وحدهم وإنما تخص العالم أجمع باعتبارها شاهدة على تطور التفكير القانونى لدى البشر وقابلة للتجاوب المنضبط مع متغيرات العصر ومتطلباته.

بطل هذه القصة وغيرها كثير من قصص الدفاع عن الإسلام والمسلمين هو الشيخ الإمام معلم المصلحين محمود شلتوت «1893 / 1963 م» الذى يعد أحد أهم شيوخ الأزهر عبر تاريخه وأحد أهم باعثى نهضته، وأحد أكبر مقاومى موجات الاستشراق وأحد أهم قادة الإسلام الروحى التاريخيين الذين لا يقبلون أن يتدخل أحد فيما بين العالم وعلمه أو فيما بين الإمام وسلطاته فقد حفظ له التاريخ مواقفه الحاسمة وسمعته الناصعة ويده البيضاء واعتزازه باستقلالية العالم التى لا يقبل أن ينازعه فيها أحد، فبخلاف مواقفه الوطنية الكبيرة فقد عمل الشيخ منذ أيامه الأولى بالأزهر على تطويره وتحديثه واستقلاله، وما كان يغضب إلا للعلم وما كان يثأر إلا للدين، كما حفظ التاريخ لنا استقالته الشهيرة من مشيخة الأزهر بعدما لاحظ تدخل الدولة فى شؤونه، ففى العالم 1963 قدم فضيلته استقالته من هذا المنصب العالى اعتراضا على قرار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بإنشاء وزارة لشؤون الأزهر ورأى أن هذه الوزارة تحد من استقلالية هذا الجامع العريق وتحد من سلطاته، فقال فى نص الاستقالة «ليس أمامى إلا أن أضع استقالتى من مشيخة الأزهر بين يديكم بعد أن حيل بينى وبين القيام بأمانتها».

ولد الإمام فى محافظة البحيرة، والتحق بمعهد الإسكندرية الدينى بعد إتمام حفظه للقرآن الكريم، وهو المعهد الذى كان يحوى أكبر الأساتذة وأكثرهم علما وفقها فقد كان الشيخ الكبير محمد شاكر هو شيخ المعهد، وحينما اندلعت ثورة 1919 شارك فيها بكل قوة وناصر قضية المعتقلين السياسيين فيها وكان يقوم بمهمة جمع التبرعات للمعتقلين وأسرهم وزيارة أبنائهم وراء القضبان، وإمدادهم بما يحتاجونه من طعام وملبس ودعم معنوى ومادى، وقد كان بنفس الإمام شوق لاستقلال الوطن كما كان بداخله شوق لإصلاح الأزهر وهى الدعوة التى كانت تنطلق بقوة داخل جنبات هذا الجامع الجامعة، وبدأ بنفسه فلم يتقيد بالفقه الحنفى الذى درسه واتخذه مذهبا فى الدراسة وتعداه إلى ما دونه من مذاهب سواء كانت المذاهب الأربعة أم غيرها من المذهب الزيدى أو المذهب الظاهرى أو المذهب الإمامى، وعكف بصفة خاصة على آراء الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وتقديرا لنباهته اختير لتدريس مادة أصول الدين فى الأزهر الشريف بعد أقل من عشرة أعوام على تخرجه، ولأنه كان دائم المطالبة بالإصلاح فقد أثار ذلك استياء العديد من المشايخ وحتى تم فصله نهائيا على يد الأستاذ الأكبر محمد الأحمدى الظواهرى ثم رجع إليه ثانية مع تولى الإمام المراغى للمشيخة، حينما تولى الإمام شلتوت مشيخة الأزهر سنة 1958 أصدر قانون إصلاح الأزهر سنة 1961م. ودخلت فى عهده العلوم الحديثة إلى الأزهر، وأنشئت عدة كليات فيه وارتفعت مكانة شيخ الأزهر حتى لاقى من الجميع كل الإجلال، وكان يحترمه قادة العالم ويرسلون إليه الرسائل وقد أصدر الإمام العديد من الكتب المهمة فى المكتبة العربية أهمها فقه القرآن والسنة تفسير القرآن الكريم الأجزاء العشرة الأولى». ومقارنة المذاهب، والقرآن والقتال، الإسلام عقيدة وشريعة، من توجيهات الإسلام، والفتاوى.

سيرا على هدى المستبصرين الأوائل كان الإمام، منطلقا من يقينه بقداسة الدين الإسلامى وعظمته وسماحته، حيث لم يعرف عن الإمام أن حقد مرة أو غل، بل كان يعامل خصومه فى الفكر والرأى بأحسن مما يعامل غيرهم، فقد كان خلقه القرآن وصفته الإيمان، بل لا يبالغ الواحد إذا قال إنه لم يكن يضع فى اعتباره أن يكون مثلا للمسلمين والمؤمنين فقط وإنما كانت أخلاقه وكتاباته تدل على أنه كان يضع فى حسبانه أن يكون مثاليا عالميا إنسانيا فليست وظيفة شيخ الأزهر أن يكون قدوة لأهل دينه فحسب وإنما انتصاره الأكبر أن يكون قدوة حتى لمن يختلفون عنه فى الديانة، قادرا على مخاطبة الفطرة الطيبة أينما وجدت، وكان الإيمان فى هذا متسقا مع ذاته متجاوبا مع تعاليم الإسلام الحنيف، فقد كان يرى أن الإنسان بحاجة دائمة إلى الدين لأن الله فطره تتنازعه قوى الخير وقوى الشر، ووظيفة الإسلام أن يهدى الإنسان إلى اتباع قوى الخير بداخله فيكون الإسلام بذلك دين الفطرة حقا.

غير أن الإمام يفرق كثيرا بين أشكال التدين التى يتبعها الناس، فيمدح فى التدين الذى يراعى الله وتعاليمه وهداه، متبعا قول الله تعالى «اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء» وفى ذات الوقت يدين الإمام التدين الرمزى الذى يكتفى فيه المسلم بترديد الشهادتين مطلقا لروحه وعقله العنان فى كل شىء وليس له من مرشد إلا الهوى، بل يعتبر الإمام الإلحاد خيرا من هذا التدين الذى قد يغر ضعاف العقول، ويتشارك التدين الصورى الذى ينتهجه البعض الخطر مع التدين الرمزى، وهو ذلك الذى تتبعه طائفة تزعم أن الدين هو حركات الصلاة وتماوت الصيام وهمهمة التسابيح وغيرها من مظاهر خادعة لا تدل على قلب عامر ولا روح خاشعة فقد كان رحمه الله يوقن أن الإيمان هو ما وقر فى القلب وصدقه العمل، فلا يحتاج الواحد أن يلجأ لبعض التصرفات المتشبهة بمسوح الإيمان، كما لا يحتاج إلى إضافة أشياء ليست من الإسلام فى متنه، وهو الشىء الذى يجده الواحد فى كتب التوحيد التى تقول إن من شروط الإيمان بجانب الإيمان بوجود الله وحدانيته والرسل واليوم الآخر مسائل أخرى مثل رؤية الله بالأبصار وزيادة صفات الله على الذات ومرتكب الكبيرة وما يكون آخر الزمان من ظهور المهدى والدجال والدابة والدخان ونزول عيسى، فقد كان الإمام يعتبر كل هذه الأشياء من الأشياء المضافة إلى الإسلام وأنها ليست ثابتة ثبوت اليقين، مؤكدا أن «التاريخ العلمى يدل على أن هذه المسائل جر إليها البحث فى العقائد حين تعددت الفرق وكثرت المذاهب الكلامية فكانت محل اجتهاد بين العلماء كل يرى رأيه فيها يدلى بحجته على ما يرى ملت

_________________

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  * الدال على الخير كفاعله *
سبحان الله .. الحمد لله ..  الله أكبر ..  لا إله إلا الله
لا حول ولا قوة إلا بالله ... سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد
كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم

من هذا المبدأ الدال على الخير كفاعله

كيف تستفيد من الانترنت وتربح الكثير من المال باقل مجهود
ارشح لكم هذا العمل للكسب السريع بدون اي تكلفة مادية منك
من هنا .هنا هنا هناااااااااااااااااااا..
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://said63.goodforum.net
said63
منتديات شباب العارب
منتديات شباب العارب
avatar

عدد الرسائل : 3822
العمر : 54
تاريخ التسجيل : 14/02/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقهاء التنوير من عمر بن الخطاب يكتبه وائل السمري لكم    الجمعة أغسطس 17, 2012 10:22 pm

الإسلام فى مصر ..انضم إلى «الإخوان» ثم تركهم بعد أن «لوّنوا الدين وتركوه من أجل السياسة وسعوا إلى تشويه المسؤولين والشخصيات العامة»
الجمعة، 17 أغسطس 2012 - 09:36

الشعراوى



خالف رأى الوهابية وأباح الغناء والخروج على الحاكم والصلاة فى المساجد ذات الأضرحة فشتمه شيخهم وقال إنه «منحرف العقيدة»

كان يصنع التماثيل ويحب الشعر ويكتبه ويعتبر أن طه حسين وأحمد شوقى وحافظ إبراهيم والباوردى بعثوا اللغة العربية

فى عباءته الواسعة اجتمعت مصر كلها، وعلى مائدته القرآنية الممتدة لسنوات طويلة تربت أجيال وتعلمت وفهمت وعرفت وضحكت وبكت، كان الجميع ينظرون إليه بإجلال ومهابة كأنه عبد ربانى ينتمى إلى ذلك الكيان النورانى المتعالى، فى تقاسيم وجهه راحة وبشاشة، وفى روحه المصرية العميقة إيمان دائم ومحبة مستمرة، ميز الله يوم الجمعة منذ ظهور الإسلام بصلاتها المكتوبة، ولم تكن هناك ميزة أخرى لهذا اليوم سوى حديثه الشهير، فصار ضيفا على بيوتنا وأخا كبيرا وأبا معلوما، أغلب المصريين كانوا يتعاملون معه باعتباره واحدا من العائلة، أو إن شئت الدقة فهو كبير العائلة، حينما يتكلم يستمع الجميع، وحينما يظهر يهابه الجميع، وإذا أمر أطاعه الجميع، وإذا ابتسم ضحك الجميع، وإن مرض أو تعثر تهبط القلوب من مكانها مرتجفة خائفة، فكان يوم وفاته مأتما عاما، بكاه المصريون كما يبكون كبيرهم المفقود.

أحب الله فأحبه الناس، وقد صدق فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيل، فَقَالَ: «إِنِّى أُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبَّهُ». فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِى فِى السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يَضَعُ لَهُ الْقَبُولَ فِى الأَرْضِ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ الأَرْضِ» وكهذا كان حب الناس للإمام موصولا بالسماء، فهو محل إجماع المحبة، وقبلة كل سائل ومسؤول، ودواء القلوب الظامئة، وحضن الأمان للأرواح المتأرجحة، وحجة اليقين للمتشككين، وبسمة الرضا إذا ما قست الدنيا وأدبرت، وفرحة الانتشاء إذا ما أقبلت وتهادت، ولما غاب الإمام عنا، صار مكانه خاليا، لا يجرؤ أحد على ملئه، ولا يتجرأ أحد الحلم باحتلاله، ولعظيم دوره وأثره فى حياتنا، كان من الطبيعى أن تتوافق الأغلبية الغالبة على اعتباره مجدد القرن الماضى، ولسان حال الإسلام فى مشارق الأرض ومغاربها.

اختبرته الدنيا فخبرها، وعاش من الأحداث والوقائع والمتغيرات ما جعله يفهم ويعى ويدرس ويتأمل، فمنذ يوم ميلاده فى العام 1911م بمحافظة الدقهلية حتى وفاته فى العام 1998 مرت مصر بأحداث كثيرة، شهد الملكية فى أوجها وعاصر ثورة مصر الكبرى على يد الزعيم سعد زغلول كما عاصر وزارة النحاس باشا وأحبه، مرورا بثورة يوليو وحكم جمال عبدالناصر ثم السادات فمبارك الذى ظل مشهد لقائه به بعد تعرضه لحادثة الاغتيال الشهيرة فى 1995 حاضرا فى ذهن الجميع.

وعن طفولته ونشأته وأهم ما تأثر به وأثر فيه يقول الإمام فى إحدى حلقات برنامج من الألف للياء مع الإعلامى طارق حبيب فيقول: نشأت فى أسرة طابعها التدين، وكان طابع والدى هو عشق العلم، ولذلك حرص على أن ينشئنى فى حضن العلم، فنشأت طفولتى مطبوعة بهذا الطابع حتى ذهبت إلى الأزهر» ويشرح الإمام كيف احتفظ ببراءته وطفولته الدائمة فيقول: لم يخرجنى الله عن براءة الطفولة وقد سدت أمامى كل المسائل التى تخرجنى من براءة الطفولة إلى شراسة المراهقة، فقد تزوجت بعد حصولى على الابتدائية، فتحصنت من عواطف المراهقة، وكنت أعمل مع والدى فى الصيف فى الغيط، فلم يتح لى التقلب بين الأصحاب، وعن هواياته ومواهبه وحبه الغريزى للفن والشعر يقول الإمام: ونشأت لى هوايات نابعة من محيط قريتى تتعلق بالفلاحة والزراعة واللعب فى النيل وفى الطين، وكانت لى موهبة كبيرة فى صناعة التماثيل التى كنت أجيدها وأتميز فيها وكانت تلك الموهبة محل إعجاب من الجميع فقد كنت أجيد عمل التماثيل من الطين للحيوانات ولأى شىء، ولكن بعد أن تميزت فى هذه الهواية انتقلت هوايتى من شىء جميل إلى شىء جميل آخر، وهو الأدب والشعر فبدأت أسمع وأحفظ لأصبح أديبا وشاعرا، وقد كان أمير الشعراء أحمد شوقى هو خميرة هذا التأهيل، ويضيف الإمام: كنت أريد أن أصبح شاعرا أو أديبا وكان انتقالى من فن صناعة التماثيل إلى فن الشعر انتقالا سلسا، وقرأت بعد ذلك أن الشعر فن والنحت فن، فعرفت أن الفطرة الموضوعة فى نفس الإنسان كلها فن جمالى وابتكارى، وأعجبت حينما سمعت القول المأثور: أساطين البيان أربعة شاعر صاغ بيته، ومصور نطق زيته، ومثال ضحك حجره، وموسيقى بكى وتره.

ولعل فى هذه السطور ما يبين موقف الإمام من الفنون القولية والتشكيلية دون الحاجة إلى أى شىء آخر، فواضح تمام الوضوح أنه رحمه الله كان يعتنى بكل أنواع الفنون ويعرف عنها الكثير من الأشياء بل يمارس بعضها، ولم يكن فى تقدم الأدب وتطوره ما يعارض الشريعة الإسلامية ويعظم دورها، ففى موضع آخر من هذه الحلقة يقول الإمام مندهشا ومستحسنا أنه تعجب من ازدهار الأدب ورجاله فى عصر ما قبل الثورة برغم أن وضع مصر السياسى كان ضعيفا، ويقول إن اللغة العربية وآدابها شهدت حراكا فكريا كبيرا وبعثت من مرقدها على يد ما أسماهم «فطاحل الأدب» وهم «حافظ إبراهيم وطه حسين والرافعى والبارودى وشوقى» وغيرهم ممن لم يسمهم، لكنه يندهش أكثر من أنه حينما مات هؤلاء لم يأت أحد ليملأ مكانهم، مرجعا سبب ذلك إلى التضييق على الحريات التى تقتل العبقريات، قائلا إن «العبقرية سيطرة مواهب لا تحب أن يتحكم فيها أقل منها» ولذلك رأى أن التضييق على الإبداع الذى بدأ مع الدولة الناصرية هو سبب اختفاء المواهب العبقرية، ويدافع الإمام عن الأدب العربى وجمالياته قائلا إنه اطلع على العديد من النماذج للأدب الأوروبى فلم يجدها بأعظم من الأدب العربى الذى يحبه ويحفظه ويفتخر به، ويروى حكاية وقعت بينه وأحد أصدقائه المتيمين بالأدب الغربى، فيقول إنه لما رأى صاحبه معجبا بشكسبير قال له قل لى أكثر أبيات شكسبير حلاوة وحكمة وسآتيك بمثلها من الأدب العربى، فصار صديقه يقول بيتا من أشعار شكسبير وهو يأتى له بمثيله من أبيات شوقى أو المتنبى أو البحترى أو أبى تمام، حتى إذا ما انتهى زميله من أبياته قال له واثقا من عظمة تراثه الأدبى وجماله إن ابتعادنا عن الأدب العربى هو الذى جعلنا ننبهر بشكسبير وأمثاله.

كانت ساحة الجامع الأزهر هى أول الأماكن الشاهدة على تألق الشعراوى وتفوقه وانشغال بالعمل السياسى والدعوى، فمن الأزهر اندلعت الحركة الوطنية ومنه قامت ثورة 1919، ومنه انطلقت المنشورات تهاجم الملك والإنجليز، ومنه بدأ الشعراوى حياته العملية، والسياسية فتعرف على الإمام حسن البنا وانضم إلى جماعة الإخوان المسلمين فى بداية حياته، وعن هذه الفترة يتحدث الدكتور محمود جامع فى كتابه «عرفت الشعراوى»، ويقول إنه تعرف على البنا وكان من المقربين منه، بل إنه هو صاحب صياغة أول بيان للجماعة، وقد أعجب البنا ببلاغته وأسلوبه فى الكتابة، وظلت علاقة الإمام بالإخوان قائمة حتى كتب قصيدة يمتدح فيها سعد زغلول ومصطفى النحاس باشا، فغضب حسن البنا من الشعراوى وامتد الخلاف حتى قاله له الإمام «النحاس باشا رجل طيب نقى ورع ويعرف ربنا وإننى لا أرى داعيا لأن نعاديه وهذه هى الحكمة» فقال أحد الإخوان الحاضرين : إن النحاس باشا هو عدونا الحقيقى وهو أعدى أعدائنا لأنه زعيم الأغلبية هى التى تضايقنا فى شعبيتنا أما غيره من الزعماء وبقية الأحزاب فنحن نبصق عليها جميعا فتنطفئ وتنتهى! وهنا شعر الشعراوى أن هذا الكلام كان جديدا ومفاجئا له ولم يكن يتوقعه بأى حال فأخذ قراره بالابتعاد عن الجماعة، وقلت لهم: سلام عليكم .. ماليش دعوة بالكلام ده، لكن برغم ذلك لم يعاد الإمام الإخوان وظل على علاقة طيبة بهم، وخاصة عمر التلمسانى الذى كان يزوه فى بيته، ومن الأقوال المشهورة للإمام هو رأيه فى جماعة الإخوان الذى تداوله الكثيرون بكثرة هذه الأيام، حيث كان يرى أن الجماعة «شجرة طيبة» مترحما على زارع هذه الشجرة ومستنكرا من «استعجل حصد ثمرتها»، لكن الغريب أن الإخوان الآن يوردون نصف مقولة الشعراوى فقط فى منشوراتهم، ويقفون عند قوله إن الجماعة «شجرة طيبة» ولا يتطرقون إلى قوله «وغفر الله لمن تعجل ثمرتها» وهو الأمر الذى يشرحه «جامع» فى كتابه فيقول إن الشعرواى كان يذكر استعجال الإخوان لجنى الثمار، مؤكدا أن «خيبة أى داعية هى أن يستعجل ثمرة دعوته وهذا لم يحدث للنبى صلى الله عليه وسلم، فكيف تستعجل أنت ثمرة دعوتك؟ وقال الشعراوى أيضا: الذى يزرع لا ينتظر الحصاد السريع إلا إذا كان ما يزرعه هو «الفجل» وعايز يأكله «ورور» بعد أسبوعين!! أما الذين يزرعون النخيل فهم لا ينتظرون أن يأكلوا هم منها، أما عن انتماء الشعراوى السياسى والحزب الذى يفضله فهو حزب الوفد، فقد كان يقول: إنه كان سياسيا وفديا، «لكن هويتى أزهرية وكنت أحترم أزهريتى بسياستى وليس العكس».

وعن سبب ترك الإمام لجماعة الإخوان قال الدكتور عبدالله عبدالعليم الصبان أستاذ الحديث وعلومه فى جامعة الأزهر فى إحدى مرات الاحتفال بذكرى الإمام إنه «تركهم بعد أن لوّنوا الدين وتركوه من أجل السياسة، بينما كان الشيخ الشعراوى يؤمن بأن الدين حياة وليس لعبة سياسية، وقد رأى أن الإخوان لجأوا إلى الألاعيب السياسية، التى رفضها الشيخ منذ البداية، مثل تشويه المسؤولين بالدولة والشخصيات العامة حتى يخيروهم ما بين الانضمام إليهم وإلى آرائهم أو يكونوا من أعدائهم، فرفض الإمام الشعراوى هذا الأسلوب وترك الجماعة، لكنه لم يحاربهم يوماً، ونشر الدين الإسلامى الوسطى الذى وصل إلى قلوب الناس وعقولهم». ولعل هذا السبب هو ما يعطينا تفسيرا لعدم انضمام الإمام إلى أى حزب سياسى، قائلا إن الانتماء إلى حزب دينى ليس من ركائز الإسلام ولا يَضير إسلامىَ شىءٌ، فإن لم أنتمِ إلى هذا الحزب؛ فأنا مسلم قبل أن أعرفكم، وأنا مسلم قبل أن تكون حزباً، وأنا مسلم بعد زوالكم، ولن يزول إسلامى بدونكم، لأننا كلنا مسلمون، وليسوا هم وحدهم من أسلموا، وقال أيضا «إننى أرفض أن أنتمى إلى حزب يستجدى عطفى مستنداً على وازعى الدينى قبل أن يخاطب عقلى، لأننى أرفض أن أستجدىَ دينى فى صندوق انتخاب، فدينى لا أستجديه من غير خالقى، ويقول: «أتمنى أن يصل الدينُ إلى أهل السياسة، ولا يصلَ أهلُ الدين إلى السياسة» فإن كنتم أهلَ دين، فلا جدارةَ لكم بالسياسة، وإن كنتم أهلَ سياسة فمن حقى أن لا أختاركم ولا جناح على دينى.

وبرغم أن الشعرواى كان مكتفيا بتفسير القرآن عن الخوض فى الفقه ومسائله لكن كان له إسهام كبير فى العديد من قضايا عصره، ومن الممكن أن نقول إنه اتبع القاعدة الاجتهادية الأولى التى تأمر باستفتاء القلب، وعلى هذا نجده يقول أنه لابد لمن يرد إليه سؤال أن ينظر إلى سائله وأن يجيبه بإجابة تتوافق مع تحقيق غاية الدين فى الأمر فقد فسر قوله تعالى «لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقّدتم الأيمان» قائلا يختلف فى مفهوم المفتين باختلاف الحانث، ومثال ذلك أن خليفة فى الأندلس حلف يميناً وأراد أن يؤدى عن اليمين كفارة، فجاء إلى القاضى منذر بن سعيد وسأله عن كفارة هذه اليمين، فقال لابد أن تصوم ثلاثة أيام، وكان يجلس شخص آخر فأشار للقاضى إشارة فلم يعبأ القاضى منذر بن سعيد بتلك الإشارة، وخرج القاضى ومعه ذلك الشخص فسأل القاضى يا أبا سعيد إن فى نفسى شيئاً من فتواك، لماذا لم تقل للخليفة إن كفارة اليمين عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين؟ فقال القاضى منذر بن سعيد: أمثل أمير المؤمنين يُزجر بعتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين؟.. وهذا يعلمنا أن الكفارة فى جانب منها زجر للنفس وفى جانب آخر جبر للذنب، وكان رحمه الله دائما ما يقول «من حكمته التوسعة على العباد، إذ لو أراد الله أن تكون نصوصه على نحو واحد من الفهم لما أعجزه ذلك، وأنه ينبغى على كل طرف ألا ينكر على الآخر فى مواضع الاجتهاد». وقال «ولو أن الله يريد تلك النصوص على وجه واحد لأوضح ما أراد.. والأمر هنا أن يتفهم كل منفذ لحكم محتمل ألا يخطئ الحكم الآخر.. بل عليه أن يقول: هذا هو مقدار فهمى لحكم الله».

وعلى هذا نجد الإمام يتحدى شيوخ الوهابية الذين يقولون إن التوسل بالرسول شرك، قائلا إن الله تعالى قال «ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما» إذا التوبة والرحمانية تأتى بشروط أنهم يأتون للرسول ويستغفرون الله ويغفر لهم الله فيمنحهم الله الهبة مؤكدا أن الرسول يشعر بمن حوله وأن الميت يشعر بمن حوله، ويجوز أن نتوسل به لله، فقد قال عمر بن الخطاب كنا نتوسل برسول الله إليك يارب لتسقينا ولكن رسول الله انتقل إلى رفقتك فنتوسل إليك بعم نبيك العباس، يما يعنى أن ابن الخطاب أقر أن الصحابة كانوا يتوسلون لله بالرسول ولما مات الرسول توسلوا إليه بعمه.
وقال ردا على سؤال عن هذا الأمر لقد أمرنا أن نذهب إلى القبور ونقول السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ديار قوم مؤمنين أنتم السابقون ونحن إن شاء الله بكم لاحقون، ولو لم يكن لديهم سماع لكان تكليفنا بالسلام عليهم عبث، لذا علينا أن نسلم، إذا كان النبى كلم الأموات فى بدر وكانوا من الكافرين، عندما قال يا عتبة لقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم، فرد عليه عمر بن الخطاب قائلا هل تكلم الموتى، فرد النبى قائلا والله ما انتم أسمع منهم لكنهم لا يتكلمون، كما أنه أكد أن الصلاة فى بيوت الله التى بها قبور صحيحة فقد سأله أحد المذيعين قائلا: لو رجل تبرع ببناء مسجد وشيد لنفسه قبرا بداخله فهل هذا جائز؟ فقال الإمام: ليس به شىء، فقبر الرسول صلى الله عليه وسلم فى المسجد وقبور الأولياء كلها فى المساجد، كما قال الله تعالى فى كتابه «قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخدن عليهم مسجدا»، فهذا أمر لم ينكره الله، كما أكد أن قراءة القرآن للميت جائزة ومقبولة بإذن الله قائلا: كل إنسان مطلوب منه مجموعة طاعات وفروض وإن زدت عن الطلب فهب لمن تشاء، ومن يقرأ لهم الفاتحة والقرآن هم بالطبع من الناس الصالحين الذين يستحقون. كما أنكر الإمام ما يقال عن عذاب فى القبر، وقال «القبر ليس فيه عذاب لأنه لا عذاب إلا بعد حساب والحساب فى الآخرة فقط، وفى القبر النفس تتجمد ويعرض عليه عذابه فى الآخرة وإن كان مؤمنا يعرض عليه الثواب، فهو عرض فقط لمنازل الآخرة إن كان شرا يعرض عليه وإن كان خيرا يعرض عليه «النار يعرضون عليها غدوا وعشيا فهنا عرض وهنا إدخال» بل قال إن الأموات يتزاورون ودلل على ذلك بقول رسول الله لسيدتنا فاطمة أنه ستكون أول من يلحق به من أهله فضحكت لأنها ستزوره، وكان الإمام يرى أنه لا يوجد مانع من الغناء فى الأفراح والأعياد أن نستأنس بالغناء وكذلك فى الأعمال الشاقة التى يقومون فيها بعمل نشيد والنشيد فى حالات الحرب من إلهاب الحماس، قائلا إن العبرة ليست بالغناء فى حد ذاته وإنما فى إثارة الشهوات «الغناء مش بس هو اللى وحش، النص من غير غناء لو أثار غريزة يصبح حراما، النص إن هاج وأخرج عن الوقار يصبح حراما، ولو استخدم مع النص أداء مهيج يكون محرما مرتين».

ولأنه رحمه الله كان يعلم أن واجب العالم الإمام أن يجمع حوله الأمة كلها كان كثيرا ما يقابل البابا شنودة ويتحدث معه ويحاوره ويمزح معه، وكان له رأى لافت للنظر فى مسألة الخروج على الحاكم فكان يقول إن طاعة أولى الأمر من باطن طاعة الله ورسوله فلا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق، فإن عصى الحاكم الله فلا طاعة له، وكان للإمام رأى مخالف أيضا لما ذهب إليه الوهابيون فى مسألة أن أبوى الرسول فى النار، فأكد خطأ هذا الحديث قائلا إن الرسول قال إنه خيار من خيار، وفسر قصة سيدنا إبراهيم وأبيه قائلا إن الموجود فى القصة ليس أباه وإنما عمه، لأن أبا إبراهيم هو جد الرسول صلى الله عليه وسلم ومن غير المعقول أن يكون للرسول جد فى النار والقائل إنه خيار من خيار، وبرغم أن الإمام كان دائم الاحترام لكل شيوخ الإسلام ومذاهبهم لكن هذا لم يمنع أحد أكبر شيوخ الوهابية من التجرؤ عليه قائلا إنه منحرف عن العقيدة «الشعرواى» ما يدل على وجود نية مؤكدة من أجل النيل من القامات الإسلامية المصرية وانتهاك لحرمة العلم وعلمائه الأبرار.

وائل السمرى يكتب: الشيخ أحمد حسن الباقورى.. إمام التيسير.. قال إن غير المسلمين الذين لم يصلهم شىء عن الإسلام سيحاسبون بحساب «أهل الفترة» لأنه تعالى قال «وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا»
الخميس، 16 أغسطس 2012 - 11:51

أحمد حسن الباقورى



أكد أن الإسلام أمرنا بالفرح وأن الرسول كان يستعيذ بالله من الهم والحزن وأنه من سنة الرسول أن نغنى فى الأعياد وأن نفرح بما آتانا
أفتى بجواز تمثيل حياة الصحابة لنستمد منهم القوة والقدوة وأشار على نور الشريف بأهمية تمثيل حياة «عمر بن عبدالعزيز»

لم يكن دين الله لينفصل عن الحياة ويعاديها، بل إن رسالته الأساسية هى أن يتفاعل مع العصور المختلفة مدعما للتطور ونابذا للتدهور، يحافظ على الأخلاق العامة، ويدعم قيم العمل والعدل والرحمة والرقى والتسامى والتقدم، ميسرا على الناس غير معسر، وهذه هى حكم رسول الله الذى قال بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا، وروى عنه أنه لم يكن يخير بين أمرين إلا واختار أيسرهما ما لم يكن إثما، وهذا ما وعاه الشيخ أحمد حسن الباقورى وزير الأوقاف الأسبق، ووكيل جماعة الإخوان المسلمين فى زمن حسن البنا، أحد أكبر شيوخ عصره وأشهرهم.

ولد الشيخ فى العام 1907، وكان من الأزهريين النابهين، وتربى فى أحضان المدرسة المصرية فى الفقه والعلم والحديث، وهى المدرسة التى انفتحت على جميع المذاهب الإسلامية فأخذت منها ما استقام من أحكام وما ثبت لعلمائها أنه الحق، غير مجافية لتعاليم الدين الحنيف ولا معاديه لتطورات العصر ومنجزاته، ولعل أكثر ما ميز الإمام الباقورى هو حبه للأدب والشعر الذى هذب روحه، ومتعه بحسن البيان، وفقهه فى اللغة العربية وهى لغة القرآن الكريم، ولذلك يروى عن الشيخ أنه كام خطيبا مفوها، وشاعرا مجيدا، يتتبع الألفاظ ومعانيها ويتأملها، ويرصد تطورها، والظرف الزمنى الذى نشأت فيه هذه الألفاظ واستخداماتها، ليقف على معانى القرآن والحديث، لكن تعمقه فى الدراسة الجمالية للإسلام وتراثه، لم ينسه دوره السياسى كعالم بأمور الدين لا يقبل الظلم ولا يرضى به، فاشترك فى إضراب الأزاهرة المطالب بإصلاح الأزهر، وعودة الشيخ المراغى وتم فصله من الدراسة، ولم يعد إليها إلا مع عودة الشيخ، وكان الشيخ وقتها عضوا بجماعة الإخوان المسلمين، وعلى درجة كبيرة من القرب من الإمام حسن البنا، ولعل قراءة سيرة الباقورى ورؤية مواقفه والاطلاع على آرائه الفقهية، تبرز لنا مقدار التفتح الذى كانت تتمتع به الجماعة وقت مؤسسيها الأوائل، فقد كان حسن البنا تلميذا من تلامذة رشيد رضا، وكان رضا تلميذا من تلاميذ محمد عبده إمام الاستنارة والتطور، ومن تلاميذه أيضا الشيخ مصطفى السباعى مؤسس حركة الإخوان فى سوريا، الذى تعرضنا له فى حلقة سابقة، ورأينا كم الاستنارة التى كان يتمتع بها، حتى إنه قال إن التشريع الإسلامى «علمانى» وأن الاشتراكية هى الحل الأمثل لجميع مشاكلنا، وكيف أنه اجتهد ليسقط الجزية عن أهل الذمة فى الدستور السورى، وفى هذا أبلغ مثال على كيفية القيادة الإسلامية للحياة المدنية لا إرجاعها إلى أعراف حقب تجاوزها الزمن.

انضمام الشيخ إلى الإخوان المسلمين كان فى سنة 1933، وعن وعى البنا بالأزهر ومدى احتفائه به وأى المدارس التى كان يتبعها الإمام يقول الشيخ فى مذكراته: من الإنصاف للتاريخ القول بأن الأستاذ حسن البنا كان يرى الأزهر كما يراه الشيخ المراغى نفسه، فكان كثيراً ما يقول: إن كل شاب مسلم هو شاب أزهرى، وبهذا المنطق القائم على الصدق العقدى، والصدق التاريخى، كان الأستاذ البنا من الذين أيدوا أعظم تأييد حركة الطلاب الأزهريين فى ثورتهم وكان مرجع ذلك، توقعه الانتفاع بطلاب الأزهر، وآية ذلك أننى أول ما لقيته وأنا طالب فى قسم التخصص سنة 1933م، رأيت منه إقبالاً على الحديث معى والحفاوة بى، وقد مضى يحدثنى فى صوت خفيض بآماله الكبار فى إصلاح المجتمع الإسلامى فى ظل دعوة الإخوان المسلمين».

ويشرح الشيخ كيفية دخوله إلى الجماعة قائلا: وقد لاحظت فى حديثه معانى تحتاج إلى مزيد من إيضاح، فجعلت أستعجله فى الحديث إلىّ، بما يوضح المبهم ويجلى الغامض. إذ كان ذلك هو الأهم فى سعينا إلى حفل الإسراء والمعراج، وأذكر أنه بدأ يتحدث عن قصة الإسراء حديثا علمياً بعيداً عما ألفه الناس فى مثل هذه الأحفال، ولما كان يعلم أننى أعالج الشعر سألنى: «هل قلت شيئاً فى قصة الإسراء؟ فإن مثلك لا يترك هذه المناسبات دون أن تتحرك بين جنبيه عواطفه الإسلامية التى لا ترضى إلا إذا أعلنت إلى الناس ما يرضى العاطفة الإسلامية فى أنفس المسلمين» ومن هنا بدأت علاقة الشيخ بالإمام تأخذ منحى آخر، فقد عرف الإمام أن من مواهب مريده الجديد كتابة الشعر، وقدر ذلك واحترمه فكان من التلقائى أن يفرح الشيخ الشاب بحفاوة الإمام الكبير، بعد أن زادت أسباب التلاقى وأضيف إلى روح الحفاظ على الدين وتتبع المدرسة المصرية المستنيرة احتفاء الاثنين بالشعر والشعراء، وقد وضع «الباقورى» بعد ذلك نشيد الإخوان الرئيسى الذى كان يردده الإخوان فى كل محافلهم قائلين:
يَا رَسولَ الله هلْ يرْضِيكَ أنّا
أخْوَةٌ فِى الله للإِسْلامِ قُمْنَا
نَنْفُضُ الْيَوْمَ غُبَارَ النَّوْمِ عَنَّا
لا نَهَابُ الْمَوْتَ لا بَلْ نَتَمَنَّى
أَنْ يَرَانَا الله فِى سَاحِ الْفِدَاءْ
وكان البنا معجبا بهذا النشيد، وكثيرا ما كان يردده مع الإخوان، فقد أبدع الباقورى فى سهولة ويسر هذا النشيد الذى عبر فيه عن آراء الإمام، وعن آماله فى جيل إسلامى يحاكى جيل الصحابة، لهو شاعر ذو موهبة عالية، وهو أيضاً قد تشرب أفكار البنا وأهداف دعوته، وظلت علاقة الباقورى بالإخوان قائمة حتى بعد وفاة الإمام، ووصل به الأمر إلى الترشح لرئاسة الجماعة، لكن لقب المرشد وصل فى النهاية إلى الهضيبى، فكان الباقورى أول من بايعه، وحينما قامت ثورة يوليو عرض جمال عبدالناصر على الإخوان ثلاثة مقاعد وزارية، فرفض المرشد العام الاشتراك فى الوزارة، لأنه لم يكن يريد أن يتحمل أى فشل متوقع، خاصة أن الثورة لم تكن قد ثبتت قواعدها، ووافق الباقورى على تولى وزارة الأوقاف خلافا لرأى المرشد، وقدم استقالته من الجماعة، حيث كان يرى أن الوزارة فرصة للإصلاح من الداخل، وبداية عهد جديد مع حكومة جديدة، آملا فى النجاح مستعدا لتحمل عاقبة الفشل، إذا لم يوفقه الله، لكنه على الأقل لم يقف متفرجا باخلا بعلمه وقدراته على بلد فى طور التكوين.
انشغل الباقورى بالوزارة وأعاد تنظيم الأزهر، وأدخل به الكليات التى تخرج العاملين لصالح المجتمع من مهندسين وأطباء ورجال أعمال ورجال قانون ورجال علم تطبيقى، فضلا عن كلية البنات فيها ذات التخصصات، فلا ينبغى أن يقتصر الأزهر وهو أقدم جامعة فى العالم مازالت حية على علوم الدين فحسب، كما حاول إصلاح الطرق الصوفية ومستشفيات الأوقاف، وأسهم فى إعداد جيل من الدعاة لينشر العلم والدين فى مجاهل أفريقيا والدول العربية الواثبة نحو النهضة، والخارجة للتو من الاستعمار الذى كاد أن يطمس معالم الحضارة الإسلامية فى وجدان الشعوب العربية، ولم ينس الإمام أخوته فى جماعة الإخوان المسلمين، لما رآه فى بعضهم من حب للدين وفقه بين، فساعد كثير منهم على العمل، وعين منهم عشرات فى وزارة الأوقاف والأزهر الشريف، وكان الإخوان يبادلونه الحب والود، ويقدرون موقفه من قبول الوزارة، وأنه يأمل فى الإصلاح الذى تربى عليه من خلال منصبه الجديد، وأنه ساعد الإخوان على دخول الوزارة والأزهر بشكل كبير، كما كان يدافع عنهم عند عبدالناصر، إذا ما اعتقلوا أو تعرضوا لأذى، ولعل علاقة الباقورى بالإخوان هى التى أسهمت فى سوء العلاقة بينه وناصر، خاصة بعد حادثة محاولة اغتياله على يد أحد أعضاء الجماعة فى المنشية، فأقاله ناصر من الوزارة ثم أعاده بعد فترة رئيسا لجامعة الأزهر، ومستشارا لرئيس الجمهوية بدرجة وزير.

وقد عمل الباقورى فى هذه الفترة على أن يوحد أمة الإسلام تحت راية واحدة، متبعا فى ذلك سنة الأئمة الكبار «عبده والمراغى ومصطفى عبدالرازق»، وكان يدعو إلى نشر الكتب الشيعية وإخضاعها للبحث والفحص، لإزالة الخلاف بين المتخالفين، فقد كان يقول: ما تفرق المسلمون فى الماضى إلاّ لهذه العزلة العقلية التى قطعت أواصر الصلات بينهم، فساء ظن بعضهم ببعض، وليس هناك من سبيل للتعرف على الحق فى هذه القضية إلاّ سبيل الإطلاع والكشف عما عند الفرق المختلفة من مذاهب، وما تدين من آراء، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيى عن بينة. والخلاف بين السنّيين والشيعيين خلاف يقوم أكثره على غير علم، حيث لم يتح لجمهور الفريقين إطلاع كل فريق على ما عند الفريق الآخر من آراء وحجج، وإذاعة فقه الشيعة بين جمهور السنيين، وإذاعة فقه السنيين بين جمهور الشيعة من أقوى الأسباب وأكدها لإزالة الخلاف بينهما، فإن كان ثمة خلاف فإنه يقوم بعد هذا على رأى له احترامه وقيمته، له بحوث كثيرة فى مجال التقريب بين المذاهب.

كما كان الإمام فى فتاواه التطبيقية يدافع عن الأعمال الخيرية والوقف لله لما فى ذلك من إشاعة التكافل والتراحم فى المجتمع، فقد ألقى بيانا بمجلس الشعب عن أهمية الوقف الخيرى، قال فيه: ولقد تأخذ أحدنا الدهشة– وهو يستعرض حُجَج الواقفين– ليرى القوم فى نبل نفوسهم، ويقظة ضمائرهم، وعلوِّ إنسانيتهم، بل سلطان دينهم عليهم: يتخيَّرون الأغراض الشريفة التى يقفون لها أموالهم، ويرجون أن تنفق فى سبيل تحقيقها هذه الأموال، وأخذ يعدد أوجه الوقف الإسلامى، ومدى رحمة الإسلام وعظمته فى بث روح التقارب والألفة فى المجتمع: فقد كان هناك وقف يسمى بوقف الأوانى المكسورة، وهو وقف تُشترى منه صحاف الخزف الصينى، فكلُّ خادم كُسرت آنيته، وتعرَّض لغضب مخدومه، له أن يذهب إلى إدارة الوقف فيترك الإناء المكسور، ويأخذ إناء صحيحًا بدلاً منه. وبهذا ينجو من غضب مخدومه عليه، وكان هناك آخر لإطعام الكلاب الضالَّة، وكان هناك وقف لإعارة الحليِّ فى الأعراس، وآخر للزوجات الغاضبات حتى تجد المرأة ما تأكله إذا غضبت من زوجها ولم يكن لها بيت يأويها، وكان هناك وقف آخر باسم «مؤنس المرضى والغرباء» وفيه ينفق على أصحاب الأصوات الحسنة، ليرتلوا القرآن وينشدوا القصائد ليسروا بها عن المرضى، وفى بلاد المغرب كان هناك وقف لمن يريد أن يستحم ولا يجد مالا، كما كان هناك وقف لإطعام الطيور المهاجرة والقطط التى لا مأوى لها، وكل ذلك يبرز عظمة الإسلام ورحمته.
وعلى هذا النحو كان الشيخ محافظا على روح النبوة السمحة الرحيمة فى دعوته، فأنتج العديد من الكتب المهمة التى جسدت منهجه فى الفقه والدعوة، منها «مع كتاب الله، ومع الصائمين، ومع القرآن، وأثر القرآن الكريم فى اللغة العربية، و«عروبة ودين» و«خواطر وأحاديث « و«من أدب النبوة»، كما سعى فى نشر كتاب «المختصر النافع» فى فقه الإمامية، له تقديم لكتاب العلم يدعو للإيمان، ووسائل الشيعة ومستدركاتها، ولقد اعتبر الشيخ يوسف القرضاوى كتاب «أثر القرآن الكريم فى اللغة العربية» من أهم كتبه وأفضلها، وفيه يتوافق الباقورى مع رأى عميد الأدب العربى «طه حسين» القائل بأن أغلب شعر الجاهلية منحول، ويبرز الإمام أهمية القرآن فى الارتقاء باللغة قائلا «إن اللغة العربية ما كانت تطمع فى أن يتعدى سلطانها جزيرتها، فتضرب الذلة على لغات نمت فى أحضان الحضارة وترعرعت بين سمع المدينة وبصرها، وتستأثر دونها بالمكان الأسمى فى ممالك ما كان العربى يحلم بها، فضلاً عن أن يكون السيد المتصرف فيها، ولكن القرآن الكريم انتزعها من أحضان الصحراء، وأتاح لها ملكاً فسيح الأرجاء، تأخذ منه لألفاظها ومعانيها، وأغراضها وأسلوبها، ما لم تمكنها منه حياته البدوية، فبعد أن كانت ثروتها فى حدود بيئتها، أصبحت غنية فى كل فنون الحياة، فأقبل الناس عليها مدفوعين إلى معرفة أحكام الدين، وأداء واجبات الإسلام».

فى حوار نادر مع الصحفى الكبير الراحل محمود عوض، رسم الأستاذ بقلمه الرشيق صورة لبيت الشيخ من الداخل، وفيه أبرز بساطته وإنسانيته وعدم تشدده مع بناته، وعدم وقوفه على الأمور الشكلية فى حياتهن، حيث تكلم الباقورى مع عوض حول الحب، وقال إن «الحب بعد الزواج أقوى وأبقى كثيرا من الحب قبل الزواج، والحب قبل الزواج شهوة وليس حبا، وعلى قدر ما يكون الحب شهوة، يكون بقاؤه شهوة» وصرح له بأنه كام يعشق غناء أم كلثوم وعبدالوهاب مسترجعا مقولة على بن أبى طالب «الناس أشبه بزمانهم، منهم بآبائهم وأمهاتهم» ولعلنا نتلمس بعضا من آراء الشيخ وفتاواه من أحاديثه التليفزيونية التى انتشرت هذه الأيام على مواقع الإنترنت بشكل ملحوظ، حيث بدأ العديد من الشباب فى استعادة تراث الشيخ وحكمته، بعدما يأسوا من تشدد متشددى هذه الأيام، ومن ذلك حديثه حول الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر الذى أكد فيه أن هذه الشعيرة واجبة فى الإسلام، مشترطا أن تكون كما أمرنا الله «بالحكمة والموعظة الحسنة مستشهدا بقوله تعالى «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ»، وقوله «ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك» وقال إن الرأى العام الآن هو الذى يقوم بهذه الشعيرة، حيث أورد حديث رسول الله الذى أمر فيه رجلا أتاه شاكيا من إيذاء جاره له أكثر من مرة، بأن يترك له البيت ويجلس بمتاعه على الطريق، فلما جلس على الطريق مر الناس عليه وسألوه ما الذى يجلسك هكذا، فكان يقول لهم جارى يؤذينى، فيلعنه الناس صباحا ومساء، ولما رأى الجار المؤذى أن الناس يلعنونه بهذا الشكل ذهب إلى الرسول وقال له إن الناس يلعنوننى، فقال له الرسول وما الذى يدريك أن الله لا يلعنك قبل أن يلعنك الناس، فذهب الرجل إلى جاره الذى كان يؤذيه، فقد فقال له لقد أمرنى رسول الله أن أستسمحك وأن أستغفر الله لك، فعد ولك على عهد الله وميثاقه ألا يصلك منى إيذاء أبدا، وفى حديث آخر، قال إن الرسول كان يأمر الناس بالفرح والغناء فى العيد، ومن لا يفعل ذلك فقد خالف سنة رسول الله، وهو الذى كان يدعو الله مستعيذا من الهم والحزن، قائلا أن أبابكر الصديق رضى الله عنه أتى إلى بيت رسول الله، ووجد جاريتين تغنيان بغناء يوم «بعاث» وهو غناء قبيلة الأوس قبل الإسلام، فلما اعترض أبو بكر قال له الرسول دعهما يا أبا بكر فإنه يوم عيد، موضحا أن اعتراض أبى بكر لم يكن على الغناء فى حد ذاته، وإنما كان على نوعية الغناء، ومع ذلك أقره الرسول وسمح به.

وليس أدل على سماحة الشيخ واستنارته وتفقهه فى الدين من الحوار الذى أوردته الكاتبة الكبيرة نعم الباز فى كتاب عن الشيخ «ثائر تحت العمامة»، وفيه عرضت لأمسية رمضانية أقيمت فى بيت الشيخ، وكان من حضورها الممثل نور الشريف والممثلة نورا، حيث أخذ الحضور يسألونه فى أمور الدين والدنيا فيجيبهم برغم إرهاقه الشديد، مستمتعا بأسئلة نور الشريف الذكية الواعية، واستفسارات الفنانة المعتزلة نورا، وفى هذا يضرب الشيخ أعظم الأمثلة فى كيفية احتواء رجل العلم المسلم لكل قضايا المجتمع، وقدرته على احتواء جميع فئاته وتوجيههم نحو ما يخدم الدين والفن على حد سواء، قائلا: يجب أن تترك الفرصة للاجتهادات لكى تأخذ دورها فى اشتعال جذوة الدعوة فى كل مكان، ويجب أن تفكر الدول الإسلامية فى إرسال البعوث، بحيث لا يقع العبء على مصر وحدها، كما «كان» يحدث، مستشهدا بقول العالم السورى معروف الدواليبى «تغيير الأحكام بتغيير الزمان شىء غير تغيير الزمان دون تغيير النصوص وتعطيلها»

وفى ذات اللقاء صرح الشيخ برأيه فى ضرورة تقييد تعدد الزوجات، وقال إن رسول الله لم يرضى بأن يتزوج الإمام على على ابنته فاطمة الزهراء، وعلى هذا يجب أن نتخذ من هذا الموقف أساسا لتقييد تعدد الزوجات، بأن نمنع التعدد إذا لم توافق الزوجة، كما قال : يجب أن نأخذ بالعلم فى تحديد رؤية هلال الأشهر الهجرية، كما قال إنه من الواجب على الأمة الإسلامية أن تستخدم التمثيل فى خدمة الدين، وقال إنه لا يمانع من تمثيل حياة الصحابة والخلفاء الراشدين، قائلا «التمثيل صورة من صور البيان، ويعين على شرح الأشياء والأمور التى قد تخفى على الكثيرين، وأنه لا يمناع من تمثيل حياة الإمام على كرم الله وجهه، لأنه عاش حياته الإنسانية بكل ما فيها، ومؤكدا أن الله ورسوله استخدما «التمثيل» فى القرآن والحديث، فى وصف مشاهد كثيرة لتقريبها إلى أذهان الناس، فلماذا لا نتبع ما فعله الله ورسوله؟ كما أوحى فى تلك الجلسة إلى نور الشريف بضرورة تمثيل حياة عمر ابن عبدالعزيز، لما فيها من مآثر طيبة، وقدرة على تعريف الناس بحياة خيار المؤمنين، كما قال إنه يعتقد ما اعتقده من قبل الإمام محمد عبده وتلميذه رشيد رضا، بأن غير المسلمين «الآن» الذين لم يصلهم شىء عن الإسلام، ولم يعرفوا عنه شيئا سيحاسبون بحساب «أهل الفترة»، وهم الذين لم يبعث الله لهم رسولا، لأن الله تعالى يقول فمحسنهم محسن ومخطئهم مسىء، لأن الله قال «وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا»، مؤكدا أن تعذيبهم يناقض الحكمة والله مبرأ عن ذلك».


وائل السمرى يكتب: الإمام محمد أبوزهرة.. كتيبة الفقه وعمدة الفقهاء.. أنكر حد الرجم وقال إنه دخيل على الإسلام من اليهودية واستنكر أن يرمى الرسول إنسانا بالحجارة حتى الموت
الأربعاء، 15 أغسطس 2012 - 09:37

الإمام محمد أبوزهرة



-أنكر حد الرجم وقال إنه دخيل على الإسلام من اليهودية واستنكر أن يرمى الرسول إنسانا بالحجارة حتى الموت

- قال للقذافى فى مؤتمر عام حينما طالب العلماء باعتماد الاشتراكية مذهبا: على رؤساء الدول أن يقفوا عند حدودهم

-اختلف مع ابن تيمية فى إنكاره للمنطق وأبرز تناقضه ووضع الوهابية مع المذاهب الضالة الحديثة مثل البهائية

يقولون إن أفضل طريقة لشرح المقطوعات الموسيقية هى إعادة عزفها مرة أخرى، ولا يجد الواحد إزاء تناول عالم كبير بحجم الشيخ الإمام الفقيه المعلم الحازم الصارم الشجاع الكبير محمد أبوزهرة سوى القول إن أفضل طريقة لتناول منهجه وشرحه سوى أن تقرأ كتبه كلها، وإن أردت لها شرحا فأعد قراءتها مرة أخرى، وإن استعصت عليك فأعد للمرة الثالثة والرابعة والخامسة، فلن يقدر الواحد مهما تبحر أو استقرأ أو أحاط أن يجمل الحديث عن هذا العلم العلامة فى هذا المقام، ولا يبالغ الواحد إذا قال إن قراءة كتب أبوزهرة والإحاطة بها هى المدخل الحقيقى لمن يريد أن يعرف الإسلام وفقهه وتاريخه وعظمته، ويجدر التحسر هنا على ما آل إليه حال الفقه فى العالم الإسلامى إذا ما ذكر أبوزهرة، متسائلا: لماذا لا يجود الله علينا بمثل هذا الرجل الذى إن قرأت له فستتردد إن أطلقت على غيره لقب «عالم».

فى إحاطته بالمذاهب الفقيه حجة ومرجع وعلامة مضيئة فى تاريخ العلم ومذاهبه، وفى منهجه العلمى الرصين الجامع خير مثل لما ينبغى أن يكون عليه العلماء، وفى فهمه لقواعد الفقه وتنظيراتها ما أعجر أقرانه وأثار فى قلوبهم الغبطة والإعجاب فى آن واحد، إن أردت أن تعرف الرسول حق معرفته فاقرأ كتابه «خاتم النبيين» وإن أردت أن تعرف المذاهب الإسلامية وظروف نشأتها تاريخ أصحابها وقواعدها وتجديداتها فاقرأ كتبه الثمانية عن أئمة الفقه «جعفر الصادق وزيد ومالك والشافعى وأبوحنيفة وابن حنبل وابن حزم وابن تيمية» وإن أردت كتاباً واحداً يجمل لك كل هذا فاقرأ كتابه «محاضرات فى تاريخ الفقه الإسلامى» وإن أردت أن تعرف الإسلام مقارنة بالأديان الأخرى ومدى تقديره لآثارنا المصرية العظيمة فاقرأ كتابه «الديانات القديمة» أما إذا أردت أن تعرف معانى القرآن الكريم وتفسير آياته فاقرأ «زهرة التفاسير» وهكذا فى كل كتبه الكثيرة التى تقترب من الثلاثين، والتى على قدر تنوعها وكثرتها تتميز بالإحاطة التامة والمعرفة الواسعة والبحث الدؤوب، وهو الأمر الذى أعيا خصومه وأتعب أقرانه، وبرغم أن له العديد، فقد كان رحمه الله وأثابه بحق كتيبة من الفقه الملتزم الجسور، وعمدة الفقهاء وإمامهم.

ولد الإمام المتوفى فى العام 1974 عن عمر يناهز الستة وسبعين عاماً فى المحلة الكبرى، ونشأ نشأة إسلامية واعية، حيث تعلم القرآن فى أحد الكتاتيب وحفظه، ثم انتقل إلى المسجد الأحمدى بطنطا لاستكمال تعليمه وبعد ثلاث سنوات فى المسجد الأحمدى انتقل إلى مدرسة القضاء الشرعى سنة 1916 حيث درس فيها ثمان سنوات ثم تخرج سنة 1924 وحصل على عالمية القضاء الشرعى ثم اتجه إلى الدراسة فى كلية دار العلوم 1927م فألم بأسرار اللغة العربية ووقف على معانيها وجمالياتها، وتدرج فى الوظائف من مدرس للعربية فى المدارس الثانوية إلى تدريس فن الخطابة فى كلية أصول الدين ثم كلية الحقوق، بعدها بدأ بتدريس الشريعة الإسلامية وتدرج فى كلية الحقوق من رئاسة قسم الشريعة الإسلامية ثم منصب الوكالة حتى أحيل للتقاعد سنة 1958م. واختير عضوا فى مجمع البحوث الإسلامية 1962 بعد صدور قانون الأزهر، وصار الشيخ علما من أعلام الفقه الإسلامى حيث اشتهر بمواقفه الحادة الصارمة وكتاباته الرصينة الواعية، غير مبال بمنصب ولا مال، يضطهده الحكام فلا يأبه، ويعاديه فقهاء السلطة فلا يعتبر، ويمنع من الظهور فى الإذاعة والتليفزيون فلا يزيده هذا إلا شهرة وسمعة، ويذكر الدكتور محمد رجب البيومى أنه أحد الحكام تضايق من شهرة أبوزهرة برغم ما يمارسه ضده من اضطهاد فأتى به ليقول له إنه «إقطاعى» وأن كتبه تدر عليه أموالاً أكثر مما يتقاضيه الوزراء، فقال له الإمام: هى مؤلفات كتبت لله ولم تفرض على أحد، ولم تتول الدولة توزيعها قهراً على المكتبات ودور الثقافة الحكومية، ولما لاحظ هذا الحاكم الذى لم يسمه «البيومى» ولم أستدل عليه أن الشيخ معتد بنفسه واثق من منطقه أنهى الزيارة سريعاً.

ولأن الإمام كان من المستغنين عن عطف الحكام وموائد اللئام، رزقه الله قوة فى الحجة والبرهان وشجاعة فى إبداء الرأى لم تتوافر فى غيره، غير مبال بتبعات رأيه أمام حاكم ولا فقيه مهما علا أو تجبر، ويحكى ويذكر «البيومى» واقعة تبرز مقدار ما كان يتمتع به العالم الأكبر من شجاعة وحزم، وهو أن الإمام كان مدعوا لمؤتمر إسلامى يضم أشهر علماء عصره فى إحدى الدول العربية التى لم يسمها البيومى ولكنى عرفت أنها ليبيا فوقف القذافى رئيس ليبيا السابق ليقول فى افتتاح المؤتمر إن على العلماء أن يثبتوا أن الإسلام لم يعترف بغير الاشتراكية مذهباً، وأن الاشتراكية «الحق الوحيد الذى لا ثانى له» ولما انتهت كلمة القذافى سكت العلماء متحيرين فطلب أبوزهرة الكلمة فقال موجها حديثه للقذافى:
إننا نحن علماء الإسلام الذين يعرفون حكم الله فى قضايا الدولة ومشكلات الناس، وقد جئنا هنا لنصدع بالحق بما نعرف، فعلى رؤساء الدول أن يقفوا عند حدودهم فيدعوا العلم إلى رجاله ليصدعوا بكلمة الحق، وقد تفضلت بدعوة العلماء لتسمع أقوالهم لا لتعلن رأيا لا يجدونه صوابا مهما هتف به رئيس، فلنتق الله فى شرع الله. ولما انتهى الإمام من كلمته انتظر القذافى أن يرد عليه أحد، فلما أيده أغلب الحاضرين رحل القذافى عن المؤتمر وكانت جلسة افتتاحه هى جلسة ختامه.

على هذا النحو كان الإمام دائما يقول ما يعتقد دون مواربة، وعلى هذا فقد كانت بينه وعلماء المسلمين معاركة فكرية كبيرة، منها مثلا معركته الشهيرة مع الإمام محمود شلتوت بسبب فتواه التى أجازت التعامل مع البنوك، والإمام السورى الكبير مصطفى الزرقا بسبب فتواه التى أباح فيها التأمين على الحياة هو وكثير من علماء المسلمين، ولا يملك الواحد حتى إذا ما رأى قصورا فى رأى الإمام أبوزهرة إلا احترام قامة هذا الرجل وقيمته، فما أنبل أن يجهر كل عالم برأيه بشجاعة وصراحة حتى وإن اختلفوا فيكون الاختلاف اختلافا علميا محكما تتصدر فيه كلمة الحق، ويعلو على الصغائر برهان الحقيقة، ليرى كل مسلم كيف تستخرج الأحكام الشرعية وكيف يسوق كل عالم أدلته دون جبر أو إجبار أو شبه نفاق حاكم أو إرضاء جمهور، وهو الأمر الذى تمتع به الشيخ طوال حياته فلم ينافق حاكماً ولم يسع لإرضاء جمهور حتى إن شكل رأيه صدمة لهم، وهو ما يتحقق فى فتوى الشيخ بإبطال حد الرجم، التى لم يخشى فيها هياج العلماء ولا العوام ومضى ليقول بإبطال حد الرجم وأنه دخيل على الإسلام وأن أساسه يهودى مستدلاً على ذلك بالكتاب والسنة دون أن يخاف ولا يخشى، ويذكر الشيخ يوسف القرضاوى قصة هذه الفتوى التى وافقه كثير مع العلماء فيها فى مذكراته، فقال إن الإمام أبوزهرة فاجأ الجميع فى مؤتمر كبير يجتمع فيه كثير من علماء المسلمين بأن لديه رأيا كتمه منذ عشرين عاما وخاف أن يلقى الله وهو يكتم ما لديه من علم، فيسأله الله عن هذا وبالفعل مات الإمام بعد أن قال فتواه بأشهر، وقد قال: إنى أرى أن الرجم كان شريعة يهودية، أقرها الرسول فى أول الأمر، ثم نسخت بحد الجلد فى سورة النور، ولى على ذلك أدلة ثلاثة: الأول: أن الله تعالى قال: «فإذا أُحصِنَّ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب» والرجم عقوبة لا تتنصف، فثبت أن العذاب فى الآية هو المذكور فى سورة النور، والثانى: ما رواه البخارى فى جامعه الصحيح عن عبدالله بن أوفى أنه سئل عن الرجم: هل كان بعد سورة النور أم قبلها؟ فقال: لا أدرى. فمن المحتمل جدًّا أن تكون عقوبة الرجم قبل نزول آية النور التى نسختها. الثالث: أن الحديث الذى اعتمدوا عليه، وقالوا: إنه كان قرآنًا ثم نسخت تلاوته وبقى حكمه أمر لا يقره العقل، لماذا تنسخ التلاوة والحكم باق؟ وما قيل: إنه كان فى صحيفته فجاءت الداجن وأكلتها لا يقبله منطق. وما إن انتهى الشيخ من كلامه حتى ثار عليه أغلب الحضور: ويستطرد القرضاوى قائلا أنه ذهب إلى الإمام بعد أن قال كلمته وتبادلا النقاش ثم قال له: يا يوسف، هل معقول أن محمد بن عبدالله الرحمة المهداة يرمى الناس بالحجارة حتى الموت؟ هذه شريعة يهودية، وهى أليق بقساوة اليهود.

هذا هو العالم المستبصر الذى عاش حياته كلها لا يبتغى إلا وجه الله فى كل ما يكتب أو يلقى من محاضرات، لا يتورع عن إبداء رأيه مهما كان الأمر، وفى إيمان كبير بعقل الإنسان وعظمة الإسلام، فقد كان الإمام يرى أن الشريعة الحقة لا تخاف العقل فى شىء، وكان يقول إن الدين مرجعه الأول إلى «النقل» ولكن الإسلام موافقا فى كل قضاياه للعقل، مستشهدا بقول الأعرابى: ما رأيت محمدا يقول فى أمر «افعل» والعقل يقول لا تفعل وما رأيت محمداً يقول فى أمر لا تفعل والعقل يقول افعل، وعلى هذا الدرب كان الإمام يسير معتقداً أن العقل هو الميزان الذى تنضبط به الأحكام عن طريق التعرف على المرامى والمقاصد من جملة النصوص، فأن يتعرف الواحد على الحكمة فى كل نص شرعى جاء بحكم، ليستخرج الأساس الذى جاء من أجله الحكم ليحكم الفقيه بمقتضاه، ثم ليتعرف الواحد على مقاصد الشريعة جملة من مجموع ما استنبط فيه من الأحكام المختلفة، ثم استنباط ما وراء النصوص فى الأمور التى لا يوجد فيها نص «لأن الحوادث لا تنتهى والنصوص تتناهى» مع الأخذ بالأمر بما تقتضيه مصلحة المسلمين وفتح باب الاجتهاد على مصراعيه أمام العلماء الراسخين، وهو الحق الذى كفله الرسول للمسلمين، والذى يظهر فى إقرار الرسول للعديد من المواقف التى استدعت الاجتهاد، منها مثلا إقرار علِىّ تيمم الصحابة فى غزوة من الغزوات حينما وجدوا أن الماء بارد وخشوا على أنفسهم من الأذى.

على هذا الأساس مضى الإمام فى آرائه وفتاواه، يعمل عقله الممتلئ بالمعرفة الإسلامية غير متهيب من أن يخالف كبار الأئمة إذا ما رأى أن رأيهم لا يستقيم وروح الإسلام، من دون أن يبخسهم حقهم أو يتجرأ عليهم، فبكل أدب واحترام وتقدير وعرفان خالف الإمام زيد بن على زين العابدين فى رأيه القائل بعدم جواز شراء أهل الذمة للأراضى فى بلاد الإسلام إذا لم تكن تلك الأراضى فى حوزتهم قبل دخول الإسلام، فيشير أبوزهرة فى كتابه عن فقه الإمام زيد إلى اعتراضه على ذلك قائلا بأن الذى دفعه إلى هذا القرار هو حرصه على أن تبقى الأراضى وهى أعظم موارد الثروة فى أيدى المسلمين لتكون قوة حربية واقتصادية، وكان ذلك مناسبا لروح العصر، فى إشارة منه إلى أن اختلاف روح العصر يبطل القرار، ويقول الإمام فى كتابه «المجتمع الإسلامى فى الإسلام» إن الإسلام كفل حرية التملك للجميع، وهى من ضمن الحريات التى راعاها الإسلام ودعمها، ومنها أيضاً حرية العقيدة مؤكداً أن القول بأن الإسلام انتشر بالسيف قول باطل، فلا إكراه فى الدين، «وإنما كانت الحرب لأن الملوك كانوا يمنعون الناس من أن يستمعوا لدعوة تجىء إليهم، وخصوصا إذا كانت الدعوة لا تتلاءم مع ما يفرضونه على الناس من تقديس لأشخاصهم واتباع لهم فى الحق والباطل، بينما الشريعة الجديدة تقول لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق» وعلى هذا النحو يقرر أبوزهرة أن الإسلام كفل الحرية الدينية لغير المسلمين، بل إنه يذهب إلى القول بأن حرب الفتوحات كانت من أجل إقرار الحرية الدينية، قائلا بالنص: «إن شئت أن تقول إن حرب الفتوحات كانت من أجل حماية الحرية الدينية ولم تكن لهدم هذه الحرية فقل».

هكذا يبرز الإمام سماحة الإسلام وعظمته فى كفالة الحرية الشخصية والدينية للجميع، قائلا إن المسلمين أطلقوا لفظ «ذميين» على أهل الكتاب لأن لهم عهداً وذمة عند رسول الله، وليس الذميون فقط بل حتى الوثنيين من المجوس، قائلاً فى كتابه: المجتمع الإنسانى فى الإسلام أن الدولة الإسلامية أقرت لهم شريعتهم ولم تعترض عليها، وقرر بعض الفقهاء أنه لا يحق لأحد أن يتعرض للمجوسيين الذين يعيشون فى الدولة الإسلامية حتى إذا ما تزوج ابنته أو أمه طالما شريعتهم تسمح بذلك، بل الأكثر من ذلك أن بعض الفقهاء أجازوا لهم الاختصام أمام القضاء الإسلامى، فأى حرية بعد هذه الحرية؟ وليس أدل على المساواة بين المواطنين فى الدول الإسلامية من موقف الصحابى الجليل عمر بن الخطاب الذى اشتكى له قبطى مصرى من أن ابن عمرو بن العاص ضربه قائلاً: «أتسبق ابن الأكرمين؟» وذلك بعد أن تغلب عليه فى السباق، فما كان من عمر إلا أن استدعى عمرو بن العاص وابنه وأمر الشاب القبطى أن يضرب ابن ابن العاص حتى يشفى غليله، وكان الشاب كلما توقف يقول له عمر زد ابن الأكرمين، حتى إذا ما انتهى الشاب من الضرب نزع عمر العمامة من فوق رأس عمرو بن العاص وقال للشاب القبطى تعال اضرب على صلعة عمرو فباسمه ضربك، فلما امتنع الشاب القبطى قال عمر لعمرو «منذ كم يا عمرو تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً» ويعلق الإمام أبوزهرة على هذه الواقعة قائلاً: هذه كلمة يتحدث بها الأحرار فى كل مكان، لأنها شعار الحرية، إذ الحر هو الذى لا يستعبد غيره ولا يرضى بالضيم.

غير أن الإمام الذى عاش حياته فى الإسلام وبالإسلام، لم يكن ليفوته الدخول فى قضايا عصره بشجاعته المعهودة، فيلوم على المسلمين وحكامهم تفرقهم تحت كل مذهب ويذم التفرق المذهبى بين الشيعة والسنة محاولاً أن يجمع المسلمين على كلمة سواء، ولهذا الغرض كتب كتابيه عن الإمامين زيد بن على زين العابدين وجعفر الصادق، ويقول الإمام فى مقدمه كتابه عن الإمام زيد «إننا فى هذا العصر قد تفرقنا فى السياسة، فتقطعت الأمم الإسلامية فى أقاليم متنازعة، وتوزعتها أرض الله لا جامعة تجمعها ولا رابطة تربطها، وأصبح ولاؤها لغير الله ورسوله، فصار لكل إقليم ولى من أعداء المسلمين». ويدعو الإمام إلى نبذ التعصب الأعمى بين أبناء الدين الإسلامى منبها إلى ضرورة أن يتعامل أبناء الدين الإسلامى مع تراثهم بشقيه السنى والشيعى باعتبارهما من الأصول المعترف بها، ومنبها أيضاً لخطورة اتباع منهج التكفير الذى أصبح سائداً فى عصره فيقول إننا «ورثنا فى هذا العصر التفرق المذهبى حتى أخذ بعضنا يكفر الآخر من غير حجة ولا بينة، وصارت للآراء والأفكار عصبية تشبه عصبية الجاهلية، فابن الشيعى شيعى وابن السنى سنى، يتوارث المذهب كما يتوارث الجسم واللون من الأب إلى ابنه، وأصبحت كل طائفة كأنها جنس قائم بذاته، ومن يغير مذهب أبيه الشيعى يكون كمن يغير دينه ويرتد بعد الإيمان، وأهل كل مذهب يحسبون أن مذهبهم تراث لهم فقط وليس تراثا للإسلام كله، وإن اعتبره تراثا للإسلام فإنه يتبع ذلك بأن مذهبه هو الإسلام، وأن ما عداه انحراف لا يؤخذ به وضلال لا يلتفت إليه، وبهذا النفاق السياسى والمذهبى ضاعت القوى وأذلنا أعداؤنا».

ولكى لا يتوهم البعض أن الإمام يريد توحيد المذاهب الإسلامية فى مذهب واحد يقول إن إدماج المذاهب لا يصح أن يكون غاية، وحتى لو صح فإنه مستحيل، لكنه يدعو إلى الاستفادة من المنجز الفقهى من كل المذاهب ذاكرا باستحسان واضح أن مصر أخذت فى الأحوال الشخصية من المذاهب الإسلامية المختلفة وتحللت من التقيد بمذهب أبى حنيفة وأضافت إليه بعض الأحكام من المذهب الإمامى أى من مذهب الإمام جعفر الصادق، كما أخذت من المذهب الظاهرى، ودعا الإمام فى موضع آخر إلى أن تؤلف لجنة من علماء المسلمين لاستنباط قانون إسلامى من ثنايا المذاهب يحيث يكون ملائما لروح العصر ولا يكون مجافيا له، ولتجتهد هذه اللجنة اجتهادا جماعيا كما كان يفعل السلف الصالح.

هكذا كان الإمام أبوزهرة الذى مهما قال الواحد فى فضائله فلن يوفيه حقه يتعامل مع التراث الإسلامى لا يقتطع الأحاديث من سياقها، ولا يغلق قلبه حارماً نفسه وأمته من منجزات الحضارة الإسلامية فى الفقه وتطوره، معتمداً على عقله المخلص وقلبه العامر بالإيمان، ولذلك نقد الإمام ابن تيميه وأخذ عليه إنكاره للمنطق وهجومه على من اتخذوا من المنطق سبيلاً وميزانا، موضحا فائدة المنطق فى حماية الأمة الإسلامية من الهجمات الإلحادية التى لم يكن يصح معها إلا المنازلة بالمنطق، وكشف ما وقع فيه الإمام من تناقض حينما غضب ضد الذين يؤولون النصوص ويفسرونها تفسيراً مجازياً، وفى الوقت نفسه يعتبر كل الأسماء الواردة فى نعيم الجنة مجازية قائلاً إن الخمر فى الجنة ليس الخمر واللبن ليس اللبن، كما أكد الإمام أن المنطق الفطرى لا يتعارض مع الإسلام والعقل فى شىء، وبناء عليه اعترض على ما ذهب إليه الإمام ابن تيمية فى كثير من الأمور.

وكما نقد الإمام ابن تيمية نقد المذهب الوهابى أيضاً، بل اعتبره نحلة ومذهباً محدثاً مستقلاً ووضعه من جملة المذاهب الضالة التى أدرجها تحت عنوان مذاهب حديثة، وهى الوهابية والبهائية والقاديانية وأكد أن الوهابيين لم يزيدوا بالنسبة للعقائد شيئا عما جاء به ابن تيمية، ولكنهم شددوا فيها أكثر مما تشدد، وأخذ عليهم عدم اقتصارهم على الدعوة المجردة بل حمل السيف لمحاربة المخالفين لهم، باعتبار أنهم يحاربون البدع كما أخذ عليهم أنهم كلما تمكنوا من قرية أو مدينة أتوا على الأضرحة هدماً وتخريباً وأنهم يعتبرون التصوير الفوتوغرافى وثنية، وأنهم توسعوا فى معنى البدعة توسعاً غريباً بل إنهم زعموا أن القول «سيدنا محمد» بدعة.


وائل السمرى يكتب:مصطفى السباعى.. المؤمن الحق.. أسس جماعة الإخوان فى سوريا وألف كتاباً يمتدح الاشتراكية وأكد أن عظمة التشريع الإسلامى أنه "علمانى".. حارب من أجل إرساء قواعد المواطنة
الثلاثاء، 14 أغسطس 2012 - 09:46

العالم الكبير والمصلح الرائد مصطفى السباعى
وائل السمرى




◄أسس جماعة الإخوان فى سوريا وألف كتاباً يمتدح الاشتراكية وأكد أن عظمة التشريع الإسلامى أنه «علمانى»

◄حارب من أجل إرساء قواعد المواطنة وأسقط حكم الجزية عن المسيحيين وقال إن النبى استضاف أهل الكتاب فى الجامع

◄قال: الإصلاح الحقيقى أن يبدأ بالضرب على المتاجرين بالدين فهم الأعداء الحقيقيون للمصلحين المخلصين

هو سليل تلك المدرسة الكبيرة التى نشأت فى مصر وتفرعت فأثمرت فروعها علما وحكمة ونضالاً وإيماناً، مدرسة جمال الدين الأفغانى التى كانت حلما فى ذهن المصلح الكبير فجعلها الإمام محمد عبده واقعا، فأخرج للعالم الإسلامى عشرات الأئمة المصلحين الذين دافعوا عن دين الله وأجهضوا مسلسل سحق الهوية العربية الإسلامية، وأكسبوا الدين تجدداً وشموخاً ورفعة وبهاء، هو من يصدق فيه قول رسول الله «الإيمان ما وقر فى القلب وصدقه العمل» فآمن بالله وعمل على طاعته والتضحية من أجل إعلاء كلمته، وآمن بشعبه العربى وجاهد فى سبيله، وآمن بسماحة الإسلام وتمدنه فعمل على ترسيخ تلك السماحة محاربا كل أشكال التمييز والعنصرية، وآمن بمبادئ الإسلام الاقتصادية التكافلية الاشتراكية فتبنى تلك القضية وحارب من أجلها، وآمن بقدرة المسلم المستنير على النهوض بأمته فعمل أقصى ما يستطيع حتى يتحقق ما يريد، رافعاً سلاح العلم فى وجه الجهل، متمسكا بمبادئ الشريعة السمحة دون التقيد بأفرعها وتفرعاتها المذهبية فوصل إلى مرحلة الصفاء الإسلامى النبيل.

هو العالم الكبير والمصلح الرائد مصطفى السباعى ابن حلب السورية المسلم الديانة العربى النزعة، الإنسانى الهم والحلم، المولود سنة 1915م لأسرة عريقة فى العلم والمعرفة، وهو ما ساعده على بلوغه مرتبة النبوغ سريعا، وبالتزامن مع إنماء وعيه الدينى عمل السباعى على تنشيط دوره السياسى، فانضم للجمعيات السرية التى كانت تكافح ضد الاستعمار، فسجن مرة بعد مرة، وقد اختار أن يناضل بعلمه الوافر وروحه الوثابة وجسده الهزيل، ولذلك سافر إلى مصر ليدرس فى الجامع الأزهر على يد أئمته العظام.

فى مصر التحق السباعى بكلية الشريعة ليدرس الفقه وأصوله، وليشترك أيضاً فى نضاله العربى ضد المحتل الإنجليزى فسجن بعد اشتراكه فى مظاهرة ضخمة ضد الاحتلال البريطانى وبقى فى السجن حتى توسط له الشيخ المراغى فأخرجته السلطات البريطانية من مصر إلى غزة حيث اعتقل هناك أربعة أشهر، ثم رحلته إنجلترا إلى الشام ليمكث هناك فى السجن عامين متلقيا كل صنوف العذاب.

فى مصر أيضاً تعرف على الإمام حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين واقترب منه وحينما سافر إلى سوريا عمل على توحيد التجمعات الإسلامية فى كيان واحد فأسس فرع الجماعة فى سوريا وأصبح مراقبها العام، ولعمق تأثير الأجواء المصرية فى وجدانه أسس جريدة باسم «المنار» 1947م مقتبساً الاسم من الشيخ رشيد رضا ولأن الإيمان هو ما وقر فى القلب وصدقه العمل فقد انضم السباعى إلى كتائب الدفاع عن المسجد الأقصى فى حرب 1948 بكل ما أوتى من قوة، ولما لحقتهم الهزيمة عاد ليكمل نضاله فى بلده، ضد الجهل والتخلف والطائفية والرجعية، حيث نجح فى الانتخابات التشريعية السورية فى العام 1949م واختير ضمن لجنة لوضع الدستور السورى الجديد. وحينما تم إصدار قرار بحل جماعة الإخوان المسلمين فى سوريا سنة 1952 سافر إلى بيروت ولم يعد إلى دمشق إلا بعدها بسنتين، ليعود إلى ميدان الصحافة مرة أخرى، ويصدر جريدة الشهاب، وسرعان ما عاد إلى مصر مرة أخرى ليشترك فى صد العدوان الثلاثى على مصر، وقد بدت عليه آثار المرض، ليعود إلى سوريا مرة أخرى ويقعد طريح الفراش ثمانى سنوات مصابا بشلل نصفى لتختبره تلك الفترة بأقسى المحن فيخرج منها صافى القلب والذهن ويكتب خلالها كتاب «هكذا علمتنى الحياة» الذى يعتبر قطعة أدبية فريدة مشبعة بالحكمة والرؤية الثاقبة.

إلى فئة المثقفين المناضلين ينتمى العالم «مصطفى السباعى» وهو الذى قضى عمره كله يحمل من الدعوة الإسلامية أجمل ما فيها من فداء وصفاء ومحبة وإيثار، لا تعميه انتماءاته عن مصلحة بلاده، ولا يتورع فى أن يسخر معرفته بالشريعة الإسلامية من أجل الدفاع عن القيم السامية والمبادئ الرفيعة التى ترسخها تلك الشريعة، فكان كلما يذكر كلمة «شريعة» يذكر بجوارها كلمة «مبادئ» حتى لا يلتبس الأمر على أحد فيظن أنه يستبد بالشريعة أو يتاجر بها، وأثناء وجوده بمجلس الأمة السورى كان نعم الفقيه المستنير الذى يدافع عن الشبهات التى حاول الاستعمار أن يلصقها بالدين الإسلامى، من أنه دين التمييز والاضطهاد والطائفية، فوقف فى البرلمان يدافع عن حقوق المواطنة، مخرجاً حكماً شرعياً ليبطل ادعاء من يقولون إن المسلمين سيجبرون المسيحيين على دفع الجزية عقب وضع مادة بالدستور السورى تنص على أن الإسلام دين رئيس الدولة، فقال إن الجزية كانت قبل الإسلام تفرض على من لم يكن من الفاتحين عرقاً أو بلداً أو ديناً، سواء حارب أم لم يحارب، أما فى الإسلام فلا تفرض إلا على المحاربين من أعداء الأمة، أما المواطنون من غير المسلمين من لم يحاربوا الدولة فلا تفرض عليهم الجزية وهو الأمر الذى فعله عمر بن الخطاب مع نصارى تغلب وقال: لو رجعنا إلى آية الجزية فى القرآن لوجدناها تقول: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.. فهى كما ترون تجعل الجزية غاية لقتال أهل الكتاب حين نتغلب عليهم.

وليس كل أهل الكتاب يجب علينا أن نقاتلهم، إنما نقاتل من يقاتلنا ويشهر علينا السلاح، ويعرّض كيان الدولة للخطر، وهذا هو صريح الآية الكريمة: «وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا إن الله لايحب المعتدين» ملخصاً القول بأن: «الذين يعيشون فى الدولة مع المسلمين من أهل الكتاب، ويشاركونهم فى الإخلاص والولاء لها، ليسوا ممن يجوز قتالهم، فلا تفرض عليهم الجزية التى هى ثمرة القتال بعد النصر، وهذا ما يفهم من آيات الجزية من غير تأول ولا تعسف».

ولم يكن إرساؤه لمبدأ المواطنة هذا غريبا عليه فورد فى كتاب «مصطفى السباعى الداعية المجاهد والفقيه المجدد» أنه كان فى الثالثة والعشرين من عمره، وأصدرت حكومة الكتلة الوطنية أثناء الاستعمار الفرنسى قانون الطوائف، فكتب فى افتتاحية مجلة الفتح وهو فى مصر كلمة هاجم فيها قانون الطوائف قال فيها: ماذا نقول فى بلد دخله أوصياؤه وهو شعب واحد وأمة واحدة فما لبثوا أن جعلوه موزعاً بين عرب مسلمين ومسيحيين ويهود ونصيرية ودروز وإسماعيليين وشيعة وأكراد وتركمان وشركس وداغستان وغجر ثم زادوا عليها الأرمن والآشوريين، وفى انتصاره للجمهورية المدنية قال: إن هذه البلاد أحبت النظام الجمهورى، واعتنقته واعتقدت بصلاحه، وإننا نعلن بكل إيمان وصراحة ووضوح بأننا لا نريد عن النظام الجمهورى بديلاً: إننا نريد لوطننا نظاماً شعبياً ديمقراطياً، يقوم على إرادة الشعب، وتتمثل فيه إرادة الشعب، كما أنه أسهم فى وضع دستور سوريا الذى يقول إن الإسلام دين الدولة والأديان السماوية محترمة ومقدسة، والأحوال الشخصية للطوائف الدينية مصونة ومرعية، المواطنون متساوون فى الحقوق لا يحال بين المواطن وبين الوصول إلى أعلى مناصب الدولة بسبب الدين أو الجنس أو اللغة.

ليس هذا فقط بل إن أحد الباحثين وهو محمد باروت ذكر فى بحثه «العلمانية المؤمنة» أن السباعى كان رائد هذا الاتجاه، حيث إنه قال فى مجلس الأمة السورية إن «التشريع الإسلامى» علمانى وذلك لأنه يقصد تحقيق مصالح الناس شارحاً وجه نظره قائلاً «إن الإسلام فى تشريعه مدنى علمانى يضع القوانين للناس على أساس من مصلحتهم وكرامتهم وسعادتهم، لا فرق بين أديانهم ولغاتهم وعناصرهم» وهى تقريباً الجملة التى تتوافق مع ما قاله الإمام المراغى فى لجنة وضع القوانين حيث قال لأعضاء اللجنة «ضعوا ما ترونه صالحاً للناس وستجدون فى الشريعة ما يؤيد اتجاهكم» وفى ذلك تطبيق عصرى وحديث لمبدأ مقاصد الشريعة التى يهدف الإسلام إلى تحقيقها، ويقول باروت إن السباعى بهذا التوجه أسس ما أسماه «الإسلام الحضارى» وهو المصطلح الذى يستخدمه البعض الآن، وهو الذى يشمل جميع أفراد الأمة مهما كان دينهم.

فى تجديدات «السباعى» واستنارته يعترف بالفضل الأول للمصلح الكبير جمال الدى الأفغانى ومحمد عبده حيث يقول فى مقدمة كتابه «الاشتراكية الإسلامية»: ولقد أسهم كثيرون من أفاضل العلماء والمصلحين منذ عصر المصلح الكبير السيد جمال الدين الأفغانى وتلميذه الإمام محمد عبده رحمها الله حتى وقتنا هذا فى جلاء الحقيقة التى جهلها دعاة المذاهب المستوردة إلى أن استوى التحرر العلمى على قدميه واستطاع أن يرد الباطل ويكشف الزيف ويجلو جمال الحق للأبصار» فهو يتعامل معهما باعتبارهما الأستاذين اللذين مهدا الطريق للعلم، ورسخا دعائم التجديد، ولذلك يختار السباعى وهو واثق من جرأته التجديدية أن يتناول الاشتراكية من منظور إسلامى، فيقول إنه اختار أن يكون عنوان الكتاب «اشتراكية الإسلام» لعلمه بأن «الاشتراكية» ليست «موضه» بل هى نزعة إنسانية تتجلى فى تعاليم الأنبياء ومحاولات المصلحين منذ أقدم العصور.. تسعى الشعوب إلى تحقيقها لتتخلص من فواجع الظلم الاجتماعى والتفاوت الطبقى الفاحش المزرى بكرامة الإنسان، ويؤكد السباعى أن هدف الدين الإسلامى هو ذاته هدف الاشتراكية غير أن الإسلام سبق النظرية الغربية بمئات السنين فيقول: «هدف الاشتراكية على اختلاف مذاهبها هو منع الفرد من استغلال رأس المال للإثراء على حساب الجماهير وبؤسهم وشقائهم وإشراف الدولة على فعالية الفرد الاقتصادية ومراقبتها له وتحقيق التكافل الاجتماعى بين المواطنين بحيث تمحى مظاهر الفاقة والحرمان وتفاوت الثروات تفاوتا فاحشا يقترن فيه الجوع والفقر والمرض والمهانة بجانب الترف والرفاهية والقسوة والانحلال الخلقى.

ويتهكم السباعى على أحد الذين لاموه على هذا الاتجاه قائلا: «قال له أحدهم إنى لأعجب من تبنيكم للاشتراكية وهى تبيح التأميم، والتأميم ضد الإسلام، فقلت له أنت لا تعرف ما هى الاشتراكية، ولا ما هو الإسلام»، ثم يمضى السباعى ليشرح محاسن الاشتراكية قائلاً: النظام الاشتراكى يحقق لنا كل ما نحتاج إليه من إصلاح لأوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ولا يضيق ذرعاً بكل تجديد للحياة الحرة الكريمة، مستعرضا فى كتابه موقف الأديان من الفقر، ولما تطرق إلى الدين الإسلامى أكد أنه يكفل كل الحقوق الطبيعية للإنسان، ومنها حق الحياة التى أكد على حفظها، وحق الإنسان فى العلاج وحق الإنسان فى الدفاع عن نفسه، كما قال إن الإسلام يسقط الواجبات الشرعية عند الخطر، وأجاز فعل المحرمات عند الضرورة، وحمى حياة الأطفال والأرقاء والعبيد، كما كفل الحرية الإنسانية والدينية والعلمية والسياسية والمدنية والاجتماعية والأدبية، وأشاد بالعلماء وفضلهم على المنقطعين للعبادة، وعمل على صيانة كرامة الإخاء الإنسانى بين المسلم وغير المسلم، وساوى بينهم فى الحقوق ورسخ العدالة القضائية فى دولته، وكفل للناس حق التملك ولم يتطرق إلى التأميم إلى فى حالات الضرورة القصوى، وكره تضخيم الثروات، ومنح من يحيى أرضا مواتا حق استغلالها وتملكها، كما أكد أن الإسلام حمى الحقوق العمالية، وأنه من الممكن أن نعتبر سلوكيات الرسول صلى الله عليه وسلم سلوكيات اشتراكية، خاصة إذا ما نظرنا إلى حياته وزهده وتصدقه.

ولم يكن هذا الاتجاه الإنسانى المتضامن مع حقوق الإنسان الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بغريب على فكر «السباعى»، ففى كتابه «من روائع حضارتنا» أثبت أن به ما يحلم به كل صناع الدساتير بالعالم العربى من مبادئ.

النزعة الإنسانية موجودة فى الإسلام، فيقول إن أكبر دليل على نزعة الإسلام الإنسانية هو قول الله تعالى: «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة»، وهو ما يعنى وحدة الجنس البشرى كله أمام الله، فكلهم كأسنان المشط، إذ لا فرق لعربى على أعجمى إلا بالتقوى، وأكرم الناس عند الله هو أتقى الناس، كما أن القانون الإسلامى لا يفرق بين الناس، وذلك لقول رب العزة: «فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره من يعمل مثقال ذرة شرا يره»، قائلا إن الله كثيرا ما كان يخاطب المجتمع الإنسانى قائلا: «يا أيها الناس» أو «يا بنى آدم»، وحينما كان يريد أن يخاطب المؤمنين كان يقول: «يا أيها الذين آمنوا»، مؤكدا أن «الوحدة الاجتماعية فى المجتمع كشجرة تهز أغصانها جميعا إذا لمستها الرياح لا فرق بين أعلاها وأدناها».

ويقول السباعى فى ذات الكتاب إن التشريع الإسلامى يسمو فوق كل الفروق الدينية لأن الله يقول: «ولقد كرمنا بنى آدم»، ولم يقل لقد كرمنا المسلمين فقط، كما أن رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه يقول: «كلكم لآدم وآدم من تراب ولا فضل لعربى على أعجمى إلا بالتقوى»، ويؤكد أن الإسلام لم يضق ذرعاً بالأيان السابقة ولم يتعصب لمذهب، مؤكداً أن الأديان السماوية تستقى من معين واحد، وهذا ما يدلنا عليه قوله تعالى: «شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه»، ولذلك فالأنبياء إخوة «لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون»، وإنه لا إكراه فى الدين، وإن العبادة بالديانات الإلهية محترمة «ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا»، كما أمر الله بالالتزام بآداب الحوار إذا ما حدث نقاش بين المسلم وغيره، كما أمرنا بعدم سب المخالفين دينيا، كما تتجلى عظمة الإسلام فى الحرب التى لا يجوز فيه الانتقام ولا إجبار أحد على أن يغير دينه «وحسبهم أن يلتزموا بدين الدولة ليكونوا كالمسلمين فى الحقوق، ويؤكد أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حينما أتاه وفد نصارى الحبشة جلس معهم فى المسجد النبوى وجعلهم يبيتون فيه، وصار يخدمهم بنفسه قائلاً: إنهم كانوا لأصحابى مكرمين»، ويكمل السباعى قائلاً إنه فى عصر الخلفاء الراشدين كانت الرحمة والتعاون مع المختلفين دينا كبيرة، فحينما وجد عمر يهودياً عجوزاً يتسول من أجل دفع الجزية لأمه وأوصله إلى بيته وخصص له راتباً شهرياً، وفى عهد الخلفاء العباسيين كان المجتمع ممتلئ بالديانات والمذاهب المختلفة، فى تجسيد حقيقى لسماحة الإسلام وعدالته.

أما فى كتابه «هكذا علمتنى الحياة» فقد وصل السباعى إلى ينابيع الحكمة وفاض بما تعلمه من مأثورات على مدار حياته الكبيرة عملاً والقصيرة أجلاً، والكتاب عبارة عن جمل متناثرة تشبه الحكم أو الأقوال المأثورة وضع فيها السباعى فلسفته فى الحياة، فيقول محذراً من إساءة فهم الدين: «الذين يسيئون فهم الدين أخطر عليه من الذين ينحرفون عن تعاليمه، أولئك يعصون الله وينفِّرون الناس من الدين وهم يظنون أنهم يتقرَّبون إلى الله، وهؤلاء يتبعون شهواتهم وهم يعلمون أنهم يعصون الله ثم ما يلبثون أن يتوبوا إليه ويستغفروه» ويقول فى تعريف المؤمن: «ليس المؤمن من لا يعصى الله وإنما من إذا عصاه رجع»، وفى إرساء الدول يقول: «العواطف تنشئ الدولة والعقول ترسى دعائمها والأهواء تجعلها ركاماً»، وفى الفرق بين القرآن والإنجيل يقول: حكمة الإنجيل: «من أمسك بطرف ثوبك فاترك له ثوبك كله» أسلم للفرد، وحكمة القرآن: «فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى» أسلم للجماعة، فالإنجيل «يحتم» تسامح الإنسان فى حقه، وهذا أقرب إلى المثل الأعلى، والقرآن «يرغب» فى ذلك، وهذا أقرب لطبيعة الإنسان.

ويبين إساءة فهم البعض للدين قائلاً: بعض دعاة الدين يذكرون قوله تعالى: «واغلظ عليهم» وهم لا يفهمون معناها، وينسون قوله تعالى: «ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك» وهى واضحة المعنى، ولتبيين ما قد يفعله الجمود فى التعامل مع الشريعة يقول: الذين يطمسون وجه الشريعة المشرق بجمودهم أسوأ أثراً من الذين يطمسونه بجحودهم، وفى بث الأمل يقول: ربَّ صرخة تذهب اليوم هباءً، تكون فى المستقبل القريب عاصفة وبناءً، وفى التحفيز على عدم الاهتمام بالسخرية من المصلحين يقول: لولا جرأة المصلحين واستهزاؤهم بهزء الساخرين لما تخلَّص المجتمع من قيوده وأوزاره، وفى العلاقة بين الحياة والأفكار يقول: الحياة تخلق أفكارنا، وأفكارنا تصنع شكل الحياة التى نريدها، وفى تبشيع إساءة استغلال الدعوة إلى الله يقول: بعض الناس يستغلون الدعوة إلى الله لأمراض فى قلوبهم، ويتظاهرون بالحماس لها والله أعلم بما فى نفوسهم، ليت شعرى! أيعلمون أنهم بذلك يشككون الناس فى إخلاص كل داعية إلى الله؟.. أم أن الشيطان الذى اشترى ضمائرهم جعلهم لا يبالون بنتائج ما يفعلون، وفى رصد المفارقة بين القول والفعل يقول: أكثر الناس خطرا على الأخلاق هم علماء الأخلاق وأكثر الناس خطرا على الدين هم رجال الدين.

ولمن يتفاخرون بأغلبية زائلة يقول: لا يقاس الحق والباطل بقلَّة الأنصار أو كثرتهم، ففى كل عصور التاريخ بلا استثناء كان الباطل أكثر أتباعاً: وإن تطع أكثر من فى الأرض يُضلوك عن سبيل الله، لو كان تألب الناس على الحق دليلاً على بطلانه لكان حقنا فى فلسطين باطلاً، فإسرائيل لا تزال تخدع الرأى العام العالمى بوجهة نظرها، ومع ذلك فنحن لن نتراجع عن حقِّنا بكثرة أنصارها، وقلة أنصارنا، فالجماهير لا عقل لها فيما يوافق شهواتها، فليس إسراعها إلى كل ما يخالف الشرائع، وقوانين الأخلاق دليلاً على صحة اتجاهها، ولا يروعنَّك تهافت الجماهير على الباطل، كتهافت الفراش على النار، فالطبيب الإنسانى هو الذى يؤدى واجبه، مهما كثر المرضى، فإذا استطعت أن تهدى واحداً فحسب فقد أنقصت من عدد الهالكين.

مؤكداً أن «الدين الحق هو الذى يعطيك فلسفة متكاملة للحياة، ونظاماً وافياً بحاجات المجتمع، كالمهندس الماهر يبنى لك بيتاً متين الدعائم، مستوفى المنافع» وأنه «من لم ينبع تفكيره من مبادئ الشريعة ضل، ومن لم يستمد سلوكه من أخلاقها انحرف، ومن لم يقيد عمله بأحكامها ظلم وموصيا الحكام بإسعاد الشعوب قائلاً: «إن على ملوكنا ورؤسائنا ألا يحولوا بيننا وبين الحرية والحياة السعيدة؛ لنشعر بكرامتنا فى أنفسنا قبل أن نطلب كرامتنا فى نفوس أعدائنا، إن خيراً لهم وأكرم لقيادتهم وأعظم لمكانتهم أن يقودوا أمة من الأسود، من أن يجروا وراءهم قطعاناً من الغنم، ولم ينس أن يدلنا على أول الطريق قائلاً: الإصلاح الحقيقى أن يبدأ بالضرب على المتاجرين بالدين وروحانيته وأخلاقه، فهم حجر عثرة فى سبيل كل إصلاح نافع، وهم الأعداء الحقيقيون للمصلحين المخلصين.


وائل السمرى يكتب: عبدالرحمن الكواكبى.. قاهر الاستبداد وفاضح الاستعباد.. قال إن المستبد محتاجٌ لـ«عصابة» تعينه وتحميه وإنه «يتوج صدره بالنياشين والأوسمة» وأتباعه «سماسرة يغررون بالأمة باسم خدمة الدين»
الإثنين، 13 أغسطس 2012 - 09:06

عبدالرحمن الكواكبى
وائل السمرى



هو صاحب الصرخة العربية الإسلامية الأصيلة ضد كل مستبد، وهو هادم أفراح الطغاة، ومنغص ملذاتهم فى كل حين، وهو صاحب المقولة الخالدة: المستبدُّون يتولاهم مستبدّ، والأحرار يتولاهم الأحرار، وهذا صريح معنى: «كما تكونوا يُولَّى عليكم»، وهو صاحب النداء الشهير: إلى متى هذا الشقاء المديد والنّاس فى نعيمٍ مقيم، وعزٍّ كريم، أفلا تنظرون؟ وما هذا التأخُّر، وقد سبقتكم الأقوام ألوف مراحل! يا قوم أنتم بعيدون عن مفاخر الإبداع وشرف القدوة، مُبتلون بداء التقليد والتبعية فى كلِّ فكرٍ وعمل، وبداء الحرص على كلِّ عتيق كأنَّكم خُلِقتم للماضى لا للحاضر، تشكون حاضركم وتسخطون عليه، وعليكم أن تدركوا أنَّ حاضركم نتيجة ماضيكم، ومع ذلك أراكم تقلِّدون أجدادكم فى الوساوس والخرافات والأمور السافلات فقط، ولا تقلِّدونهم فى محامدهم.

هو عبد الرحمن الكواكبى الفقيه المسلم العربى الشامى المصرى صاحب كتاب «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» الذى كتبه مطلع القرن الماضى فخلد اسمه فى تاريخ العرب والإنسانية كأحد أهم المنتفضين ضد الاستبداد ورجاله، وأحد أخصب المسلمين فكرا ورؤية وبلاغة، وأحد أهم المناضلين ضد التخلف والتبعية والتقليد والجهل والزيف والنفاق والجشع والبلاهة والجبن والتواكل والخنوع والاستكانة والركود والجمود والفساد بكل أشكاله وألوانه وطرائقه.

هو فخر الأمة الإسلامية وفقيها السياسى الرائد الذى لو كان فى أمة غيرها لأصبح أحد أشهر علاماتها الحضارية ولتقرر كتابه على طلبة المدارس والجامعات كما فعل الغرب مع منتيسيكو صاحب كتاب «روح الشرائع» وهارولد لاسكى صاحب كتاب «نظرية الدولة»، هو المولود فى حلب والقلق الذى لم تهدأ روحه ولم يستقر إلا فى مصر حينما كانت مصر «مصر» فقد ولد الكواكبى فى سنة 1855م لأسرة عربية، ثم مكث فى أنطاكية ثلاث سنوات بعد وفاة أمه ليعود بعدها إلى حلب، ليتعلم فيها القراءة والكتابة، وليتم قراءة القرآن وحفظه، ثم ينهل من علوم الفقه والدين ويتعلم الفارسية والتركية ويدرس الشريعة والأدب وعلوم الطبيعة والرياضة فى المدرسة الكواكبية، التى كانت تتبع مناهج الأزهر فى الدراسة، وكان يشرف عليها ويدرّس فيها والده.

حياة الكواكبى المليئة بالتجارب أثقلته بتجارب لم يكن ليتحصل عليها لولا شقاؤه فى النضال من أجل الحرية التى قدسها القرآن وعظمتها السنة وشوهها المستبدون، فلم يجف قلمه يوما مدعما للحرية ومعاديا للاستبداد فى كل صوره، يتقلب فى الكتابة من جريدة إلى جريدة، ويضطهده الطغاة فى كل مكان، حتى إنه وهو المدافع الشرس عن الدين الإسلامى وشريعته السمحة يقف ضد الدولة العثمانية وينتقدها حينما أرادت أن تطمس هوية المسيحيين بتغيير أسمائهم بأسماء إسلامية كشرط لقبولهم فى الجيش، ولأنه لم يكن يوما ليستحب العيش فى كنف الفساد تقلب فى الوظائف وهاجر إلى بلدان كثيرة ليحتفظ بمبادئه على حالها حتى حط رحاله فى مصر سنة 1900 وقد كانت قبضة الخليفة العثمانى عليها ضعيفة منذ قيام دولة محمد على، وكانت فى هذا الوقت تنعم بأجواء ثقافية مزدهرة بفضل مجهودات رفاعة الطهطاوى وجمال الدين الأفغانى ومحمد عبده وتلاميذهم، لكن للأسف تصل إليه يد الاستبداد فى مصر ويقتل فيها بعد أن يتم دس السم له فى القهوة، حيث قال لصديقه قبل وفاته بلحظات: «لقد سمونى يا عبدالقادر»، ولم يكن الموت المادى هو التنكيل الوحيد الذى تعرض إليه «الكواكبى» فقد تعرض لقتل آخر أشد قسوة وهو القتل المعنوى فأوعز السلطان عبدالحميد إلى أحد أصدقائه بأن يسرق مسودات كتبه وهو ما حدث بالفعل، فلم يصلنا إلا كتاباه المطبوعان «أم القرى» و«طبائع الاستبداد» هذا الكتاب الذى وضع اسم الكواكبى عاليا بين أئمة المجددين وعظماء الفكر الإسلامى الإنسانى.

لم ير الكواكبى أحط وأقذر من الاستبداد، فحاربه بكل ما أوتى من قوة، معتبرا إياه أساس كل بلاء وتخلف وظلم وفساد، فأخذ يبحث فى كتابات المسلمين وغيرهم عن أثر الاستبداد فى حياة الشعوب، ووعى ما كتبه الرّازى، والطّوسى، والغزالى، والعلائى، والمعرّى، والمتنبّى، وابن خلدون، وابن بطوطة، فخلص إلى تعريف علم السّياسة بأنّه «إدارة الشّؤون المشتركة بمقتضى الحكمة» أما تعريف الاستبداد فهو «التّصرُّف فى الشّؤون المشتركة بمقتضى الهوى» قائلا إنه: غرور المرء برأيه، والأنفة عن قبول النّصيحة، وأشد درجاته حينما تكون «حكومة الفرد المطلق، الوارث للعرش، القائد للجيش، الحائز على سلطة دينية» واصفا المستبد بأنه «عدوّ الحقّ، عدوّ الحّريّة وقاتلهما، والحق أبوالبشر، والحرّيّة أمّهم» وأنه «يودُّ أنْ تكون رعيته كالغنم درّاً وطاعةً، وكالكلاب تذلُّلاً وتملُّقاً».

لكن الكواكبى الذى عرف الشعوب واختلط بثقافاتهم يوقن من أنه لم يكن لمستبد أن يتسيد على الناس إلا إذا وجد البيئة المناسبة له، فيقول منزها ذات الله عن الرضا بالاستبداد «إنَّ الله عادلٌ مطلقٌ لا يظلم أحداً، فلا يُولَّى المستبدّ إلا على المستبدِّين. ولو نظر السّائل نظرة الحكيم المدقِّق لوجد كُلَّ فرد من أُسراء الاستبداد مُستبدّاً فى نفسه، لو قدر لجعل زوجته وعائلته وعشيرته وقومه والبشر كُلَّهم، حتَّى ربَّه الذى خلقَهُ تابعين لرأيه وأمره»، وبالطبع لا يستشرى هذا الداء فى الشعب إلا إذا علت ثقافة التعصب على ثقافة الحوار، وغلبت العنصرية على الإنسانية، وعلا التحزب والمتذهب على الانصهار فى المبادئ السامية والإيمان بقوة الفضائل الإنسانية المشتركة، لذلك يرى الكواكبى أن جعل الشعوب أقليات متحاربة هى عادة المستبدين، وأن معين المستبد السياسى الأول على زرع هذه الآفة هو المستبد الدينى، فيقول: «الاستبداد السّياسى مُتَوَلِّد من الاستبداد الدِّينى.. أبوهما التَّغلب وأمّهما الرّياسة، وبينهما رابطة الحاجة على التّعاون لتذليل الإنسان».

ويمضى الكواكبى منزها الدين عن الاستبداد ومؤكدا أن المستبد هو الذى يتجرأ على ذات الله ويوهم الناس بأنه قضاء الله وقدره أو أنه اختيار الله أو أنه ظل الله على الأرض أو أنه المؤيد بشرع الله فيقول «ما من مستبدٍّ سياسى إلى الآن إلا ويتَّخذ له صفة قدسيّة يشارك بها الله، أو تعطيه مقامَ ذى علاقة مع الله. متخذا من خَدَمَةِ الدِّين يعينونه على ظلم النَّاس باسم الله»، قائلا إن الإسلام «نزعَ كلَّ سلطة دينية أو تغلّبيّة تتحكَّم فى النّفوس أو فى الأجسام، ووضع شريعة حكمة إجمالية صالحة لكلِّ زمان وقوم ومكان، وأوجد مدنيّة فطريّة سامية، وأظهر للوجود حكومة كحكومة الخلفاء الرّاشدين»، ويؤكد الكواكبى أن هؤلاء الحكام الذين يتخذون الدين ستارا لتمرير سياساتهم ليسوا من الدين فى شىء، وأنهم لا يمثلون الدين بأى حال من الأحوال، فيقول «لا مجال لرمى الإسلامية بتأييد الاستبداد» وأن القرآن الكريم أمرنا باتخاذ الشورى أساسا للحكم «وشاورهم فى الأمر» وأن الشريعة الحقة هى التى تطبق العدل «إن الله يأمر بالعدل» و«وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل»، والعدل عند الكواكبى يعنى المساواة والاشتراكية، ثم يؤكد الكواكبى أن الإسلام لم يحرم الخروج على الحاكم الظالم، وأنه أقر «عدم وجوب طاعة الظالمين وإن قال بوجوبها بعض الفقهاء الممالئين دفعاً للفتنة التى تحصد أمثالهم حصداً»، ويستنكر الكواكبى عدم انتفاض المسلمين على الظلم والتمييز وهدر الحقوق الإنسانية ورضاهم بها وكأنهم لم يسمعوا حديث رسول الله «النّاس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربى على أعجمى إلا بالتّقوى» أو الآية التى تقول «إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم» أو الأخرى التى تقول «ولقد كرَّمنا بنىَ آدم»، منتقدا تفسير آيات القرآن بالهوى والميل إلى الحاكم الذى يستعبد المحكومين وإغراق المسلمين بتفاصيل وجزئيات تبتعد عن روح الشرع جاعلة المسلمين فى حرج دائم من غضب الله رغم أنه الله تعالى رفع الحرج عن المسلمين فى اتخاذ ما يرونه صالحا لشؤون دنياهم، وهو ذات المنهج الذى انتهجه أهل الديانات السابقة الذى كانوا يحرفون الكلم عن مواضعة ويشترون بآيات الله ثمنا قليلا، ولا يجد الكواكبى حيال ذلك إلا رفع أكف الضراعة إلى الله قائلا: اللهم إنّ المستبدِّين وشركاءهم قد جعلوا دينك غير الدِّين الذى أنزلت، فلا حول ولا قوّة إلا بك! مؤكدا أن الداء الأكبر هو «خروج ديننا عن كونه دين الفطرة والحكمة، دين النظام والنشاط، دين القرآن الصريح البيان، إلى صيغة أنَّا جعلناه دين الخيال والخبال، دين الخلل والتشويش، دين البِدَع والتشديد، دين الإجهاد».

ما من عدو للمستبد إلا العلم والعلماء أصحاب الرأى والحجة والبرهان الذين لا يخشون فى الحق لومة لائم ولا يتزلفون ولا يتصاغرون، هذا هو ما خلص إليه الكواكبى فى تناوله لمسألة علاقة الاستبداد بالعلم، فيقول «لا يخفى على المستبدّ، مهما كان غبياً، أنْ لا استعباد ولا اعتساف إلا مادامت الرّعية حمقاء تخبط فى ظلامة جهل وتيه وعماء، فلو كان المستبدُّ طيراً لكان خفّاشاً يصطاد هوام العوام فى ظلام الجهل، ولو كان وحشاً لكان ابن آوى يتلقّف دواجن الحواضر فى غشاء الليل، ولكنّه هو الإنسان يصيد عالِـمَه جاهلُهُ، وأن كلَّ رئيس ومرؤوس يرى كلَّ سلطة الرئاسة تقوى وتضعف بنسبة نقصان علم المرؤوس وزيادته، فيسعى العلماء فى تنوير العقول، ويجتهد المستبدُّ فى إطفاء نورها.

ويتطرق الكواكبى لظاهرة متكررة فى التاريخ وهى أن حاشية المستبد هى أول من يسارع بالإطاحة به بل ويورد أيضا أسباب ذلك قائلا: «أكثر ما يبطش بالمستبدين حواشيهم، لأنَّ هؤلاء أشقى خلق الله حياةً، يرتكبون كلَّ جريمةٍ وفظيعة لحساب المستبدِّ الذى يجعلهم يمسون ويصبحون مخبولين مصروعين، يُجهدون الفكر فى استطلاع ما يريد منهم فعله بدون أن يطلب أو يصرِّح» ويشرح الكواكبى كيف أن الإسلام حارب الاستبداد بالحث الدائم على العلم والتزود من المعرفة والابتعاد عن الخرافات والتضليلات.

ما حيلة المستبد فى تدعيم ملكه الذى يعلم أنه زائل فانٍ؟ هذا ما يجيب عنه الكواكبى فيقول: إن المستبد يحتال على الناس بأن يمجد نفسه وأن يمجد أعوانه وعماله بمنحهم الألقاب والصفات وأنه يتوج صدره بالنياشين والأوسمة ليوهم الناس بعظمته، وأنه «يعلِّق على صدره وساماً مشعراً بما وراءه من الوجدان المستبيح للعدوان» وفى حين أن المستبد وحاشيته دائما ما يتغنون بقيم الحرية والعدالة والمساواة والفضيلة لكنهم فى الحقيقة «أعداء للعدل أنصار للجور، لا دين ولا وجدان ولا شرف ولا رحمة» وأنه يتخد من أعوانه «سماسرة لتغرير الأمة باسم خدمة الدين، أو حبّ الوطن، أو توسيع المملكة، أو تحصيل منافع عامة، أو مسؤولية الدولة، أو الدفاع عن الاستقلال، والحقيقة أنَّ كلّ هذه الدواعى الفخيمة العنوان فى الأسماع والأذهان ما هى إلا تخييل وإيهام يقصد بها رجال الحكومة تهييج الأمة وتضليلها.

ولم يفت الكواكبى أن يشير إلى بعض أذكياء المستبدين الذين يحاولون أن يتزينوا بزينة العادل

_________________

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  * الدال على الخير كفاعله *
سبحان الله .. الحمد لله ..  الله أكبر ..  لا إله إلا الله
لا حول ولا قوة إلا بالله ... سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد
كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم

من هذا المبدأ الدال على الخير كفاعله

كيف تستفيد من الانترنت وتربح الكثير من المال باقل مجهود
ارشح لكم هذا العمل للكسب السريع بدون اي تكلفة مادية منك
من هنا .هنا هنا هناااااااااااااااااااا..
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://said63.goodforum.net
said63
منتديات شباب العارب
منتديات شباب العارب
avatar

عدد الرسائل : 3822
العمر : 54
تاريخ التسجيل : 14/02/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقهاء التنوير من عمر بن الخطاب يكتبه وائل السمري لكم    الأحد أغسطس 19, 2012 2:18 pm

وائل السمرى يكتب: لكم دينكم ولنا الإسلام
السبت، 18 أغسطس 2012 - 08:41

فقهاء التنوير
بقلم وائل السمرى



فى رحلتى مع الفقهاء عرفت أن الإسلام الذى ندين به غير الإسلام الذى يصدرونه لنا، وأيقنت أن هناك حربا حقيقية بين الوهابية المنغلقة والإسلام الرحب

لماذا لم يستخرج لنا العلماء منهجا من فقه الصحابة لنفكر مثلما فكروا لا أن نأخذ ما رأوه مناسبا فى عصرهم ولماذا نحرم أنفسنا من التجديد وهو سنة مؤكدة؟

دعوة إلى الأزهر ووزارة الثقافة إلى عمل مركز إسلامى مستنير باسم الإمام محمد عبده ليخرج لنا أئمة مجددين لا حفظة منغلقين

ذات يوم سألت نفسى: لماذا جعل الله الإسلام هو الدين الخاتم، ولماذا جعل الله نبى الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم تاج الأنبياء؟ وما أظن أن هذه الحلقات الثلاثين إلا إجابة عن هذا السؤال.

نعم، كانت هذه الحلقات التى توغلنا فيها فى عمق الفقه الإسلامى وفى تاريخ الإسلام ومذاهبه وأعلامه المجددين الصالحين الأبرار، إجابة عن هذا السؤال، فقد انفرد هذا الدين بخصائص لم تتيسر لغيره جعلته الدين الخاتم وجعلت من التطور سنة مؤكدة، ومن السؤال بداية للاجتهاد، ومن الاجتهاد آلية دائمة تضمن ضخ الدماء الجديدة فى أوردة الفقه الإسلامى فيتجدد شباب الإسلام بآراء الصالحين والأعلام، وسبحان من جعل اسم العلم الموكل إليه البت فى أمور المسلمين ومستجداتهم هو «الفقه» والفقه فى اللغة يعنى الفهم، ويقول الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه: «من يرد الله به خيرا يفقه فى الدين»، أى يفهمه أموره ودقائقه وتفاصيله وأحكامه، ولا يتيسر الفهم إلا بالعقل وإقامة الحجة والإتيان بالبرهان، فمن أبرز منجزات الإسلام أنه بلا كهنوت ولا وصاية، يخاطب العقل وحده فيزداد الواحد اقتناعا به، يخاطب أحرارا لا يفعلون إلا ما يعتقدون، ولا يقتنعون إلا بما يوافق المنطق ويسلم به العقل دون إجبار أو ترهيب أو تفزيع بما وراء العقل وما يجافى المنطق، وليس أدل على أن الإسلام بحاجة دائمة إلى من يتفقه فى أمره كل حين من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»، فسبحان من جعل تجديد الدين سنة من سننه، وسبحان من أخرس حجج المتنطعين الذين يريدون أن يغلقوا علينا عقولنا بحديث صحيح واضح المعنى جلى الألفاظ، يجزم بضرورة التجديد على أيدى رجال الفقه أو إن شئت قل رجال الفهم، لا رجال الحفظ والتلقين والانغلاق.

تلك سنة رسول الله التى كفلت لنا عدم التمزق بين الدين والحياة، ورفعت عنا الحرج فى الدنيا والآخرة، وهذا ما وعاه الصحابة الأجلاء ونفذوه، لكن يبدو أن هنالك من لا يريد أن يقتنع بتلك السنة، ومن لا يريد أن يتصالح الدين مع الدنيا ليبقى المسلمون منفصلين عن واقعهم شاعرين بأن كل ما يفعلونه فى دنياهم إثم أو ذنب، فيهرعون إلى كهنة الدين الجدد الذين يتسلطون على رقاب العباد ويتشددون فى أمور الدين حتى يثبتوا لمن يسألهم أنهم من دونهم عصاة مجرمون مذنبون، ولا يعدم الواحد منهم من ذكر بعض الآيات أو الأحاديث لتأييد وجهة نظره التى يقطعها من سياقها ويحذف عنها سبب نزولها ويفصلها عن غيرها من الآيات والأحاديث حتى يهيمن على أدمغة السائلين، ويوهمهم بأن نصوص الدين تأمرهم بفعل كذا أو كذا ويتناسى أن الله جل وعلا لم يقصد من شريعته إلا جلب الخير كله وإبعاد الشر كله، ولم يقصد بها أبدا أن يعذب عباده بها فى الدنيا والآخرة، ولك أن تقارن بين موقف الذين يدّعون أنهم يتحدثون باسم الله ولا ينطقون عن الهوى، وواحد مثل الإمام المراغى الذى أسهم بمجهوداته فى إعلاء كلمة الإسلام ورد الشبهات عنه وتطوير الأزهر وهو بيت الإسلام الأكبر حينما قال للجنة وضع القوانين فى عشرينيات القرن الماضى: ضعوا ما ترونه فى مصلحة المسلمين من قوانين ومواد وسآتى لكم من الشريعة بدليل على صحته، ولو كان هناك من يرى فى جملة المراغى تلك عيبا فليس هذا إلا لمرض فى نفسه، فما قال المراغى هذا وهو الذى صاح فى الملك فاروق قائلا إن المراغى لا حرم ما أحله الله إلا ليقينه من أن الله رحيم بعباده، ويقينه من أن الإسلام صالح فى كل زمان ومكان، وأن أعلامه المجددين اجتهدوا ليجعلوا الحياة فى ظل الإسلام «حياة» لا موات.

وما دمنا قد تطرقنا إلى الإمام المراغى فلا بد لنا من وقفة عند هذا الرجل العالم المعلم الذى أسهم بعلمه وتفقهه فى أن يستنهض الدين من ضيق الشروح والحواشى وحواشى الحواشى إلى الفضاء الأرحب، داعيا إلى أن يحفظ الفقهاء قوله تعالى: «يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر» و«ما جعل عليكم فى الدين من حرج» قائلا: «يجب أن يسيطر هذان النصان سيطرة تامة على جميع أمور التشريع الإسلامى، فإذا ما وجدنا أن النصوص الخاصة ببعض الأمور يوقع فى الحرج أو يحدث الضرر فيجب أو تقف النصوص الخاصة عن عملها فى تلك المواطن، وأن يعمل بالنص العام القاطع الموجب لنفى الحرج» فلننظر إلى هذه الدعوة الكريمة التى أراد بها الإمام أن يطلق عنان الاجتهاد فى إطار شرعى من الدين الخاتم الذى لا يعادى عصرا ولا يقتل علما ولا يقوض حلما.

ما أحوجنا الآن إلى التشبث بالقيم التى زرعها فقهاء التنوير الذين تناولناهم فى الحلقات الثلاثين فى جسد حضارتنا الإسلامية، ما أحوجنا الآن إلى كل هؤلاء مجتمعين فى واحد أو فى مؤسسة أو فريق، وللحق فقد زادتنى هذه الحلقات خبرة وعلما، فأنا لا أدعى أنى عالم فقه أو خبير تاريخ أو مرجع أو حجة فى شىء من هذا، وما أنا إلا تلميذ طلبت العلم فوجدته متحققا فى هؤلاء، وللحق أيضا فقد حرمتنى محدودية أيام رمضان التى شهدت هذه الحلقات فحصرتها فى ثلاثين حلقة فقط من أن أتناول أعلاما لا يقلون أهمية وتجديدا من هؤلاء الذين ذكرتهم، فرغما عنى والتزاما بالحلقات الثلاثين اضطررت إلى استبعاد الكثير من الأسماء مثل الصحابى ابن مسعود، الإمام ابن تيمية، والإمام ابن القيم، والإمام الشوكانى، والإمام الجوينى، والعالم محمد البهى، والفقيه مصطفى الزرقا، والشيخ يوسف القرضاوى، والمجدد معروف الدواليبى، والإمام عبدالحليم محمود، والإمام محمد الغزالى، وغيرهم كثير من رموز حضارتنا مجددو إسلامنا، ولقد لاحظت من واقع خبرتى المحدودة أثناء العمل على إنجاز هذه الحلقات افتقارنا إلى الدراسات الفقهية الجادة، ولاحظت أيضا أننا واقعون ما بين فقه مضى وهو كثير ولكن بحاجة إلى مراجعة وتجديد، وفقه محدث وهو قليل جدا ويكاد ينحصر فى بعض الأسماء التى تعد على أصابع اليدين، فما أشقانا ونحن نتحدث عن الشريعة الإسلامية ليل نهار أن يكون هذا هو حالنا وحال فقهنا.

من الملاحظات أيضا أننى وجدت تجاهلا لا أعرف سببه لما يمكن أن نطلق عليه «فقه الصحابة» وأعتقد أنه من الواجب الآن أن ندرس بشىء من التفصيل الفقه العمرى «نسبة لعمر بن الخطاب، والفقه العلوى «نسبة لعلى بن أبى طالب» والفقه المسعودى «نسبة لعبدالله بن مسعود» والفقه العثمانى «نسبة لعثمان بن عفان»، لنعرف كيف كان هؤلاء العظماء يفكرون فى ما استجد من أمور، على أن ينصب اهتمامنا إلى الكيفية التى كانوا يفكرون بها والآلية التى كانوا ينتهجونها ليستخرجوا الأحكام، وهى الدعوة التى أشار إليها من بعيد الإمام محمد أبو زهرة فى مقدمة كتابه «محاضرات فى تاريخ المذاهب الفقهية» حيث قال إنه من الصحابة من اشتهر بالرأى والقياس مثل عبدالله بن مسعود، وعلى بن أبى طالب مع أخذهما أحيانا بالمصلحة، ومنهم من أفتى بالمصلحة ذاتها مثل عمر بن الخطاب بل كان يقول لأبى موسى الأشعرى «الفهم الفهم فيما تلجلج فى صدر مما ليس فى كتاب أو سنة، اعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور عند ذلك» هذا فى شؤون الشرع أمام فى شؤون الدنيا لدراسة فقهه أهمية بالغة وهو المؤسس الفعلى للدولة الإسلامية، فقد رأيناه يتعامل بالنقود المصورة من الأمم الأخرى والتى تجسد ملوك الروم والفرس وتحمل العديد من الرموز الدينية والوثنية بلا أدنى حرج، ورأيناه يأخذ نظام الدواوين من فارس وبه يرسم نظم الحكم فى بلاد الإسلام بلا أى حرج أيضا، كما لو كان يرد على من يدعون أن الديمقراطية كفر وأن اتخاذ الأمثلة الناجحة من الدول الأخرى ارتداد عن الدين، فهل كان عمر بن الخطاب كافرا هو يستعير تلك الأنظمة من بلاد الكفر، أم أن ما يقولونه فى حاجة إلى ضبط وإصلاح وتهذيب؟
هنا تجدر الإشارة إلى ابتعاد تلك الطائفة عن أصول الدين وعقائده، وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه لم يخل عصر من مثل هؤلاء، فقد رأينا كيف استشهد الإمام على على يد أحمق جاهل حسب أنه يتقرب إلى الله بقتل الإمام المكرم من فوق سبع سماوات، رأينا كيف قتل الإمام زيد بن على زين العابدين على يد الطاغية الأموى هشام بن عبدالملك، ورأينا كيف عذب الإمام أبو حنيفة وأوذى لثباته على الحق وحرصه على التجديد وتحدى الملك الذى كان يريد أن يتزوج خلاف زوجته فلم يرض بذلك، كما رأينا كيف سجن الإمام مالك لأنه قال رأيا، ورأينا كيف قتل الإمام الشافعى كما قال ياقوت الحموى فى معجم البلدان من الحمقى أتابع مالك لأنه خالف إمامهم، ورأينا كيف عذب الإمام أحمد وسجن فى محنة خلق القرآن وكيف تقولوا على الإمام ابن حزم وأحرقوا له كتبه، وكيف تطاولوا على الإمام أبوحامد الغزالى وكفروه وهو الذى أحيا علوم الدين، ورأينا كيف نفوا العز بن عبدالسلام وعذبوه وآذوه لأنه لم يسر مع السائرين، ورأينا كيف كفروا الطهطاوى الأفغانى وعبده وكيف تجرؤوا على الإمام محمود شلتوت والمراغى وعبد المتعال الصعيدى وكيف قتلوا عبدالرحمن الكواكبى بالسم دون رحمة وكيف تجرأ الجهال على الإمام محمد أبوزهرة بسب رأيه فى حد الرجم وكيف تجرؤوا أيضا على الباقورى لأنه اتبع التيسير والسماحة منهحا وكيف تسممت ألسنتهم واسودت قلوبهم فرمى أحد أكبر شيوخ الوهابية المنحلة الشيخ الشعرواى بالانحراف، وكأن قدر كل مصلح ومجدد أن يتم اتهامه بما ليس فيه، تأكيدا للقول «الناس أعداء ما جهلوا» فطبيعى أن يصير حملة العلم شوكة فى ظهر الجهال والمنافقين.

هنا لابد لنا من وقفة عند أمر فى غاية الأهمية، وهو أنه من الملاحظ أن الفقه الإسلامى مدرسته المصرية المتسامحة الرحبة أصبح عدوا بينا للوهابية ومرتزقيها، فما من عالم مصرى ملتزم مستنير إلا وستجده على صليبة مدفع الوهابيين، يكفرون الإمام محمد الغزالى ويتطاولون على الإمام شلتوت، بل وصل الأمر بأحد علماء الوهابية وهو المسمى بصالح الفوزان إلى رمى إمام الفقهاء الملقب بأفقه أهل الأرض «محمد أبوزهرة» بالجهل والحقد والتطفل على العلم وأخذ يبث سمومه فى مقالاته متطاولا على من شهد له جميع فقهاء عصره والعصور اللاحقة بالريادة فى العلم والفقه، كما وصل الأمر بأحد هؤلاء إلى أن يؤلف كتابا قال مؤلفه فى عنوانه أن يوسف القرضاوى «كلب عاوى» وما هذا العداء الواضح الذى يتخذ من أحقر الخصال منهجا إلا عداء لدور مصر الإسلامى السامق، وأعلامها الرواد وهو ما يجب أن ننتبه مدافعين عن أئمة التنوير ضد رؤوس الفتنة والتكفير، الذين يكيلون للإسلام اتهامات بشعة بدعوى الحفاظ عليه وما هم إلا يحافظون على سطوتهم وملكهم ونفوذهم وأموالهم.

شىء غاية فى الأهمية لاحظته أثناء إعدادى لهذه الحلقات وهو أنه كلما سار بنا الزمان أصبحنا أكثر تشددا وما تشددنا إلا لأننا منهزمون داخليا وخارجيا فالإنسان لا يكون فى أكثر حالاته عصبية وتشددا إلا حينما تحل به الهزيمة وينزل منه الضعف، ولعله من الواجب الآن أن ننزع عن أنفسها أقنعة المنهزمين وأن ننظر إلى ديننا بلا ريبة أو خشية، ويجب أيضا أن ننزع عنا التمذهب والتعصب وآفة عدم الخروج عن تعاليم المذهب الواحد التى يتشدد فيها البعض حتى يحسب الواحد أن كل مذهب دين جديد من يخرج عنه يكفر، كما يجب علينا أن ننظر بعين الفحص والمراجعة لما قال عنه الإمام محمود شلتوت «أحاديث الآحاد» التى قال إنه لا يصح أن نحكم بها أو أن نحتكم إليها فى أمور التشريع والعقيدة، كما يجب علينا أن ننظر إلى الطنطنة باسم الإجماع، لأنه معيار زمنى متغير، فما أجمع عليه الصحابة بعد وفاة الرسول غير ما أجمعوا عليه أيام الرسول، ولننظر مثلا إلى حد الخمر لنعرف كيف كان اجتهاد الصحابة نابعا فى الأساس من الواقع، فالرسول كان يضرب شارب الخمر أربعين ضربة بالنعال أو بالجريد، فالغرض الأساسى من العقوبة هو التشديد على الـتأثيم، لكن هذا الحد تغير بعد ذلك حتى جعله الإمام على ثمانين ضربة، وجعله عمر بن الخطاب بالسوط بدلا من الجريد أو النعال، وذلك لأنهم رأوا أن الظاهرة تفشت فى المجتمع حتى أن بعض الصحابة كانوا يعاقرون الخمر مثل قدامة بن مظعون الذى كان من أهل بدر وممن شهدوا الهجرتين، ولذلك كان التشديد بالمخالفة لظاهر السنة واجبا، لأن السنة الحقيقية هى فى العمل على تجريم شرب الخمر لبتر هذه الظاهرة من المجتمع أو تقليلها بصرف النظر عن طريقة معالجة هذا الأمر، وما يجوز فى التشديد يجوز أيضا فى التخفيف، ومن هناك يجب أن ندرس الآلية التى كان يفكر بها الصحابة والأئمة المجددون لا أن نتوقف عند نتيجة ما توصلوا إليه بهذه الآلية، وتمسكنا بظاهر النص وليس بحكمته، وحاولنا بقدر الإمكان أن نبطل عمل العقل فى الشريعة وأجهدنا عقولنا فى إثبات ذلك غير مدركين أن إعمال العقل فى إبطال العقل اعتراف ضمنى بأهمية أعمال العقل فى الدين وضرورته.

بقى أن نستعرض أهم ما أثارته هذه الحلقات من ردود أفعال وأهم ما واجهته من اعتراضات، والتى أظن أن مناقشتها واجبة عملا بمبدأ الرأى والرأى الآخر، خاصة أن حلقتى الإمام أحمد ابن حنبل والإمام محمد أبو زهرة قد نالتا قدرا كبيرا من الاهتمام والجدل لما فيهما من اشتباكات أرى أنها من الأهمية بمكان، لكن نظرا لضيق المساحة أؤجل الحديث فى هذا الأمر لوقت آخر لإعطاء الآراء المعارضة حقها فى العرض والمداولة، وفى هذا السياق أورد فى نهاية الصفحة بعض المراجع التى استعنت بها فى هذه الحلقات حتى يستزيد من أراد الاستزادة، ولأن من لا يشكر الناس لا يشكر الله، أتوجه فى هذا المقام بالشكر للزميل والصديق خالد صلاح على رعايته بهذه الحلقات واهتمامه بها وحماسه لها والعمل على وضعها فى المقام المناسب، كما يسعدنى أن أشكر أستاذى الغالى جمال العاصى وصديقى الناقد أحمد حسن والشاعر محمد طلبة والناقد حاتم حافظ على اهتمامهم البالغ بهذه الحلقات ومتابعتهم لها وتناولها بالنقد المستمر وعدم البخل بإسداء العون والنصيحة والاهتمام.
ولعل آخر ما أود أن أشير إليه هنا هى دعوة الإمام المراغى التى رأيت فيها قدرا كبيرا من الإيجاز والفعالية لم يرد أن يتبنى منهجا جديدا فى العمل على تجديد الفقه الإسلامى فقد قال الإمام: يجب أن يدرس الفقه الإسلامى دراسة خالية من التعصب لأى مذهب، وأن تدرس قواعده مرتبطة بأصولها من الأدلة، وأن تكون الغاية من هذه الدراسة عدم المساس بالأحكام والمجمع عليها، والنظر فى الأحكام الاجتهادية لجعلها ملائمة للعصور والأمكنة والعرف، وأمزجة الأمم المختلفة كما كان يفعل السلف من الفقهاء كما يجب أن تدرس الأديان ليقابل ما فيها من العقائد والعبادات والأحكام بما هو موجود فى الدين الإسلامى، ليظهر للناس يسره وقوته وامتيازه عن غيره فى مواطن الاختلاف» كما دعا الإمام إلى وجوب دراسة كل فرقة إسلامية وظروف نشأتها والعوامل السياسية التى تحكمت فيها، بحيث يخرج الإسلام نقيا من حروب الفتنة والتقول على الدين بالزج فيه بما ليس فيه، بناء على رغبة سلطان أو زلل عالم، لكن للأسف ذهبت تلك الدعوة هباء ولم تجد من يتصدى لها بشكل جماعى ليتحصن من غوغائية العامة أو مزايدة المزايدين المدعين، وما أحوجنا الآن إلى جعل هذه الدعوة نبراسا للاهتداء بنور الإسلام ودفع الشبهات عنه ممن يحتكرون الحديث باسمه، وإنى لأنتهز هذه الفرصة الطيبة لأوجه الحديث إلى كل من وزارة الثقافة التى نسيت طوال عهود مضت ما للإسلام من دور كبير فى «الثقافة» وإلى الجامع الأزهر الذى غاب عن مكانه زمنا طويلا فاحتل مقعده شرار الناس وأرذلهم إلى تبنى دعوة الإمام المراغى بأن ننشئ جيلا من المحققين والفقهاء والدارسين لدقائق الفقه والتاريخ والأديان والمذاهب، وكم أتمنى من هذين الكيانين الكبيرين أن يعملا سويا من أجل إنشاء مركز إسلامى ثقافى حضارى كبير يخرج لنا أئمة مستنيرين يتخذون من المنهج العلمى سبيلا ومن القرآن والسنة هاديا ومن إرثنا كله مؤونة وذخيرة للعمل من أجل استكمال مدرسة الإمام محمد عبده والمراغى وشلتوت وأبو زهرة والباقورى والشعرواى ليظل الإسلام محتفظا بسنة التجديد التى طالب بها نبى الإسلام، ولكى لا يفرض علينا أحد رأيه القاصر أو فهمه المنغلق، ولا أتخيل أن يحمل هذا المركز الحلم سوى اسم الإمام محمد عبده الذى يدين له الجميع بالفضل، والذى يقدم لنا صيغة مكتملة للإسلام ومنهجه غير مبتورة عن سياقه ولا مقتطعة من تاريخه ولا منفصلة عن واقعه، الإسلام الحق الإسلام كما أنزل من عند الله وليس دينهم المبتور المشوه.

قائمة بأهم المراجع التى استعان بها الكاتب

القرآن الكريم
مسند الإمام أحمد بن حنبل
الدعوة إلى الإسلام - محمد أبوزهرة
ابن تيمية حياته وعصره وآراؤه وكتبه - محمد أبوزهرة
أصول الفقه - محمد أبوزهرة
أصول النظام الاجتماعى فى الإسلام - الطاهر بن عاشور
الإمام أبوحنيفة - محمد أبوزهرة
الإمام أحمد بن حنبل - محمد أبوزهرة
الإمام الشافعى - محمد أبوزهرة
الإمام مالك - محمد أبوزهرة
الأئمة التسعة - عبدالرحمن الشرقاوى
الإمام زيد - محمد أبوزهرة
العقوبة - محمد أبوزهرة
المجتمع الإنسانى فى ظل الإسلام - محمد أبوزهرة
فقه الإمام أحمد بن حنبل - محمد أبوزهرة
محاضرات فى تاريخ المذاهب الفقهية - محمد أبوزهرة
المجتهدون فى التشريع - محمد رجب بيومى
الاجتهاد - محمد مصطفى المراغى
الحرية الدينية فى الإسلام - عبدالمتعال الصعيدى
لماذا أنا مسلم - عبدالمتعال الصعيدى
محاضرات فى تاريخ المذاهب الفقهية - محمد أبوزهرة
القضايا الكبرى فى الإسلام - عبدالمتعال الصعيدى
اشتراكية الإسلام - مصطفى السباعى
هكذا علمتنى الحياة - مصطفى السباعى
السنة ومكانتها فى التشريع الإسلامى - مصطفى السباعى
من روائع حضارتنا - مصطفى السباعى
ابن حزم الأندلسى - زكريا إبراهيم
ابن حزم الأندلسى «عصره تمركزه وفكره التربوى» - حسان محمد حسان
طاهرة بن حزم - أنور الزغبى
أبوحامد الغزالى.. المفكر الثائر - الصادق عرجون
الإمام الغزالى بين ناقديه ومادحيه - يوسف القرضاوى
الإمام الغزالى مجدد المائة الخامسة - صالح أحمد الشامى
الإمام الغزالى وعلاقة اليقين بالعقل - إبراهيم الفيومى
التربية والسياسة عند أبوحامد الغزالى - أحمد عرفات القاضى
صفوة إحياء الغزالى - محمود على قراعة
نظرات فى فكر الغزالى - عامر النجار
زعماء الإصلاح فى العصر الحديث - أحمد أمين
ثائر تحت العمامة - نعم الباز
الاجتهاد فى الإسلام - مصطفى المراغى
الزمالة الإنسانية - مصطفى المراغى
الشاطبى ومقاصد الشريعة - حمادى العبيدى
القواعد الإسلامية عند الشاطبى - الجناينى المرينى
نظرية المقاصد عن الإمام الشاطبى - أحمد الريونى
مقاصد الشريعة - عبدالرحمن يوسف
الاعتصام - الشاطبى
العز بن عبدالسلام «حياته وآثاره ومنهجه فى التفسير» - إبراهيم الوهيبى
كتاب حل الرموز ومفاتيح الكنوز - العز بن عبدالسلام
الموردى وفكره السياسى - خلف الجراد
أدب الدين والدنيا - المواردى
الفكر السياسى عند المواردى - صالح عثمان
الأحكام السلفية - المواردى
القضاء والقدر - جمال الدين الأفغانى
جمال الدين الأفعانى - على شلش
جمال الدين الأفغانى وإشكاليات العصر - مجدى عبدالحافظ
منهج الأفغانى ودفاعه عن الإسلام - زاهد روسان
حسن العطار - محمد عبدالغنى
الجذور الإسلامية للرأسمالية - بيتر جران
الدولة والخلافة فى الخطاب العربى - رشيد رضا وعلى عبدالرازق
الفقه المقاصدى عند رشيد رضا - منوبه برهانى
رشيد رضا الإمام المجاهد - إبراهيم العدوى
رشيد رضا والخطاب الإسلامى المعتدل - سمير أبوحمدان
لماذا تأخر المسلمون - شكيب أرسلان
فتاوى رشيد رضا - صلاح الدين المنجد
حقوق النساء فى الإسلام - رشيد رضا
الإسلام والعقل - عبدالحليم محمود
دفاعا عن العقيدة والشريعة - محمد الغزالى
السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث - محمد الغزالى
التوحيد الأدبى للعبادات - عبدالمتعال الصعيدى
الخلافة الإسلامية فى عهد الخلفاء الراشدين - عبدالمتعال الصعيدى
محمد عبده رائد الفكر المصرى - عثمان أمين
عبقرى الإصلاح محمد عبده - عباس محمود العقاد
الإمام محمد عبده - محمد الجوادى
الأعمال الكاملة لمحمد عبده محمد عمارة
رفاعة الطهاوى رائد التنوير محمد عمارة
من توجيهات الإسلام محمود شلتوت
الفتاوى محمود شلتوت
الإسلام عقيدة وشريعة محمود شلتوت
المفكر الإسلامى مصطفى عبدالرازق عبدالفتاح المغربى
من آثار مصطفى عبدالرازق على عبدالرازق
مقدمة طه حسين
موسى بن ميمون - ترجمة مصطفى عبدالرازق
الفقهاء والخلافة فى العصر الأموى - حسين عطوان
الليث بن سعد - عبدالحليم محمود
النهضة الإسلامية فى سير أعلامها المعاصرين - رجب البيومى
تجديد الفقه الإسلامى - جمال عطية ووهبة الزحيلى
عبقرية الإمام - عباس محمود العقاد
عبقرية عمر - عباس محمود العقاد
تجديد الفكر الدينى - محمد إقبال
المدخل الفقهى العام - مصطفى الزرقا
الفقه الإسلامى ومدارسه - مصطفى الزرقا
عرفت الشعراوى - محمود جامع
مائة سؤال وجواب - محمد متولى الشعرواى وغيرهم

_________________

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  * الدال على الخير كفاعله *
سبحان الله .. الحمد لله ..  الله أكبر ..  لا إله إلا الله
لا حول ولا قوة إلا بالله ... سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد
كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم

من هذا المبدأ الدال على الخير كفاعله

كيف تستفيد من الانترنت وتربح الكثير من المال باقل مجهود
ارشح لكم هذا العمل للكسب السريع بدون اي تكلفة مادية منك
من هنا .هنا هنا هناااااااااااااااااااا..
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://said63.goodforum.net
 
فقهاء التنوير من عمر بن الخطاب يكتبه وائل السمري لكم
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات شباب العرب لكل العرب مدير المنتدى / سعيد حسين ياسين العطـار  :: الوطن العربي بلاد العرب أوطاني :: ثورة شباب مصــــــــــــر 25 يناير 2011..EGYPT-
انتقل الى: